عرض فيلمه «كنت هناك في بغداد» في «الخليج السينمائي»… رشيد عرفان: رغم الغياب… بغداد حاضرة في تشيلي والأرجنتين

الوسط – منصورة عبدالأمير 

لا تقتل الغربة الحنين إلى الأوطان، الأوطان الجديدة التي تسكنها لا تسكنك بقدر ما يفعل وطنك الأم. قد تعيش تجاهه غربة يضاعفها طول السنين وبعد المسافات، لكن الوطن يظل دائماً قابعاً بداخلك، متربصاً بك، متواطئاً مع كل الأشياء بداخلك ومن حولك. ولعل العراق يبدو كأنه الوطن الأشد قسوة وتنكيلاً بأبنائه وربما الأكثر وجعاً من بين كل الأوطان.

الصحافي العراقي عرفان رشيد، يدرك هذا الأمر، وهو وإن خشي أن تقتلع غربته العراق من داخله، إلا أنه يعلم تماماً أنه سيظل مسكنوناً ببغداد الستينات والسبعينات، ويثق بأن البعد وإن طال والمسافة وإن كبرت لن تأخذه منها ولن تأخذها منها، كما لن تقربهما أبداً.

عرفناه صحافيّاً، مديراً لقسم البرامج العربية بمهرجان دبي، ومديراً فنيّاً لمهرجان بحر السينما العربية في إيطاليا، ومحرراً في قناة «راي ميد» الإيطالية. التقيناه في العام 2009 مخرجاً قدم فيلماً قصيراً للأطفال، عرض في الدورة الثانية لمهرجان الخليج السينمائي، تحت عنوان: «حروب الكبار»، وطرح من خلاله أسئلة عديدة عن الحروب وأسبابها جاءت على لسان طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها العاشرة. الحرب التي كانت محور أسئلة الطفلة كانت حرب بلاد العراق، والفيلم الذي قام رشيد بتأليفه وإنتاجه وإخراجه كان دراميّاً توثيقيّاً لتاريخ حروب بلاده.

ولأن العراق لم يغادر قلب رشيد وروحه وذاكرته يوماً، حتى وإن لمح بذلك، نجدها حاضرة في فيلمه الجديد «كنت هناك في بغداد» الذي عرض خلال الدورة السادسة من مهرجان الخليج السينمائي التي أقيمت في شهر أبريل/ نيسان 2013. وكما فعل في فيلمه السابق؛ فقد أخرج رشيد فيلمه هذا وأنتجه وتولى كتابة السيناريو الخاص به وتأليفه، بل أضاف إلى ذلك ظهوره في الفيلم راوياً لسيرته الذاتية ولسيرة العراق.

رشيد بدأ فيلمه بعبارة سمعها من الشاعر الإسباني رافائيل ألبيرتي حين سأله عن المنفى قبل 25 عاماً، يقول فيها: «في لحظة ما من حياتك غريباً يتحوّل المنفى إلى وحش دموي يحاول اقتلاع جذورك من داخلك، بمقدورك الصمود إذا ما اقتنعت حقّاً بأنك لاتزال هناك في وطنك».

وحش المنفى لم يتمكن من اقتلاع بغداد من داخل رشيد، وحش ذاكرته أقوى بكثير، فها هو يعود إليها بفيلمه راثياً لما آلت إليه أمورها، متمعناً في ما حل بها مذ غادرها وربما قبل أن يغادرها، عاقداً مقارنة شيقة على درجة كبيرة من التفصيل والدقة لتاريخها الحديث بتاريخ دول مثل تشيلي… فهذه الدولة مرت في تاريخها الحديث بما يشبه ما مرت به العراق بعد انقلاب حزب البعث على الحاكم. بينوتشيه انقلب على الرئيس التشيلي المنتخب سيلفادور الليندي في السبعينات. قتل الرئيس في ظروف غامضة وأدخل البلاد في حقبة مرعبة امتدت إلى عقود. صدام حسين فعل الأمر ذاته في العراق حين شارك في الانقلاب على عبدالكريم قاسم وأطلق النار عليه. بدأ بينوتشيه حكمه العسكري الديكتاتوري بقتل الرئيس سيلفادور الليندي تماماً كما بدأ صدام حسين فترة حكمه الاستبدادية المرعبة بقتل الرئيس عبدالكريم قاسم.

ويستمر رشيد في عقد المقارنات بين تشيلي والعراق منذ تلك الفترة حتى الوقت الحالي، ليعرج بعدها على عقد المقارنات ذاتها بين بغداد وبيونس أيرس. تسكنه العراق مهما حاول أن يثبت العكس.

ومهما يكن ما يفعله رشيد مع العراق في فيلمه، إلا أنه لم يتمكن من أن يبدد الوحدة التي يشعرها جراء فراقه للعراق. لم يقترب منها، وعلى رغم أنه صرح في المؤتمر الصحافي الذي أجراه بعد عرض الفيلم مباشرة خلال المهرجان، أنه أصبح بعيداً، بعيداً جدّاً عن بغداد، إلا أنه لم يكن كذلك. رشيد لايزال يعيش عراق الستينات والسبعينات التي غادرها العام 1978، ولا يزال يسترجع تفاصيل اللحظات الحاسمة التي أوصلت حزب البعث إلى كرسي الحكم، ولايزال يتذكر الضابط الذي رفع فوهة المدفع إلى الأعلى بعد أن بدأ الجندي المكلف إطلاق النار على المتظاهرين في الساحة الرئيسية في بغداد، وهم الذين جاؤوا يطلبون إيضاحاً عن رحيل عبدالكريم قاسم، ويريدون أجوبة شافية لأسئلتهم. لايزال يعيش تلك اللحظات، لايزال يتذكر طعم القرب من الموت، في الواقع لايزال شابّاً صغيراً يصرخ مع العراقيين في وسط ساحات بغداد، وهو يقول: «أشعر بوحدة أقل الآن، لكني أعتقد أني أصبحت أكثر بعداً من بغداد. أشعر أنني لن أعثر على بغداد التي أعرفها».

لكن هل يريد رشيد العودة أصلاً وهو الذي يؤكد أنه غير متفائل بأن يعثر على بغداد التي يعرفها ويحبها، ويقول: «بغداد لم تعد موجودة. لا يمكنني أن أتفاءل في ظل وجود الأشخاص الذين يحكمون العراق الآن (…) العودة إلى بغداد الآن ستكون بمثابة العودة إلى مدينة أخرى».

مهما يكن من أمر فما يقدمه رشيد ليس فيلماً، كما يشير هو بل وقفة مع النفس، ومحاولة اعتراف، كما يسميها رشيد «هذه سيرة ذاتية كتبتها أثناء رحلة لم تتجاوز الساعتين من بيونس أيرس إلى روما. لم أغير أي شيء مما كتبت خلال تلك الرحلة، أضفت فقط جملة أخيرة وغيرت العنوان من «وصية» إلى «كنت هناك في بغداد».

وكما تشبه تشيلي بغداد، كذلك هي بيونس آيرس، يقول رشيد إنه شعر فعلا أنه في بغداد حينما زارها «على الأخص في المشهد الأخير، الذي صورته في شارع يسير بمحاذاة النهر، شعرت وكأنني في شارع الحب في بغداد والذي نسميه شارع الأميرة. كان هذا الشارع هو المعبر من وسط المدينة إلى الباب الشرقي حيث دور السينما والمسارح والمراكز الفنية. كان كذلك شارع الحب الذي تتم فيه كل مواعيد الحب، وهو الشارع الذي ترى فيه الفتيات الجميلات، هو شارع الحياة والجمال».

وكما لا يفضل رشيد العودة إلى بغداد ويحبذ أن يبقى بعيداً عنها ليحافظ على الذكريات الجميلة التي يحملها لها، لم يشأ في أحد مشاهد فيلمه إفساد نزهة جميلة جمعت مجموعة من الصبية والفتيات، ظنه رشيد تجمعاً لإحياء ذكرى المفقودين أثناء الحكم العسكري في الفترة ما بين 1976 و1983. لم يشأ رشيد أن يسأل عن سر التجمع، وجد الاحتفاظ بما يعتقده أكثر متعة من أن يعرف الحقيقة. تماماً كما هي بغداد الحاضرة في ذاكرته على رغم طول الغياب.

ليس مهمّاً أن يعيش رشيد في المنفى أو أن تعيش بغداد فيه، المهم أنه لم يغادرها يوماً، وأنه سكنته، بل وازداد تورطه بها وانشغاله فيها مذ غادرها وليس أدل على ذلك من قصة أم إبراهيم التي يأبى رشيد أن تغادره أو يغادرها، والتي تعود إليه مع مشهد لمسيرة حاشدة نظمتها أمهات المفقودين أثناء الحكم العسكري في ساحة عامة في بيونس أيرس إثر زيارته لها. في وسط النسوة وجد جارته أم إبراهيم، هذه المرأة العجوز الضعيفة التي لاتزال إلى الآن لا تعلم بمقتل ابنها على يد نظام البعث في الثمانينات. لا تزال تتسلم رسائل منه وصوراً، يدبرها باقي أبنائها خوفاً على قلب والدتهم إن علمت بالحقيقة. وكما تسكن بغداد وجدان رشيد، كذلك ترفض أم إبراهيم أن تغادر ذاكرته. يبكي كلما روى قصتها وكلما استحضر صورة الأم التي تنتظر عودة ابنها منذ عقود، يقول: «لأكثر من أربعين عاماً أنا متأثر ومضروب بطعنة في قلبي بسبب أم إبراهيم. هذه إنسانة حقيقية وكل تفاصيل قصتها التي ذكرتها في الفيلم حقيقية، كل شيء حدث كما هو». ويضيف «لا أذكرها مرة إلا وأبكي، اليوم بكيت وقد أبكي الآن حين أتذكرها لأنها تذكرني بأمي. كما قلت كل شيء مكتوب وقع بالفعل وهذه جزئية بسيطة مما عاشه العراقيون.

العدد 3899 – السبت 11 مايو 2013م الموافق 01 رجب 1434هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s