أُسرته أصدرت الكتاب وأقامت حفلاً لتدشينه بمركز الفنون… إبراهيم حميدان… “سيرة من ضوء” ومشوار حافل بالعطاء والتضحيات

العكر الشرقي – منصورة عبدالأمير 

fdd-m-1 (1)

في نسخة فاخرة وبتصميم أنيق يليق بسيرة وإنجازات واحد من رجالات البحرين، قررت أسرة رئيس المحكمة الدستورية السابق المرحوم إبراهيم حميدان توثيق سيرته المهنية والشخصية. وزيراً ورجل دولة لم نعرفه جيداً، فارتأت أسرته أن تبرز حجم عطاء هذا الرجل، وكم إنسانيته وإخلاصه للبحرين وللمهام التي تقلدها منذ بدايات شبابه حتى رحيله العام 2011.

هو إبراهيم محمد حسن حميدان، وسيرة الضوء كانت الكتاب الذي أصدرته أسرته بالتعاون مع الكاتب فهد حسين تحت عنوان: «إبراهيم حميدان… سيرة ضوء». كتاب حلم به في حياته، حدّث زوجته «أم ياسر» يوم كانا معاً عن رغبته في كتابة سيرته تلك حال تقاعده. قال إنه يريد أن يعكف على كتابتها بنفسه. لم يمهله القدر لذلك. رحل العام 2011 بعد مرض ألمّ به ليختطف واحداً من الوزراء ورجالات الدولة المشهود له بالعطاء والتضحيات، ناهيك عن كفاءته التي لا يختلف عليها أحد.

فضاءات «الوسط» نشرت خبراً قبل أسبوعين مفاده أن مركز عيسى الثقافي تبنى إصدار الكتاب وتدشينه، لكن الواقع هو أن الأسرة تولت الكتاب منذ بدايات فكرته حتى صدوره وطباعته وتدشينه والإعداد للمعرض المصاحب لحفل تدشينه في مركز الفنون التابع إلى وزارة الثقافة، والذي أشارت الأسرة إلى أنه حظي بدعم كبير من وزيرة الثقافة الشيخة مي بنت محمد آل خليفة التي سهَّلت للأسرة حجز مركز الفنون وتكفلت نفقات الضيافة أثناء الحفل.

في هذا العدد نلتقي أم ياسر «وفية»، الزوجة الوفية، التي ما إن استوعبت أمر وفاة زوجها حتى تذكرت الحلم القديم فصممت على أن تحققه لزوجها الراحل وفاء منها للزوج الغالي والأب الحنون ولرجل الدولة الشريف المخلص لوطنه ومنصبه.

تقول أم ياسر «تطلب مني الأمر شهوراً لأستوعب أمر وفاة أبوياسر. بعد ذلك وفي خريف العام 2012 تذكرت حلمه القديم. قبل وفاته كان يتمنى كتابة سيرته، ليسرد كل ما مر به خلال السنوات التي عاشها والمراحل التي عاصرها ومعاناته في أيام الدراسة، كان يكرر دائماً بأنه سيقوم بذلك حين يتقاعد ويتفرغ للكتابة. لم يتمكن من ذلك، والآن حين توفي أردتُّ تحقيق رغبته، تمنيت أن أحقق شيئاً مما كان يتمناه وهذا ليس سوى أمر بسيط مما قدمه لي. لا يمكنني لا الآن ولا بعد مئة عام أن أنسى ما فعله لي. هذا ما دفعني لإصدار الكتاب.

كان أول ما فعلته أم ياسر هو أن طلبت المساعدة من مدير المكتبة الوطنية بمركز عيسى الثقافي منصور سرحان ليساعدها في اقتراح من يمكنه المساعدة في إعداد سيرة أبوياسر فـ «رشح لي الأستاذ فهد حسين. شكلت معه فريقاً ضم إلى جانبنا ابني سلمان وزوجة ابني ياسر ميساء. لعام كامل عملنا معاً، وفرنا له ما يريد وكان هو نعم الاختيار».

ويتدخل سلمان، الابن الأصغر للمرحوم حميدان «كان ذلك مباشرة بعد تبرعنا بمكتبة الوالد لمركز عيسى الثقافي. تبرعنا بما يصل إلى 800 كتاب ضمتها مكتبة الوالد تنوعت بين الكتب القانونية والمراجع العلمية والتاريخية. التقنيا منصور سرحان وحدثناه عن الفكرة. أردنا أن يعرف الأحفاد سيرة جدهم وما قدمه.

أوراق طالما تذمرت منها

تقول أم ياسر إنها وبعد أن فاتحت سرحان، بدأت مباشرة البحث في ما يوثق حياة شريك العمر. وتوضح «لم يكن المرحوم يتخلص من أية ورقة من أوراقه، كل الأوراق يحتفظ بها، حتى تذاكر السينما والباص أثناء دراسته في الجامعة، وأرصدة الدفع لمدارس أبنائنا وجامعاتهم. كان يمنعني من دخول مكتبه لأنه يخشى أن أتخلص من هذه الأوراق. اعتمدت هذه الأوراق؛ لإعادة شريط حياته».

وتواصل «هذه الأوراق كثيرة، وضعها في علب ورقية وتنقلت معنا عبر منازلنا الأربعة بدءاً من شقتنا في عمارة الماجد في المنامة حتى شقتنا الثانية في عمارة دلمون بالقرب من سينما اللولو وصولا إلى منزلنا في القفول حتى هذا المنزل.

وتؤكد أم ياسر أنها لم تتمكن من استخدام كل تلك الأوراق والوثائق «أحضرت كل علب الأوراق من منزلنا في القفول. بالطبع هناك بعض الوثائق التي لا تهم القارئ وخاصة التي تخص عمله الإداري البحت، ولذلك قمت بفرزها والتخلص منها. فتحت العلب بنفسي ولم أسمح لأي أحد الاطلاع على ما فيها حتى أولادنا فقد شعرت بمسئولية كبيرة تجاه الأمر.

استغرق مني العمل على هذه العلب وفرزها وتصنيفها ثلاثة أشهر. كنت أعمل بشكل يومي ولساعات طويلة.

خطة العمل ونادي العروبة

يقول الكاتب فهد حسين «أخبرني سرحان أن زوجة الأستاذ ابراهيم حميدان ترغب في إعداد كتاب عن حياة المرحوم. التقيتها ولم أكن حينها أعرف الكثير عن أبوياسر. اتفقنا على أن أضع خطة للكتاب أوافيها بها لاحقاً. بعد أسبوع ارسلت الخطة، واقترحت عنوان الكتاب وتم الاتفاق فيما بيننا على هذه الخطة التي تتضمن توضيحاً موجزاً لمفهوم السيرة، ثم تتحدث عن حياته، ويشمل ذلك نشأته وتعليمه، الوظائف التي تبوأها، وآراء الناس الذين عاشوا معه.

ويواصل حسين «أطلعتني أم ياسر على الوثائق التي تؤرخ سيرته. لكنني كنت بحاجة إلى معلومات إضافية. سألتها عمن يمكنني التواصل معه من الأشخاص الملازمين له. أرشدتني لأصدقائه ولبعض أعضاء نادي العروبة. علمت أن المرحوم كان عضواً في النادي وكانت له يد كبرى على النادي، وعلى رغم أنه لم يكن عضواً اداريّاً ولم يترأس أية لجنة فإنه كان يعبتر بمثابة مستشار أول وكانت له مكانة مرموقة. التقيت مع اربعة اشخاص يمثلون علاقاته الاجتماعية داخل النادي وكونوا صداقات معه حتى على مستوى العوائل. أخذت منهم الكثير من المعلومات التي أريدها، بعضها لم يكن صالحاً للنشر لكنني أردتُّ معرفتها لإعطائي فكرة عن علاقة ابراهيم حميدان بالنادي.

الطفولة: دكتور أكبر وجواد العريض

يقول حسين: احتجت إلى معلومات عن طفولته ودراسته، فدلتني أم ياسر على أقرب صديقين له، وهما دكتور أكبر محسن والأستاذ جواد سالم العريض اللذان سردا لي ذكرياتهما أيام الدراسة، بل إني طلبت منهما كتابة شهادات في المرحوم، وضمنتها في الكتاب إلى جانب شهادات عدد من الشخصيات الرسمية. بعدها التقيت أفراد عائلته وأبنائه وزوجاتهم، وكذلك إخوته وأخواته لمزيد من المعلومات. ما تبقى كان لدى أم ياسر ووسط ذكرياتها.

مرة أخرى تتذكر أم ياسر وابتسامة تحمل الكثير ترتسم على وجهها «أخبرت فهد بما سمعته من أمي وأم ابراهيم عن طفولته وولادته. كان ابن خالتي وكان منزلانا متجاورين».

فهد: أخبرتني أن ولادة أمه به تعسرت، وأنها اعتقدت أنه مات قبل ولادته لكن الحياة دبت فيه بعدها.

وهنا يتدخل ابنه الأصغر سلمان في الحديث قائلاً: كمٌّ كبيرٌ من المعلومات حصلنا عليها من سكرتير الوالد عبدالله فولاذ الذي ظل مرافقاً له لمدة ثلاثين عاماً.

وتتدخل الوالدة: بل أربعون عاماً، فهو معه منذ وزارة المواصلات، ومع تغير منصبه في كل مرة كان يفتح له المجال أن يتركه إن شاء لكن فولاذ كان يرفض تركه. لم يكن المرحوم يستطيع الاستغناء عن فولاذ. وبالنسبة إلى الكتاب فقد كان من أهم المصادر لمعرفة الكثير عن حياة المرحوم إذ عاشا معاً سنوات طويلة وكانا يحملان الطباع نفسها وكان يخبره بكثير من الأمور التي لا أعرف عنها أنا. حين سألناه قال لي إن هناك بعض الأمور التي لا يمكنه التحدث فيها. رافقه في كل سفرات العمل الرسمية. كان يشعر انه ابن من ابنائه. لقد بقي معه حتى آخر حياته المهنية.

الوزير «المخلص» لم يخفِ شيئاً

يقول فهد «قبل أن أشرع في الكتابة، وجدتُّ أنه من المناسب أن أسأل الموظفين ممن عملوا معه. دهشت لكم الإشادات التي وصلتني. حدثتهم على انفراد وأجمعوا كلهم على اخلاصه وأمانته. كذلك وجدتُّ أن هذا الرجل لم يكن لديه ما يخفيه، حتى الوثائق والأوراق التي أخبرتْ أم ياسر أنها لم تكن صالحة للنشر، فهي وثائق حكومية رسمية تتعلق بأمور الدولة».

ويواصل «كان ككتاب مفتوح، علاقته مع الجميع لم يكن فيها غموض. كان هادئاً فقط. أردتُّ الكتابة عن حياة هذا الرجل. يستحق بالفعل ان يتم إبرازه للأجيال المقبلة لتعرف كيف يمكن أن يكون الوزير مخلصاً لوطنه ويؤدي دوره بأمانة. لم يولد وفي فمه ملعقة ذهب. صنع نفسه بنفسه، وأصبح من رجالات الدولة، ثم ربى أبناءه بالطريقة نفسها وجعلهم يصنعون أنفسهم بأنفسهم.

ويؤكد سلمان: «كان يرفض أن يتدخل في توظيفنا، ولذلك شققنا طريقنا بأنفسناً. كان شديداً معنا، وكنا نخشى مواجهته إن لم تكن درجاتنا بالمستوى الذي يرتضيه».

ام ياسر: لقد صنع نفسه بنفسه، حين كان يدرس في المغرب وكان ذلك لمدة اربع سنوات لم يكن يتمكن ماديّاً من أن يعود في إجازة الصيف. لذا كان يضطر للنوم في الغرف الملحقة بالكنيسة في فترة إجازته الصيفية، إذ كان حاصلاً على منحة دراسية من جامعة الرباط تغطي نفقات الدراسة والسكن طوال العام الدراسي وليس في الإجازات.

وتواصل: كان يرغب في أن يكمل دراسة الماجستير لكنه كان بين نارين، حاجة أهله وإتمام دراسته. لذلك عاد الى البحرين وفتح مكتب محاماة مع صديقه خليفة البنعلي يعتبر من أوائل مكاتب المحاماة في البحرين، ربما الثاني.

التفاصيل الصغيرة… أجمل

يقول فهد «أثناء عقدي لكل اللقاءات وخلال بحثي في الصور والوثائق، لاحظت بعض التفاصيل الصغيرة والمميزة للمرحوم منها أنه كان دائماً يحرص على لبس خاتم ذي فص أزرق، وأنه كان يرتدي الساعة في اليد اليمنى. بعدها حدثتني أسرته عن المقتنيات الجميلة التي حرص على جمعها طوال حياته مثل العكازات والسبحات والأقلام».

وتؤكد أم ياسر ضاحكة: «كان يحرص على البحث عن هذه الأشياء في كل الرحلات التي يسافرها، وأتذكر أنه في إحدى المرات وأثناء سفرنا إلى سنغافورة، اشترى عكازين أعجباه كثيراً. وظلنا نحملهما طوال رحلتنا التي تنقلنا فيها عبر عدد من المطارات، إذ لم نكن قادرين على وضعهما في حقائبنا. كنت أتذمر طوال الرحلة، وأظن أن تذمري ذاك هو ما جعلنا ننساهما في الطائرة».

ويضحك فهد: «كتبت أيضاً عن قلم الباركر الذي حصل عليه كهدية حين كان في الثانوية والذي لايزال موجوداً بين مقتنياته».

وتلتقط أم ياسر أطراف الحديث لتكمل ضاحكة: «هذا القلم رافقه أثناء دراسته في المغرب وكان يرسله بين الحين والآخر لوالده في البحرين ليقوم بإصلاحه إذا كسر أحد أجزاؤه. كان يحب أشياءه ويتعلق بالقديم منها».

وتضيف أم ياسر «كان أبو ياسر يكتب كلماته التي يلقيها بنفسه. لم ننشر هذه الكلمات بعد، وأعتقد أننا بحاجة إلى ملحق خاص لنشرها. كان يكتب ما يشعر به».

ويتذكر سلمان: «أتذكر أنه كان ينفرد بنفسه في مكتبه ليومين من الظهر حتى المغرب ليكتب الكلمات. كنا نعرف أن لديه حالة طوارئ. وفي تلك الأيام لم يكن يتحدث كثيراً».

ويضيف سلمان «كان والدي منضبطاً في مواعيده، فإذا كان لديه موعد في الثامنة كان يجهز نفسه عند السادسة ويظل منتظراً وقت موعده. لقد علمنا النظام في كل شيء، حتى في مواعيد الوجبات والعودة إلى المنزل».

«الوراقون» وتجربة مميزة

صديق للعائلة أشار على أم ياسر والأبناء الاستعانة بمؤسسة «الوراقون» لطباعة الكتاب، تقول أم ياسر «التقنيا المسئولين هناك وتناقشنا معهم عن التصميم الأفضل، وبالفعل تم ذلك، وكان الناتج هذا الكتاب الذي قوبل باستحسان الجميع. كنا نجلس لساعات طويلة مع المصممة أنا وفهد وسلمان وزوجة ياسر ميساء، ونقوم باختيار الصور من بين ما يفوق 500 صورة بالإضافة إلى الصور التي التقطها مصور المؤسسة لبعض مقتنيات المرحوم.

وتختم أم ياسر الحديث «أنا جدّاً سعيدة بهذا الكتاب. لقد قوبل باستحسان من الجميع سواء ممن حضروا حفل التدشين أو من أعلى المسئولين في المملكة ممن أهديناهم الكتاب وممن أعجبوا بمستوى الحرفية العالية في كتابته وتصميمه وطباعته. أنا ممتنة لجميع من عملوا عليه. وسعيدة للغاية لأنني فعلت ما تمنى أبوياسر فعله».

العدد 4004 – السبت 24 أغسطس 2013م الموافق 17 شوال 1434هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s