فيلم «هوكينغ» «Hawking»: تاريخ رجل… عادي… فقط!

الوسط – منصورة عبدالأمير 

يناقش المخرج البريطاني ستيفن فينيغان في آخر أفلامه التوثيقية «هوكينغ» Hawking حياة عالم الفيزياء البريطاني الشهير ستيفن هوكينغ. وفي الواقع فإن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تناول حياة هوكينغ على الشاشة، فقد قُدم العام 2004 في فيلم تلفزيوني باسم «هوكينغ» وقام ببطولته بنديكت كمبرباتش، ثم قُدمت سيرته في فيلم توثيقي العام 1991 وكان ذلك فيلم «تاريخ موجز للزمن» وهو من اخراج ايرول موريس.

فما الجديد لدى هذا المخرج المتخصص في كتابة واخراج وانتاج المسلسلات والأفلام التلفزيونية وعدد لا بأس به من الأفلام التوثيقية، ولماذا يقدم فيلم آخر عن عالم الكونيات الشهير هذا.

في الواقع عبّر فينيغان عن تخوفه من عمل فيلم وثائقي عن ستيفن هوكينغ، واعترف قائلاً: «كنت قلقاً من أن أبدو غبيّاً قليلاً».

لكن ضعف فينيغان في مجال العلوم تحول إلى قوة على الشاشة، إذ إنه وبدلاً من أن يركز على نظريات هوكينغ في عالم الفيزياء كما فعلت الأفلام السابقة، فضل أن يلقي نظرة شخصية على بطله البالغ من العمر الآن 71 عاماً، مع التطرق بشكل أو بآخر إلى حياته الأسرية.

ولأنه أراد أن يقدم فيلماً مختلفاً ومميزاً فقد استعان فينيغان بهوكينغ نفسه لوضع سيناريو الفيلم.

الأفلام السابقة شرحت كيف تمكن هذا العالم ضعيف التحصيل، باعترافه هو، من الوصول إلى نظريته الشهيرة في الوقت الذي بدأ فيه المرض باضعافه والسيطرة عليه، أما فينيغان فقد تمكن بشكل غير مسبوق من الوصول إلى هوكينغ وأفراد عائلته، مثل أخته وزوجته الأولى، ليقدم لمحة نادرة عن الرجل نفسه.

تطلب إعداد الفيلم سبعة أشهر من جلسات التصوير الحميمة قضاها المخرج مع عالم الفيزياء وأسرته. لم يحضر هذه الجلسات عدد كبير من طاقم العمل في أغلب الأحيان. وجد فينيغان أن هوكينغ رجل ذو عزيمة، ظريف في الأغلب ومتألق على الدوام. الكاميرات التي كانت مثبتة على كرسيه المتحرك صورت إحساسه بالعالم وهو ينساب بين حشود المعجبين، ويرتشف الشمبانيا بحذر شديد من خلال عود بلاستيكي ويتجه إلى مكتبه في جامعة كامبريدج، حيث يعمل هناك كل يوم.

مرض … وإنجازات

أصيب هوكينغ بمرض التصلب الجانبي وهو في عمر 21 عاماً وهو مرض قاتل. لم يتوقع الأطباء أن يعيش أكثر من عامين لكنه تحدى المرض حتى ناهز السبعين الآن وهي مدة أطول بكثير مما توقعه الأطباء.

تسبب المرض في شلله، لكنه على رغم ذلك استطاع أن يجاري أقرانه من علماء الفيزياء ويتفوق عليهم. هوكينغ هو أبرز علماء الفيزياء النظرية على مستوى العالم الآن. وكان قد حصل على درجة الشرف الأولى في الفيزياء من جامعة أكسفورد، ليحصل بعدها على الدكتوراه في علم الكون من جامعة كامبريدج. له أبحاث نظرية في علم الكون وأخرى في العلاقة بين الثقوب السوداء والديناميكا الحرارية، وله دراسات في التسلسل الزمني.

عرض الفيلم النظريات العلمية التي قدمها هوكينغ، كأفكار فقط، أو كرسومات على قصاصات من الورق بالطريقة التي كان هوكينغ يفعلها، حين كان يجري الحسابات الفيزيائية المعقدة الطويلة في ذهنه بدلاً من الورق. يقول فينيغان «قضى ستيفن الكثير من الوقت مع أفكاره الخاصة، للدرجة التي أصبح من المهم حقا بالنسبة لي أن أحاول معرفة ما يدور في رأسه».

مع تطور مرضه وبسبب إجرائه عملية للقصبة الهوائية بسبب التهاب القصبة، أصبح هوكينغ غير قادر على النطق أو تحريك ذراعه أو قدمه أي أصبح غير قادر على الحركة تماما، فقامت شركة انتل للمعالجات والنظم الرقمية بتطوير نظام حاسوب خاص متصل بكرسيه يتحكم بحركة كرسيه، كما يمكنه التخاطب باستخدام صوت مولد إلكترونيا وإصدار الأوامر عن طريق حركة عينه ورأسه، حيث يقوم بإخراج بيانات مخزنة مسبقاً في الجهاز تمثل كلمات وأوامر.

يقول فينيغان: «تم تضمين صوت هوكينغ الذي يتحكم فيه عبر عضلات خده في الفيلم بشكل له دلالاته، على الرغم من أن هوكينغ يحتاج لما يصل إلى 15 دقيقة ليركب ردوده».

ويضيف «في الواقع سنحت لهوكينغ فرصة اختيار صوت مختلف، أكثر شبهاً بأصوات البشر، لكنه تمسك بصوته الحالي، فهو يناسبه أكثر في هذه المرحلة من حياته على ما أعتقد».

«شخصي» بلا فضائح

يعرض الفيلم الطريقة التي ضحى بها هوكينغ بحياته الأسرية في سعيه لتحقيق العظمة والشهرة. لكن هوكينغ الذي شارك في كتابة نص الفيلم، أكد على عدم تضمينه أي فضائح مثيرة للجدل، أو حتى ذكر لزواجه الثاني من ممرضته السابقة، إلين مايسون، التي رفضت أن تظهر في الفيلم.

بعض اللقاءات هنا وهناك، ناقشت موضوع انهيار زواجه الأول من جين وايلد، وأشارت إلى أن اهتمام هوكينغ بالشهرة كان جزءاً من أسباب هذا الانهيار. تظهر جين في الفيلم وهي تسرد ذكريات شهر عسلهما، أثناء حضورها مؤتمراً للفيزياء، وتتذكر الإشادات التي حصل عليها كتابه الذي حقق مبيعات هائلة «تاريخ موجز للزمن» A Brief History of Time. يبدأ الفيلم بمشهد يبدو فيه هوكينغ يمتلئ بهجة وسروراً فيما يستقبل بحفاوة بالغة في مؤتمر عقد في سان فرانسيسكو، بعد اصداره الكتاب مباشرة.

يشار إلى أن هوكينغ نشر الكتاب المشار إليه العام 1988 ويحوي تبسيطاً سلساً للنظريات الكونية وذلك لاعتقاد مؤلفه أن الأشخاص غير المتخصصين بحاجة إلى معرفة مبادئ الكون.

أحب هوكينغ الفيزياء، كما أحب أسرته والشهرة والتألق. يقول فينيغان «اعتقد أن ستيفن عاش ثلاث قصص حب كبرى. هناك علاقة حب عاشها مع الفيزياء، وأخرى مع عائلته وثالثة مع الشهرة».

مؤخراً، نشر هوكينغ سيرته الذاتية في كتاب تحت عنوان: «تاريخي الموجز» My Brief History، وقد تطرق فيها إلى موضوعات مماثلة، على رغم أنه ألقى اللوم في انهيار زواجه الأول على جين. لكن ما أراد كل من الكتاب والفيلم أن ينقلا ببساطة هو أنه على رغم أن هوكينغ قد يكون عبقريّاً، إلا أنه أيضاً رجل، حقيقي، وله أخطاؤه». يقول فينيغان «هو بالتأكيد شخص مدهش، لكنه يظل رجلاً عاديّاً».

بقي أن نعرف أن إنجازات هوكينغ وكفاءته في الفيزياء النظرية تتضمن إلى جانب ما ذكر أعلاه مساهمته في تطوير نظرية اللاحدود للكون التي غيرت من التصور القديم للحظة الانفجار الكبير عن نشأة الكون.

حصل ستيفن على العديد من الأوسمة والتقديرات كان آخرها جائزة أمير أستورياس في كونكورد العام 1989. شارك في مظاهرات ضد الحرب على العراق، وفي العام 2013 أعلن رفضه المشاركة في مؤتمر يقام بإسرائيل.

العدد 4102 – السبت 30 نوفمبر 2013م الموافق 26 محرم 1435هـ

آخر ترجمات الخزاعي: «معطف» و«أنف» غوغول الساخط على تناقضات مجتمعه

الوسط – منصورة عبدالأمير 

fdd-9

في واحدة من آخر ترجماته، يستعرض المترجم محمد الخزاعي في كتاب «المعطف والأنف لنيكولاي غوغول» اثنتين من قصص الكاتب والروائي الروسي نيكولاي غوغول، «الأنف» (1836) و»المعطف» (1842). الترجمة منقولة عن ترجمة انجليزية قدمها العام 1972 رونالد ويلكس ضمن سلسلة «كلاسيكيات بنغوين» التي نشرتها دار بنغوين، والكتاب صادر في طبعة أنيقة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، في 124 صفحة من القطع المتوسط، وهو أحد إصدارات وزارة الثقافة بمملكة البحرين.

يقدم المترجم في مقدمته نبذة موجزة عن مؤلف القصتين نيكولاي غوغول وأهمية كتاباته في الأدب الروسي، إذ يعتبره «أكثر الكتاب الروس موهبة، وأحد دعائم نهضة روسيا الأدبية في القرن التاسع عشر»، مرجعا ذلك إلى أسلوبه الذي يجمع بين الواقعية والسخرية القاتمة ونظرته الكوميدية الغريبة» وهي كما يضيف ميزات ما عرف بعدها في القرن العشرين بأدب اللامعقول.

ويشير الخزاعي إلى أن نبوغ هذا الكاتب بدأ يتضح «من خلال مجموعة من القصص من بينها القصتين المترجمتين»، كما يوضح أن لغوغول قصة شهيرة كتبها العام 1836 هي قصة «المفتش العام» التي قدمها المسرح البحريني في مطلع السبعينات «عندما أنتجها مسرح أوال وفرقة ممثلي المنامة باللغة الإنجليزية».

في القصة الأولى «المعطف» التي تمتد على 60 صفحة يأخذنا المترجم مع القصة التي كتبها غوغول العام 1842 ويستعرض فيها قصة أكاكي أكاكيفيتشن، الموظف البسيط الذي عاش ومات دون أن يفتقد أحد وجوده، لولا معطف وشبح، أو قصة شبح ظلت ترعب قاطني مدينة سان بطرسبرغ.

يخصص الكاتب الفقرات الأولى من قصته للحديث عن ظروف تسمية أكاكي بهذا الاسم الغريب، بأسلوب ساخر شديد المرارة، هو كما أورد المترجم «مألوف من غوغول». ولمن لا يعرف غوغول، فهو واحد من أهم الكتاب الروس، وقد سخر من الفساد المجتمعي وفساد السلطات في المجتمع الروسي في العصر الذي عاش فيه. يسخر غوغول من أعمق المآسي البشرية بقصص قد تبدو غريبة في حس فكاهتها والكوميديا التي تمتلئ بها. هاهو هنا في المعطف يسخر من اسم بطله، يعتبره اسماً لا يليق سوى بأولئك المهمشين الذين لا يلاحظهم أحد ولا يشعر بوجودهم أحد ولا تأبه الدنيا بأسرها لآلامهم ومعاناتهم، بل ولا تشعر بفقدهم ولا بعظم رزاياهم. في وصفه لحال بطله يسخر من كل أعراف وقوانين مجتمعه، يسخر من رجال الدولة وموظفيها ومن اعتدادهم المبالغ بمناصبهم الرسمية واساءتهم استخدامها واهانتهم للناس البسطاء.

ولا يكتفي بذلك بل يصور عظم مأساة هذا الرجل «أكاكي» حين يتناول بشكل كوميدي مر قاس كيف يحاول جاهداً ويسعى إلى الحصول على معطف جديد بدل معطفه الرث البالي الذي لم يعد يحتمل إضافة مزيد من الرقع. تبدو عملية شراء المعطف واختيار قماشه وبطانته مشروع حياة بالنسبة إلى هذا الرجل الذي يوفر الكثير من راتبه بل ومن المكافأة السنوية ويعقد اجتماعات مطولة مع الخياط بل ويقوم الاثنان بزيارات مكثفة لمحلات الأقمشة… فقط من أجل شراء معطف.

بالطبع يسترسل غوغول في كوميدياه الغريبة وفي قساوة وصفه لحال هذا الرجل حين يجعل هذا المعطف الذي يغير حياته على جميع الأصعدة، يضيع منه في اليوم الذي يقتنيه فيه. وتبدو الدنيا وكأنها توقفت في عين هذا الرجل عند حادث سرقة معطفه الجديد… مشروعه الحياتي الضخم.

يفقد أكاكي كل شيء بعد المعطف، ما تبقى من كرامته وكبريائه وصولا إلى حياته. لا يشعر لموته أحد، يعرف زملاءه في العمل الأمر بعد أيام، وببساطة شديدة يتم استبداله بموظف آخر يقل عنه خبرة ومهارة … ينساه الجميع.

لكن لأن غوغول نذر على نفسه محاربة الفساد في مجتمعه عبر أسلوبه القصصي الكوميدي اللاذع ذاك، فلم يشأ ختم قصته بموت هذا الرجل الذي لا يشكل وجوده أو عدمه أي قيمة لحفظ توازن الأشياء من حوله. يجعل غوغول شبح هذا الرجل «المهمش» يعود في صورة أو أخرى، ليرعب كل أولئك الذين تسببوا له بالأذى في حياته ولكل من جردوه من إنسانيته وكرامته، ربما حتى اللصوص الذين سرقوا معطفه. غوغول يحاكم المجتمع بأكمله في هذه القصة لمعاناة المهمشين. جميعهم مسئولون عن ذلك.

الأنف

في الرواية الثانية التي تمتد على ما يقرب من 47 صفحة، يحكي غوغول قصة مفتش الكليات الرائد كوفاليوف الذي يستيقظ يوماً ليكتشف هروب أنفه فيبدأ رحلة غريبة في البحث عنه. لا يجد مبررا يقدمه للناس حول اختفاء أنفه فيصاب برعب شديد يجعله يلاحق الأنف في كل أرجاء المدينة، مدينة بطرسبرغ أيضاً. وما يزيد الأمر سوءاً هو أن مفتش الكليات المتغطرس هذا يظن أن أية إهانة لأي مفتش كليات في أي مكان في روسيا هو بمثابة اهانة شخصية له، وكأنه حامل «ارستقراطي» لهذا اللقب وللمنصب الذي يستوجبه.

لا نعلم إن كان الحلاق إيفان يعقوبليفيتش هو المسئول حقّاً عن قطع أنف كوفاليوف، لكن الأنف على أية حال يظهر أولاً في خبز كانت قد أعدته زوجة إيفان، ويحاول هذا الأخير التخلص من الأنف لكنه لا يفلح. في الواقع يهرب الأنف منه ويظل يجول أرجاء المدينة بل ويتعامل باستخاف مع صاحبه الرائد كوفاليوف.

خلال تجواله في المدينة بحثاً عن أنفه، يواجه الكثير من المواقف التي تكشف السوء الذي يملأ نفسه وربما ذلك الذي يملأ نفوس من يقابلهم. على أية حال تكلل جهود كوفاليوف في العثور على أنفه بالفشل لكن الأنف المتمرد يعود إلى مكانه على أية حال بعد أيام.

وبعد…

ليست هذه الترجمة الأولى لروايتي «المعطف» و»الأنف» لغوغول، لكن ذلك لا يضير، فأهمية الروايتين تأتي من أهمية كاتبهما الذي يعده كبار الكتاب الروس أب الرواية الروسية وهي التي خرجت من معطفه كما يشير الكاتب الروسي الشهير ديستوفيسكي في تعليقه على رواية «المعطف» وهي أهم ما كتب غوغول. هذه الرواية التي عبر فيها غوغول عن كل تناقضات العصر الذي عاش فيه، عبر قصة تحمل من الطرافة مقدار ما تحمل من الألم والمرارة، حين تعكس مصير الفرد العادي في المجتمع الذي عاش فيه غوغول، ثم يأتي في «الأنف» ليعكس حجم التلوث الذي لحق بالنفوس البشرية التي تعيش في تلك المجتمعات الفاسدة.

خيار موفق للمترجم لروايتين يبدو العصر الذي نعيشه مناسباً تماماً لاستعادتهما وعاكساً لكل ما ورد فيهما.

العدد 4088 – السبت 16 نوفمبر 2013م الموافق 12 محرم 1435هـ

في آخر أفلامه Captain Phillips: توم هانكس… أكبر سناً… وأكثر إقناعاً وتألقاً

الوسط – منصورة عبدالأمير 

fdd-14

تصعب الكتابة عن فيلم الإثارة والأكشن «القبطان فيليبس» Captain Phillips المعروض حالياً لدى شركة البحرين للسينما، دون التوقف طويلاً والتركيز على الأداء المبهر لتوم هانكس في الفيلم. ولعل الصعوبة تأتي أساساً لأن أداءه الرائع ذاك طغى على كل شيء آخر ليصبح الفيلم واحداً من أهم أفلام عام 2013 بسبب ذلك الأداء الطاغي. كثير من النقاد يتوقعون ترشح هانكس لأوسكار أفضل ممثل.

سيأخذك الفيلم منذ لحظاته الأولى وسيحبس أنفاسك، لكنك لن تمل ولن تجد نفسك لاهثاً تنتظر النهاية. إنه فيلم مختلف، تعيش معه محنة بطله لكنك في الوقت ذاته تتلمس الجانب الإنساني وتتمكن من أن تتأمل فيه كثيراً في الوقت الذي تحبس أنفاسك انتظاراً لانتهاء تلك المحنة.

لكن الفيلم على أية حال لم يكن فيلماً شديد التميز حين يتعلق الأمر بقصته، إذ إنه وفي واقع الأمر لا يقدم قصة جديدة أو مميزة وإن كانت أحداثها واقعية. فالفيلم يستند على رواية حقيقية عاشها القبطان ريتشارد فيليبس، قائد سفينة نقل البضائع ميرسك آلاباما، في شهر مارس/ آذار 2009، حين اختطف القراصنة الإثيوبيون سفينته التي كانت تبحر في وسط المحيط الهندي، ثم احتجزوه رهينة في قارب صغير. فيليبس الذي مر بواحدة من أصعب المحن التي يمكن أن يمر بها أي بحار، وثق تجربته تلك في كتاب نشره عام 2010 تحت عنوانA Captain»s Duty: Somali Pirates, Navy SEALs, and Dangerous Days at Sea. الكتاب وضعه ريتشارد فيليبس بالتعاون مع ستيفان تالتي فيما تولى بيلي راي تحويله إلى سيناريو.

كذلك لم يتميز الفيلم بسبب إخراجه رغم إسناد هذه العملية لمخرج متميز هو بول غرين غراس الشهير بتحويله الدراما الحقيقية ومحن البشر الواقعية إلى أفلام والمتميز بحركة الكاميرا في أفلامه، ومن أشهرها The Bourne Supremacy, The Bourne Ultimatum, United 93، ولا ننسى أهم أفلامه Bloody Sunday الذي قدمه العام 2002 وفاز بجائزة أفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي في ذلك العام، وهو الفيلم الذي يروي قصة مقتل ناشط إيرلندي على يد القوات البريطانية. قوة رسالة الفيلم أجبرت رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون على تقديم اعتذار تاريخي لإيرلندا وذلك في 15 يونيو/ حزيران 2010.

بالطبع لا يمكن إنكار جودة عمل بول في الفيلم بل ربما يمكن القول إن حركة كاميراه ساهمت إلى حد كبير في إضفاء المزيد من الإثارة والتشويق على مشاهد الفيلم، إذ لم تهدأ الكاميرا ولم تثبت لتشعرنا بالوضع المزري، جسدياً، على الأقل الذي عاشه القبطان فيليبس أثناء احتجازه. رغم ذلك، أظن أن الجزء الأكبر من نجاح الفيلم يعود إلى الأداء المتقن لممثليه. بالطبع يقود توم هانكس هذا الأداء المتقن، يبدو أكبر سناً في الفيلم لكنه أكثر نضجاً وقدرة على تقمص الدور المسند إليه عدا عن كونه أكثر إقناعاً.

لكن يتميز إلى جانب هانكس ممثل آخر، هو ذلك الذي قام بدور قائد القراصنة الإثيوبيين ميوز وهو ممثل أميركي من أصل إثيوبي يدعى بركات عبدي. وفي الواقع فإن هذا الفيلم هو أول ظهور لعبدي الذي تم اختياره من بين المئات ممن تقدموا لتجربة الأداء. اشتغل عبدي في إخراج بعض أفلام الفيديو كليب لكنه لم يخض تجربة السينما ولا التمثيل مسبقاً. هو الآن يعمل على إخراج فيلمه الأول على أية حال.

أداء عبدي لم يقل تميزاً عن أداء هانكس، ولا أدل على ذلك من قدرته على التميز والبروز أمام هانكس وهو الذي طغى أداؤه على كل شيء آخر حتى على الإخراج وحركة الكاميرا المتميزة بل وحتى على الموسيقى الرائعة المصاحبة للمشاهد التي وضعها هنرى جاكمان (ألف موسيقى فيلم ديزني الشهير Winnie the Pooh، الذي قدمته شركة ديزني عام 2011).

الفيلم رائع بأدائه، متميز بتصويره، لكنه هانكس وعبدي، واللحظات الإنسانية التي تملأ مشاهد الفيلم والتي تجعلنا نتوقف طويلاً أمامها. ننسى للحظات حالة الترقب التي نعيشها ونبدو قلقين في بعض الأحيان حتى على مصير القراصنة الخاطفين. سيتوقف مشاهدو الفيلم طويلاً لدى المشهد الأخير الذي ينقل هانكس من خلاله الصدمة النفسية والعصبية التي يتعرض لها القبطان بعد إنقاذه. في هذا المشهد يقدم هانكس واحداً من أفضل أدواره، لعله هو ما سيكسبه أوسكار أفضل تمثيل، لتمكنه من تقديم مشاعر إنسانية عالية عميقة ومتضاربة. لا يهم فعلاً ما قدمه طوال الفيلم من أداء متقن إزاء هذا المشهد الذي اختصر فيه هانكس كل تاريخه… إنه مشهد تاريخي.

العدد 4081 – السبت 09 نوفمبر 2013م الموافق 05 محرم 1435هـ

يروي تفاصيل نهاية امبراطورية عظمى: «ثورة 1911»: دراما تاريخية مهمة… لكن باهتة وسطحية

الوسط – منصورة عبدالأمير 

fdd-4

يبدأ فيلم 1911 الصيني المعروض حاليّاً لدى شركة البحرين للسينما، بمشهد إعدام أول امرأة من ثوار العام 1911 في الصين. الثائرة التي يتم اقتيادها في ساحة عامة فيما هي مكبلة بالسلاسل والحديد، تخبرنا على عجالة وعبر حوارات قصيرة مع بعض المحتشدين في ساحة إعدامها، أنها تضحي بحياتها من أجل مستقبل الأجيال المقبلة.

يجتهد المخرج في ايصال فكرته تلك عبر مشهد أم ترضع صغيرها فيما تجبر على التفرج على مشهد الإعدام، ولعل ذاك هو آخر ما تراه المحكومة بالإعدام، فضلاً عن صورة لابنيها يعرضها الضابط عليها قبل موتها ليخبرها بأن هذين الطفلين سيصبحان يتيمين بعد دقائق. لكن هذه المرأة التي نعلم بعدها أنها أحد ثوار انتفاضة العام 1911 في الصين، تذهب إلى الموت بقلب شجاع، تقدم حياتها ثمناً لحرية شعبها، كما تعبر بكلمات قليلة في هذا المشهد الافتتاحي.

فيلم «1911» الذي يعرف أيضاً باسم «ثورة شينهاي» أو «ثورة 1911» هو فيلم دراما تاريخية صيني، عرض العام 2011 احتفالاً بمرور الذكرى المئة على ثورة شينهاي، كما افتتح الدورة الرابعة والعشرين لمهرجان طوكيو الدولي للأفلام في شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2011.

يتتبع الفيلم الأحداث الرئيسية لثورة شينهاي التي حدثت في الصين العام 1911، ويركز على شخصيات قامت بأدوار رئيسية في هذه الثورة هم القائد الثوري هوانغ شينغ (جاكي تشان) الذي قاد المعركة الأخيرة والمفصلية للثوار.

كذلك تبرز شخصية سن ياتسين (وينستون تشاو) قائد الثورة الذي يعيش منفيّاً في الغرب ويمد الثوار بالأموال التي يجمعها من الصينيين المقيمين في الخارج، كما يعمل على إيصال قضية الثورة الصينية إلى العالم كله، عدا عن دوره الكبير في التأثير على قرار البنوك الأجنبية بمنح الحكومة الصينية أي قروض مالية، مقنعاً إياها بأن الأموال تستخدم لشراء السلاح لقمع الشعب.

حين عاد ياتسين إلى الصين في ديسمبر/ كانون الأول 1911 انتخب رئيساً للحكومة الانتقالية لجمهورية الصين لكنه بعدها تنازل عن منصبه، في مقابل الحصول على مساعدة الجنرال لي يوانهونغ في الضغط على الإمبراطور للتنازل عن العرش . في 12 فبراير/ شباط 1912، تنازل الامبراطور عن العرش وانتهى عصر الامبريالية في الصين.

يبرز الفيلم الكثير من التفاصيل. ينقل حركات تمرد التي تنتشر هنا وهناك، والانتفاضة التي تشتعل في مدينةٍ مَّا وسرعان ما تخمد، وفي كل مرة يعتقد الثوار في الداخل والخارج، أن حركتهم فشلت، ليجدوا أنفسهم مرة أخرى وسط انتفاضة جديدة في مدينة أخرى وبمزيد من الثوار.

هكذا ننتقل مع الفيلم من ووتشانغ إلى غونغزو حتى المواجهات بين الثوار والجيش الملكي التي تسقط 72 شهيداً، فالمناورات السياسية والاقتصادية، وصولاً إلى انتخاب سن ياتسين رئيساً مؤقتا للحكومة الانتقالية لجمهورية الصين، ثم تنازل الامبراطور عن العرش في 12 فبراير/شباط 1912، واستقالة سن ياتسين وانتقال رئاسة الحكومة الانتقالية إلى يوان سيكاي (سن شن) في 10 مارس/آذار 1912.

ظهور باهت لجاكي شان

يمثل الفيلم المئة على مسيرة جاكي شان الفنية الحافلة. شان لم يمثل في الفيلم وحسب، بل كان المنتج المنفذ له كما ساعد في إخراجه. شاركه في تمثيل الأدوار عدد من الفنانين الصينيين منهم ابنه جويسي شان، والفنانون لي بينغ بينغ، وينستون تشاو، جوان تشين، وهو جي.

وعلى رغم وجود ممثل بحجم شان، فإن مبيعات الفيلم كانت منخفضة للغاية. يعزو البعض ذلك إلى الدعم الحكومي الرسمي الصيني عدا عن تجنب الفيلم للحديث عن الأسباب الحقيقية لانطلاق ثورة 1911.

كذلك لم يحصل الفيلم على اشادات واستحسان من النقاد، كانت تقاريرهم سلبية للغاية، ولم يحصل على أكثر من 34 درجة من أصل 100 في تقديراتهم.

بشكل عام لم يظهر جاكي شان في الفيلم بشكل جيد، كما لم يتمكن الفيلم من إبراز أي من فنانيه، بل لم يتمكن من تقديم لحظة مؤثرة يتوقف عندها المشاهد. ربما يعود ذلك إلى رغبة صناعه في سرد كثير من أحداث وتفاصيل ثورة 1911 في فيلم لا تصل مدة عرضه إلى ساعتين.

الاستحياء أيضاً في عرض الأسباب الحقيقية ومطالب الثوار لربما كانا سبباً آخر يمنع المشاهد من أن يتعايش مع قضية الفيلم بشكل كبير. الثوار نادوا حيناً بحياة كريمة، ثم بإلغاء الإمبراطورية والإقطاع والقضاء الإقطاعي، طالبوا بإعلان الجمهورية بالطبع وبالملكية الدستورية، لكنهم لم يستوفوا الحديث عن مطالبهم وعن توجههاتهم. بشكل عام لم يقدم الفيلم مادة دسمة يمكن الاتكاء عليها لفهم حقيقة ثورة 1911 وتفاصيلها.

يمكنك فقط أن تشاهد كثيراً من مشاهد القتال والمواجهات بين الثوار وقوات الجيش، بالإضافة إلى مشهد قتالي وآخر كوميدي وثالث رومانسي لجاكي تشان، وهي مشاهد لم يكن لها ضرورة.

سيتطلب منك الأمر فعل ما فعلته تماماً في البحث عن ثورة شينهاي وقراءة المزيد مما سأورده لكم مختصراً.

ثورة شينهاي

انطلقت هذه الثورة في (10 أكتوبر/ تشرين الأول 1911) حتى يناير/ كانون الثاني 1912، انتهت بانتصار قوات الحزب الثوري الصيني وتأسيس جمهورية الصين، في مقابل هزيمة القوات الحكومية وسقوط الامبراطورية في الصين.

بدأت الثورة بعصيان في مقاطعة أوهان في 10 أكتوبر، بعد أن أعلنت حكومة تشينغ في شهر مايو/ أيار رغبتها في تأميم خطوط السكك الحديد، المملوكة للقطاع الخاص المحلي. كان ذلك من أجل دفع التعويضات التي فرضتها اتفاقية وقعتها الحكومة العام 1901 مع عدة دول غربية للقضاء على حركة تمرد عرفت باسم حركة يوهيتوان Boxer Rebellion.

حركة التمرد هذه امتدت من العام 1899 حتى 1901 وكانت مناهضة للوجود الأجنبي في الصين، بدأتها جمعية الوئام الصالحين Righteous Harmony استجابة لمشاعر وطنية حادة وكمعارضة للإمبريالية الأجنبية وللحملات التبشيرية المسيحية. تدخلت القوى العظمى في ذلك الوقت وقضت على الحركة فيما اعتبر إذلالاً للصينيين.

بعدها بسنوات، وجدت بعض الدول الغربية في الصين مكاناً مناسباً للاستثمار في بناء سكك حديد. ونظرا إلى نفوذها هناك فقد بدأت بالفعل في بناء سكك ضخمة. بعض السكك الحديد ظلت تدار من قبل موظفين صينيين وبأموال القطاع الخاص الصيني.

في العام 1911، وجد القصر الملكي نفسه غير قادر على دفع ديون الدول العظمى التي جاءت بفعل اتفاقية العام 1901 المشينة للقضاء على حركة التمرد، ولذلك تم إعلان التأميم.

كان ذلك كفيلاً بإثارة الاحتجاجات في مقاطعة غوانغدونغ حيث انطلقت المسيرات وقاطع الصينيون الأوراق النقدية الحكومية في يوليو/ تموز 1911. لتهدئة المعارضين، قامت الحكومة بتعويض المستثمرين لكن المبالغ المقدمة إلى بعضهم كانت زهيدة للغاية ما أطلق حملة احتجاجات ومسيرات أقوى في مقاطعة تشانغدو التي عمها الإضراب. حاكم المدينة زاو ايرفينغ أصيب بحالة من الذعر فأمر باعتقال الوجهاء، كما تمركزت وحدات من الجيش في وتشانغ بمقاطعة هانكو وهانيانغ.

حادث التفجير

في شهر سبتمبر/ أيلول اندلعت الانتفاضة في البلاد بعد وقوع حادث تفجير غير مقصود. في ذلك الوقت كانت هناك مجموعتان ثوريتان في ووهان هما الجمعية الأدبية والتجمع التقدمي. كانت المجموعتان تعملان مع بعضهما بعضاً، بقيادة جيانغ يو، وسون يو. تم تحديد تاريخ 6 أكتوبر موعداً لانطلاق الانتفاضة وذلك خلال مهرجان منتصف الخريف وهو مهرجان صيني شعبي يقام لمدة 15 يوماً احتفالا بموسم الحصاد، لكن في ذلك اليوم، انفجرت قنبلة بالخطأ في موقع تدريب للمجموعتين وأصيب القائد سون يو باصابات خطيرة نقل على إثرها إلى المستشفى، هناك اكتشف الموظفون الأمر فأبلغوا القوات الحكومية.

تمرد قوات الجيش

رد الحكومة كان حاسماً، اعتقلت الثوار وحكمت على بعضهم بالإعدام. في مقابل ذلك، كان الخيار الوحيد للثوار هو الانقلاب على القصر الملكي. نائب الملك في مقاطعة هيوغوانغ دوان زينغ، حاول تعقب الثوار. ولذلك قرر القائد الثوري جيانغ يو شنَّ هجوم على القوات الحكومية. تم اكتشاف الخطة من قبل عملاء الحكومة، واعتقل المزيد من الثوار وأعدموا.

في تلك الليلة أعلن الثوار انطلاق الثورة مساء 10 أكتوبر 1911. بعض قوات الجيش الجديد في تشانغ أعلنوا التمرد، بعد تمكن بعض أعضاء تحالف سنياتسين المعادي للحكومة من التسلل بين صفوف الجيش. تمكن الثوار من الاستيلاء على بيت الحاكم دوان زينغ، الذي هرب عبر نفق سري قاده إلى النهر. بعد قتال عنيف، استولى الجيش على نقاط استراتيجية في المدينة، لكن انضمام المزيد من الثوار إلى صفوف المعارضة هزم القوات الحكومية.

حكومة هوبي العسكرية

بعد أسبوع واحد من اشتعال الانتفاضة في ووهانغ، أعلن جنرال يدعى لي يوانهونغ (أصبح بعدها رئيسا لجمهورية الصين لدورتين متتاليتين) التمرد ودعا الإمبراطور لتأسيس جمهورية في الصين.

في 11 أكتوبر، أسس الجيش الجديد حكومة عسكرية في هوبي، واجبر لي يوانهونغ على أن يصبح الحاكم الجديد. دعت الحكومة العسكرية الجديدة جميع المقاطعات لدعم الثورة واعلان تأسيس جمهورية الصين.

معركة يانغزيا

كان رد فعل حكومة تشينغ هو أن أمرت القائد العام للقوات المسلحة يوان شيكاي وجيش بيانغ بقمع انتفاضة ووتشانغ. في المقابل، وصل القائد الثوري هوانغ تشينغ إلى ووهان في بدايات نوفمبر/ تشرين الثاني ليتولى قيادة جيش الثوار. خاض الثوار معركة طويلة في هانكو وهانيانغ عرفت باسم معركة يانغزيا استمرت حتى 1 ديسمبر. وبالرغم من أنهم استولوا في نهاية المطاف على المدينتين، فإن قائد الجيش الامبراطوري يوان شيكاي وافق على وقف اطلاق النار، وبدأ التفاوض مع الثوار في 1 ديسمبر 1911.

أخيراً

اجتهد صانعو فيلم 1911 ليقدموا فيلماً سينمائياً ذو قيمة فنية وناجح تجارياً، لكن الناتج ببساطة لم يكن سوى دراما تاريخية باهتة تسرد احداثاً هامة لكن… بإرتباك كبير!

العدد 4074 – السبت 02 نوفمبر 2013م الموافق 28 ذي الحجة 1434هـ