فيلم «هوكينغ» «Hawking»: تاريخ رجل… عادي… فقط!

الوسط – منصورة عبدالأمير 

يناقش المخرج البريطاني ستيفن فينيغان في آخر أفلامه التوثيقية «هوكينغ» Hawking حياة عالم الفيزياء البريطاني الشهير ستيفن هوكينغ. وفي الواقع فإن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تناول حياة هوكينغ على الشاشة، فقد قُدم العام 2004 في فيلم تلفزيوني باسم «هوكينغ» وقام ببطولته بنديكت كمبرباتش، ثم قُدمت سيرته في فيلم توثيقي العام 1991 وكان ذلك فيلم «تاريخ موجز للزمن» وهو من اخراج ايرول موريس.

فما الجديد لدى هذا المخرج المتخصص في كتابة واخراج وانتاج المسلسلات والأفلام التلفزيونية وعدد لا بأس به من الأفلام التوثيقية، ولماذا يقدم فيلم آخر عن عالم الكونيات الشهير هذا.

في الواقع عبّر فينيغان عن تخوفه من عمل فيلم وثائقي عن ستيفن هوكينغ، واعترف قائلاً: «كنت قلقاً من أن أبدو غبيّاً قليلاً».

لكن ضعف فينيغان في مجال العلوم تحول إلى قوة على الشاشة، إذ إنه وبدلاً من أن يركز على نظريات هوكينغ في عالم الفيزياء كما فعلت الأفلام السابقة، فضل أن يلقي نظرة شخصية على بطله البالغ من العمر الآن 71 عاماً، مع التطرق بشكل أو بآخر إلى حياته الأسرية.

ولأنه أراد أن يقدم فيلماً مختلفاً ومميزاً فقد استعان فينيغان بهوكينغ نفسه لوضع سيناريو الفيلم.

الأفلام السابقة شرحت كيف تمكن هذا العالم ضعيف التحصيل، باعترافه هو، من الوصول إلى نظريته الشهيرة في الوقت الذي بدأ فيه المرض باضعافه والسيطرة عليه، أما فينيغان فقد تمكن بشكل غير مسبوق من الوصول إلى هوكينغ وأفراد عائلته، مثل أخته وزوجته الأولى، ليقدم لمحة نادرة عن الرجل نفسه.

تطلب إعداد الفيلم سبعة أشهر من جلسات التصوير الحميمة قضاها المخرج مع عالم الفيزياء وأسرته. لم يحضر هذه الجلسات عدد كبير من طاقم العمل في أغلب الأحيان. وجد فينيغان أن هوكينغ رجل ذو عزيمة، ظريف في الأغلب ومتألق على الدوام. الكاميرات التي كانت مثبتة على كرسيه المتحرك صورت إحساسه بالعالم وهو ينساب بين حشود المعجبين، ويرتشف الشمبانيا بحذر شديد من خلال عود بلاستيكي ويتجه إلى مكتبه في جامعة كامبريدج، حيث يعمل هناك كل يوم.

مرض … وإنجازات

أصيب هوكينغ بمرض التصلب الجانبي وهو في عمر 21 عاماً وهو مرض قاتل. لم يتوقع الأطباء أن يعيش أكثر من عامين لكنه تحدى المرض حتى ناهز السبعين الآن وهي مدة أطول بكثير مما توقعه الأطباء.

تسبب المرض في شلله، لكنه على رغم ذلك استطاع أن يجاري أقرانه من علماء الفيزياء ويتفوق عليهم. هوكينغ هو أبرز علماء الفيزياء النظرية على مستوى العالم الآن. وكان قد حصل على درجة الشرف الأولى في الفيزياء من جامعة أكسفورد، ليحصل بعدها على الدكتوراه في علم الكون من جامعة كامبريدج. له أبحاث نظرية في علم الكون وأخرى في العلاقة بين الثقوب السوداء والديناميكا الحرارية، وله دراسات في التسلسل الزمني.

عرض الفيلم النظريات العلمية التي قدمها هوكينغ، كأفكار فقط، أو كرسومات على قصاصات من الورق بالطريقة التي كان هوكينغ يفعلها، حين كان يجري الحسابات الفيزيائية المعقدة الطويلة في ذهنه بدلاً من الورق. يقول فينيغان «قضى ستيفن الكثير من الوقت مع أفكاره الخاصة، للدرجة التي أصبح من المهم حقا بالنسبة لي أن أحاول معرفة ما يدور في رأسه».

مع تطور مرضه وبسبب إجرائه عملية للقصبة الهوائية بسبب التهاب القصبة، أصبح هوكينغ غير قادر على النطق أو تحريك ذراعه أو قدمه أي أصبح غير قادر على الحركة تماما، فقامت شركة انتل للمعالجات والنظم الرقمية بتطوير نظام حاسوب خاص متصل بكرسيه يتحكم بحركة كرسيه، كما يمكنه التخاطب باستخدام صوت مولد إلكترونيا وإصدار الأوامر عن طريق حركة عينه ورأسه، حيث يقوم بإخراج بيانات مخزنة مسبقاً في الجهاز تمثل كلمات وأوامر.

يقول فينيغان: «تم تضمين صوت هوكينغ الذي يتحكم فيه عبر عضلات خده في الفيلم بشكل له دلالاته، على الرغم من أن هوكينغ يحتاج لما يصل إلى 15 دقيقة ليركب ردوده».

ويضيف «في الواقع سنحت لهوكينغ فرصة اختيار صوت مختلف، أكثر شبهاً بأصوات البشر، لكنه تمسك بصوته الحالي، فهو يناسبه أكثر في هذه المرحلة من حياته على ما أعتقد».

«شخصي» بلا فضائح

يعرض الفيلم الطريقة التي ضحى بها هوكينغ بحياته الأسرية في سعيه لتحقيق العظمة والشهرة. لكن هوكينغ الذي شارك في كتابة نص الفيلم، أكد على عدم تضمينه أي فضائح مثيرة للجدل، أو حتى ذكر لزواجه الثاني من ممرضته السابقة، إلين مايسون، التي رفضت أن تظهر في الفيلم.

بعض اللقاءات هنا وهناك، ناقشت موضوع انهيار زواجه الأول من جين وايلد، وأشارت إلى أن اهتمام هوكينغ بالشهرة كان جزءاً من أسباب هذا الانهيار. تظهر جين في الفيلم وهي تسرد ذكريات شهر عسلهما، أثناء حضورها مؤتمراً للفيزياء، وتتذكر الإشادات التي حصل عليها كتابه الذي حقق مبيعات هائلة «تاريخ موجز للزمن» A Brief History of Time. يبدأ الفيلم بمشهد يبدو فيه هوكينغ يمتلئ بهجة وسروراً فيما يستقبل بحفاوة بالغة في مؤتمر عقد في سان فرانسيسكو، بعد اصداره الكتاب مباشرة.

يشار إلى أن هوكينغ نشر الكتاب المشار إليه العام 1988 ويحوي تبسيطاً سلساً للنظريات الكونية وذلك لاعتقاد مؤلفه أن الأشخاص غير المتخصصين بحاجة إلى معرفة مبادئ الكون.

أحب هوكينغ الفيزياء، كما أحب أسرته والشهرة والتألق. يقول فينيغان «اعتقد أن ستيفن عاش ثلاث قصص حب كبرى. هناك علاقة حب عاشها مع الفيزياء، وأخرى مع عائلته وثالثة مع الشهرة».

مؤخراً، نشر هوكينغ سيرته الذاتية في كتاب تحت عنوان: «تاريخي الموجز» My Brief History، وقد تطرق فيها إلى موضوعات مماثلة، على رغم أنه ألقى اللوم في انهيار زواجه الأول على جين. لكن ما أراد كل من الكتاب والفيلم أن ينقلا ببساطة هو أنه على رغم أن هوكينغ قد يكون عبقريّاً، إلا أنه أيضاً رجل، حقيقي، وله أخطاؤه». يقول فينيغان «هو بالتأكيد شخص مدهش، لكنه يظل رجلاً عاديّاً».

بقي أن نعرف أن إنجازات هوكينغ وكفاءته في الفيزياء النظرية تتضمن إلى جانب ما ذكر أعلاه مساهمته في تطوير نظرية اللاحدود للكون التي غيرت من التصور القديم للحظة الانفجار الكبير عن نشأة الكون.

حصل ستيفن على العديد من الأوسمة والتقديرات كان آخرها جائزة أمير أستورياس في كونكورد العام 1989. شارك في مظاهرات ضد الحرب على العراق، وفي العام 2013 أعلن رفضه المشاركة في مؤتمر يقام بإسرائيل.

العدد 4102 – السبت 30 نوفمبر 2013م الموافق 26 محرم 1435هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s