حصد جائزتين في «دبي السينمائي»: المخرج محمد خان و«فتاة المصنع»: دعونا نحب!

الوسط – منصورة عبدالأمير 

fdd-7

عند المشاهدة الأولى لآخر أفلام المخرج محمد خان «فتاة المصنع» الذي شهد عرضه العالمي الأول خلال الدورة العاشرة من مهرجان دبي السينمائي الدولي، قد تظن أنك أمام فيلم يناقش المشكلات التي تواجهها الفتيات الفقيرات المنتميات إلى بعض الفئات المهمشة في الشارع المصري، أولئك العاملات في المصانع. ستفترض أنه يمكنك أن تطبق قضية الفيلم وحال بطلته، فتاة المصنع، على كل فتيات المصانع في باقي الدول العربية على الأقل، وربما على الفتيات المنتميات إلى ذات الفئات المهمشة التي تنتمي إليها فتاة مصنع محمد خان.

لكنك ستجد نفسك بعدها وأنت تغوص في عالم أكبر من عالم فتيات المصانع، أو أولئك المنتميات إلى طبقات مهمشة. في الواقع، سيطالعك الفيلم بمشكلات وصعوبات تواجهها المرأة المصرية، والعربية، بشكل عام. لا يهم لأية طبقة تنتمي ومن أية خلفية ثقافية أو مجتمعية تأتي، المشكلات متشابهة والصعوبات واحدة.

بنظرة أعمق؛ ستجد أن فيلم خان الذي كتبته زوجته وسام سليمان، لا يناقش مشكلات المرأة وحسب، إنه في الواقع يتعرض لأزمة مجتمعية تمر بها الشعوب العربية. لعلها أحد إفرازات ثورات الربيع العربي. هذه الثورات على أية حال كشفت المستور، ورفعت الغطاء عن واقع مرير مزرٍ. خان وسليمان يكشفان هنا عن أزمة إنسانية تمر بها مجتمعاتنا جميعها. ربما كشفتها الثورات العربية وربما جاءت كأحد إفرازاتها.

لا يهم. ما يهم هو أن المجتمعات العربية، التي تعيش ما بعد الربيع، تعاني من أزمة إنسانية خطيرة. هذه المجتمعات لم تعد قادرة على أن تحب نفسها ولا أبناءها. ربما فقدت الحب مع ما فقدته، وربما ذهب مع الريح التي حملت روائح دماء ضحايا الثورات والحركات الشعبية. لعل الضحايا دفعوا دماءهم ثمناً للحب، ولعله فُقد وذهب مع ذهابهم.

عودة إلى الفيلم الذي أطلق عليه خان اسم «فتاة المصنع» فقد فاز بجائزتين من جوائز مهرجان دبي السينمائي الدولي، هما جائزة المهر العربي الروائي لأفضل ممثلة وحصدتها بطلته الممثلة ياسمين رئيس، وجائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما للأفلام الروائية وذهبت إلى المخرج محمد خان، وهي الجائزة التي يمنحها الاتحاد الدولي لنقاد الأفلام «فيبرسكي» وتقدم سنويّاً خلال انعقاد المهرجان.

يحكي الفيلم قصة «هيام» (تقوم بدورها ياسمين رئيس)، الفتاة التي تنتمي إلى أسرة فقيرة تعيش في أحد شوارع مصر المهمشة، وهي عاملة بأحد مصانع الملابس. يتفتح ربيع شبابها مع بدايات عملها في المصنع ولقائها بصلاح «هاني عادل» حين تقع في حبه. تنسى الفوارق الطبقية بينها وبين صلاح، على رغم تحذيرات زميلاتها في المصنع وسخريتهن منها، بل وازدرائهن لها.

حب هيام البريء والصادق يشبه ذلك الحب الذي شاهدناه في الأفلام القديمة وربما قبلها، حين كان الحب على الشاشة، نقيّاً جميلاً بريئاً صافياً يثير المرح والسعادة في نفس البطل والمتفرج على السواء. ربما كان بسيطاً ونقيّاً كحياة أبطاله حينها، على الشاشة وخارجها. حين لم يكن العربي، كاتباً ومخرجاً وممثلاً، ومواطناً، مهموماً، متأزمة إنسانيته كما هو اليوم.

في «فتاة المصنع» تحب هيام صلاح وتندفع وراء عواطفها، ثم، يخبرنا المخرج بطريقة ما، أنها تقع معه في المحظور. تدفع لذلك ثمناً غالياً، تدفعه هي فقط، وليس صلاح. يبدأ الأمر بإهانتها من قبل والدته ثم بتهربه منها ثم بازدراء وسخرية زميلاتها في المصنع وصولاً إلى التهديد بالقتل من قبل أخوالها. نعيش معها كل تفاصيل ذلك الثمن الذي تدفعه، فتنقلنا من النوستالجيا والحنين للزمن الجميل إلى قبح الواقع المر الأليم. تنقلنا من صفاء الحب ونقاء ألوانه وعذب موسيقاه، إلى صخب حياتنا اليومية وقتامة ألوانها ورداءة أرواح البشر فيها. تتغير الموسيقى، تتبدل المشاهد، وبدل النظرات الصافية والابتسامات الوادعة، وخطوات هيام الراقصة وهي تطوي ممرات المستشفى فرحةً في طريقها لزيارة صلاح، إلى وجه زوج أمها المتجهم الصامت على الدوام، الذي لا يحتمل سؤال زوجته عما يكدر مزاجه، ثم يقرر أن يهدر دم الفتاة، ثم إلى عمة هيام وجدتها اللواتي يقررن تنفيذ القصاص في ابنتهن، ويعاقبنها بالضرب أولاً ثم التشويه وانتهاك جمالها، وأخيراً إلى مشادة كلامية عنيفة بينها وبين صلاح «الحبيب»، تخبره فيها برفضها إياه، ويعيرها هو بفقرها وبالفرق الطبقي بينهما… ثم بحبها له.

في الواقع ليس جديداً أن تأخذنا وسام إلى حال النوستالجيا هذه، تفعل ذلك في أفلامها عادة. فعلته في «شقة مصر الجديدة» وفي «أحلى الأوقات» وفي «بنات وسط البلد». لكنها في الأفلام السابقة لم تواجهنا بقساوة الواقع ووحشيته كما فعلت هذه المرة. لم تكن واقعية بهذه القسوة. هل هي إفرازات أحداث بلادها وتدهور الوضع الإنساني هناك. إنها تواجهنا بحقيقة قسوة ولا إنسانية المجتمع، هذا المجتمع الذي لم يعد أفراده يعيشون الحب ويعرفونه، بل ولا يحملون كثيراً من الإنسانية في دواخلهم. كل العلاقات أصبحت مشوهة، كل النفوس ممسوخة. أصبح هناك قليل جدّاً من الحب وكثير جدّاً من العنف.

يؤلمنا خان وزوجته بفيلمهما، وتبرع ياسمين رئيس في تقديم دور الفتاة الحالمة البريئة التي تمتلئ عاطفة وحبّاً وشغفاً بالحياة، ثم في دور الفتاة المقهورة، لكن القوية التي يعاقبها المجتمع بأكمله؛ لأنها تطالب بحقها في الحياة تحت الحب، لكنها تقف في وجه الجميع وتنتزع براءتها رغماً عن كل تخلف وقسوة وغباء يحيط بها.

لعل ما يعوضنا به الثنائي «وسام وخان» في ثالث تعاون لهما بعد «في شقة مصر الجديدة» و«بنات وسط البلد» هو أنهما ينتصران للحب ولهيام. يسقط الجميع ويكشفون عن لا إنسانيتهم وتظل هيام الأرقى والأعلى إنسانية. يفعلان ذلك حين يكشفان لنا أن هيام لم تخطىء، وأنه لم يقع أي محظور بينها وبين صلاح. هيام أحبت صلاح، وربما تبادلت معه قبلة عاقبت نفسها عليها قبل أن يعاقبها هذا المجتمع «المريض العفنة روحه» ويسعى إلى تجريدها من إنسانيتها بعدها.

الجميل أن هيام التي تثبت براءتها من كل شيء تنتصر لنفسها حين ترفض الزواج من صلاح، وهو الذي كانت تحلم به، وأخيراً حين تؤدي رقصة نصرها في مشهد يذكرنا بتلك الرقصة التي قدمتها سعاد حسني في فيلم «خلي بالك من زوزو» وهي التي تم تطعيم الفيلم بعدد لا بأس به من أغانيها.

على أية حال، دافعت سعاد حسني عن قضية، ربما بدت لصانعي ذلك الفيلم عادلة في وقتها، لسنا هنا بموضع نقاشها، لكن هيام انتصرت برقصتها لإنسانيتها، ولأنوثتها، و… للحب، أو لما تبقى منه.

في الواقع، هذا الفيلم برمته هو دعوة للحب … وللإنسانية.

العدد 4130 – السبت 28 ديسمبر 2013م الموافق 25 صفر 1435هـ

الإحباط ومرارة الانقسام يسودان الأفلام المشاركة… «دبي السينمائي» يحتفي بالسينما الفلسطينية ويمولها

دبي – منصورة عبدالأمير 

fdd-8

سجلت السينما الفلسطينية حضوراً هامّاً ومؤثراً في الدورة العاشرة لمهرجان دبي السينمائي الدولي الذي أقيم في الفترة من (6 إلى 14 ديسمبر/ كانون الأول 2013). وعرض المهرجان سبعة أفلام لمخرجين فلسطينيين، حقق بعضٌ منهم شهرة لا بأس بها في عالم السينما كما يعتبر اثنان منهم على قائمة مخرجي السينما المتميزين الذين حصدت أفلامهم إشادات وجوائز دولية، وهما المخرجان هاني أبوأسعد ورشيد مشهراوي.

حضر المهرجان من بين هؤلاء المخرجين الفلسطينيين خمسة، هم: هاني أبو أسعد، رشيد مشهراوي، ميس دروزه، جينان كولتير، وشيرين دعيبس.

وكان المهرجان منح جائزة أفضل مخرج لهاني أبو أسعد عن فيلم «عمر» الذي افتتح المهرجان، كما منح منتجه وليد زعيتر جائزة أفضل فيلم. والفيلم حاصل على دعم المهرجان عبر مبادرة «إنجاز» لدعم مشاريع الأفلام.

عدا عن ذلك فاز مشروعا فيلمين فلسطينيين بجوائز «ملتقى دبي السينمائي» البالغ مجموعها 115 ألف دولار، وهما مشروع «غزة دي سي» للمخرج رشيد مشهراوي، وهو من انتاج حبيب عطية، وفاز بجائزة «آرتيه» الدولية وتبلغ قيمتها 6 آلاف يورو، ومشروع «علم» الذي يخرجه فراس خوري وينتجه هاني أبوأسعد بجائزة «فرونت رو كي إن سي سي» البالغة قيمتها 10 آلاف دولار. وبالإضافة إلى الجوائز النقدية، تم اختيار المنتج حبيب عطية واحداً من بين خمسة منتجين عرب لحضور «شبكة المنتجين» في «مهرجان كان السينمائي»، أحد أهم الملتقيات التي يحضرها منتجون من حول العالم.

من جانب آخر، نُظمت ندوة حول السينما الفلسطينية بعنوان: «الفيلم الفلسطيني، مرحلة جديدة»، تحدث فيها المخرجون عن الصعوبات الخاصة التي تواجهها صناعة السينما الفلسطينية، في الداخل والخارج، وعن نجاحها في إحداث اختراق كبير، وتوسعة دائرة الاهتمام بها عبر حضور قوي ومؤثر في كبرى مهرجانات السينما على مستوى العالم.

غلبت على الأفلام الفلسطينية المشاركة في هذه الدورة من المهرجان صبغة الكوميديا السوداء، والسخرية من الواقع الفلسطيني في الداخل بمرارة وألم. هي أفلام واقعية جدّاً فيها جرعات مؤلمة من الكوميديا السوداء، فالفلسطينيون ما عادوا يتألمون من قسوة المحتل وحسب، لكنه الأخ والشقيق والمقاسم للوطن وللمعاناة، إنه الإحباط والحالة السياسية الفلسطينية في الداخل التي أدت إلى انقسام الجسد الفلسطيني وتشطره. الجدران العازلة لم تملأ مناطق الضفة المحتلة وحسب، لكنها اقيمت وسط الأحياء الفلسطينية والحواري والأزقة وفي قلوب الأشقاء ضد بعضهم.

ربما تكون التحولات الجذرية التي تشهدها المجتمعات العربية عاملاً في تأزيم الحالة الفلسطينية وتعقيد تفاصيلها. المخرجون الفلسطينيون عبر أفلامهم قدموا نظرة أعمق إلى الداخل الفلسطيني وقضاياه المتغيرة، اجتماعيّاً وسياسيّاً، من خلال قصص واقعية كما فعل هاني أبو أسعد، أو لمحات من حكايات المجتمع ونضال أفراده لكي يتكيفوا مع وضع بلادهم اللامستقر كما في باقي الأفلام، وربما من خلال تبيان إفرازات واقع الغربة والشتات… الاحباط الذي يعيشه الفلسطينيون.

«عمر»: خباز عاشق… مقاتل… ثم… جاسوس

 أول الأفلام التي تستعرض حالة الإحباط هذه، هو فيلم «عمر» لهاني أبو أسعد. هذا الفيلم هو الثامن على قائمة أفلام المخرج الروائية، وهو ثاني فيلم له يفتتح مهرجان دبي، وذلك بعد «الجنة الآن» الذي افتتح الدورة الثانية.

الفيلم انتاج فلسطيني اماراتي، معظم موازنته جاءت من فلسطين فيما جاء المتبقي من مبادرة إنجاز لدعم مشاريع الأفلام، إحدى مبادرات مهرجان دبي. حقق نجاحات عالمية كبرى أهمها فوزه بجائزة لجنة التحكيم في مسابقة «نظرة ما» في الدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي، إضافة إلى ترشحه لأوسكار أفضل فيلم أجنبي.

يناقش أبوأسعد، الذي وضع سيناريو الفيلم، أوضاع فلسطينيي الداخل الذين تنهشهم قسوة الاحتلال من جهة ومرارة الشك وانعدام الثقة فيما بينهم من جهة أخرى. تحديداً، يناقش ما يدفع فلسطينيي الداخل إلى التعاون مع الاحتلال، وهل يتعاونون فعلاً معه أم يصفُّون حساباتهم؟.

يستعرض ذلك من خلال قصة «عمر» الشاب الشفاف، الذي يعمل خبازاً في الضفة الغربية، يحب ناديا التي تعيش على الجانب الآخر من جدار الفصل العنصري في الضفة. يجعله حبه هذا ماهراً في تسلق الجدار يوميّاً والهروب من جنود المراقبة الرابضين بمحاذاته، ومن رصاصاتهم الطائشة بل واستهتارهم. كل ذلك من أجل لقاء بالحبيبة لا تتجاوز مدته دقائق معدودة، يتم خلسة، بعيداً عن عين شقيقها طارق وهو صديق عمر، وحتى عن فضول وتلصص وغيرة صديقه الآخر أمجد.

يتفق معها على الزواج. يعتقد أنه يمكن أن يحب ويعيش حياة بسيطة آمنة في فلسطين، لكنه يكتشف بعد ذلك أن كل ذلك محض خيال. لا حياة للحب في فلسطين. المحتل يرفض أن يعطيه تلك الرفاهية، والفلسطينيون أنفسهم يرفضون أن يمنحوا حبه الأمان والثقة.

يتورط في هجوم على الجيش الإسرائيلي فيعتقل، فيتحول من خباز عاشق إلى مقاتل من أجل الحرية، ثم إلى متعاون متورط مع الشرطة الإسرائيلية، يشي بأصدقائه، ولعلهم يشون به.

تشك ناديا فيه، ويشك هو في مشاعرها، يتهمه أمجد بالخيانة، فقط ليظفر بقلب ناديا، ويكتشف فيما بعد أنه وقع في اختبار صعب لإنسانيته ولرجولته. يفشل في جزء منه، لكنه ينجح في آخر. لعله نجاح مطعم بفشل ومرارة لن تزول.

تمزقه خيانة ناديا، كما غدر أمجد، وشك طارق وأعضاء التنظيم الذي ينتمي إليه، ثم يحاصره المحتل فيجد نفسه مجبراً على التعاون مع العدو بطريقة لعلها تخدش وطنيته، لكنها تقوي إنسانيته. عمر يبدو كبلاده ممزقاً بين قسوة المحتل وجبروته، وخيانة أبنائه وتقاتلهم.

الفيلم الذي يتنافس ضمن جائزة المهر للأفلام الروائية الطويلة، يواجهك بواقع جديد يختلف عن ذلك الذي صوره أبوأسعد نفسه قبل ثمانية أعوام في فيلمه «الجنة الآن». هناك صور ما يدفع الشباب لارتداء أحزمة ناسفة، لكنه اليوم يتحدث عما يمزقهم، يشتتهم ويضيع أهدافهم، ويجعلهم غير قادرين على تحديد مسارهم. إنه الاحتلال، وانقسام الشارع، وتشتت الفلسطينين أنفسهم.

الفيلم تمثيل آدم بكري، ليم لوباني، وليد زعيتر، إياد حوراني، سمر بشارات. انتاج وليد زعيتر وتصوير ايهاب عسل.

مي في الصيف: صراعات العودة

 شيرين دعيبس، تعود هي الأخرى في فيلمها الذي يتنافس ضمن جائزة المهر العربي للأفلام القصيرة «مي في الصيف»، لكن ليس إلى فلسطين بل إلى الأردن، حيث نشأت هذه الأميركية من أصل فلسطيني. ومن خلال استعراضها تفاصيل عودتها، تناقش دعيبس كم الصراعات التي يعيشها العربي حين يعود إلى موطنه الأصلي. بطلتها تعود إلى الأردن لإتمام مراسم زواجها، لكن الأمر لا يبدو بالسهولة التي تتصورها، إذ تعيش صراعاً ثقافيّاً وعائليّاً جراء كل ما مرت به من تغيرات مفاجئة في حياتها.

فيلم دعيبس وإن بدا بعيداً نوعاً مَّا في تعرضه لأحوال بلد مخرجته الأصلي «فلسطين»، إلا أنه يعبر عن صراعات يعيشها الفلسطيني، كمهجر أو مهاجر، يصارع متناقضات الحياة، هذه المرة خارج فلسطين، بين أميركا حيث تعيش المخرجة وبطلتها والأردن حيث يجب أن تواصل حياتها. الفيلم إنجاز آخر للسينما الفلسطينية، وإن كان إنتاجه أميركي قطري أردني.

فلسطين استيريو: الحياة على أنغام الموت

 الواقع الفلسطيني المر الذي طالعنا به أبوأسعد، يعود به رشيد مشهراوي الذي يحضر المهرجان بفيلم «فلسطين ستيريو».

هذه المرة نشاهد صراعاً آخر بين الرغبة في الهجرة من فلسطين أو البقاء والتكيف مع كل متناقضات الحياة فيها، من خلال قصة الأخوين سامي وميلاد، اللذين يقرران الهجرة إلى كندا، بعد أن تدمر غارة اسرائيلية منزلهما. يجب عليهما جمع ما يكفي من المال للحصول على الفيزا، فيقومان بتأجير مكبرات الصوت لإحياء مختلف المناسبات الاجتماعية والسياسية، مستعينين في ذلك بسيارة إسعاف مقصوفة.

الفيلم يمكن تصنيفه بالكوميديا السوداء، مشهراوي يبدو ماهراً في ذلك، كل حوادث فيلمه وحواراته تسخر بألم من واقع الفلسطينيين، بدءاً من الشابين اللذين يكسبان أموالاً من حفلات تحيي ذكرى ضحايا مجازر راح ضحيتها أشقاء لهم، وصولاً إلى عمل سامي، الشقيق الأصغر، في ضبط الصوتيات وهو الذي فقد سمعه ونطقه جراء الغارة الإسرائيلية، وربما انتهاء بمشهد يترك فيه ميلاد قاعة يخطب فيها وزيراً للسلطة الفلسطينية ليحجز تذاكر هجرته وشقيقه إلى كندا. الفيلم كتابة رشيد مشهراوي وبطولة محمود ابوجازي، صلاح حنون، عرين عمري، ميساء عبدالهادي، وهو انتاج فلسطيني تونسي فرنسي نرويجي اماراتي ايطالي وسويسري مشترك. يتنافس ضمن جائزة المهر العربي للأفلام الروائية الطويلة.

كوندوم ليد: لا مكان للحب

 الإحباط يصل أقصاه في الفيلم القصير «كوندوم ليد»، الذي يتنافس ضمن جائزة المهر العربي للأفلام القصيرة، وكان شارك في المسابقة الرسمية للفيلم القصير في مهرجان كان. يتساءل مخرجاه عرب وطرزان أبوناصر عن إمكانية الحبّ وسط القصف والحرب والموت. يشير الفيلم إلى الوقت الذي نظمت فيه عملية «كاست ليد» الوحشية الإسرائيلية، على قطاع غزة العام 2009. وبطريقة مميزة وجديدة يخبرنا الفيلم أن لا مكان للحب وسط الخوف والرعب اللذين تزرعهما القذائف والصواريخ المُنهمرة فتحول الرغبات إلى بالونات تنتظر الانفجار.

البحث عن ساريس: ذاكرة لا تموت

 يستعرض هذا الفيلم الذي يتنافس ضمن مسابقة المهر الوثائقي، تاريخ قرية ساريس الفلسطينية الواقعة قرب القدس والتي تعرضت للتطهير العرقي العام 1948. يصور الفيلم كيف تحول سكان ساريس اليوم إلى اسرائيليين فقط. مخرجته جنان كولتر تأخذنا في رحلة مادية ورمزية في المكان والمجاز، وفي فعل استعادة لمآسي التهجير وفصوله التي لاتزال تتكشف.

الفيلم حاصل على دعم بوابة التمويل الجماعي للأفكار الإبداعية في الشرق الأوسط «أفلامنا» في مرحلة ما بعد الإنتاج، بالإضافة إلى دعم مبادرة إنجاز من مهرجان دبي.

أزرقاق: تسود الحقيقة دوماً

 في هذا الفيلم الذي يتنافس ضمن جائزة المهر العربي للأفلام القصيرة، تغوص راما مرعي، في أعماق رجل مصاب بخمول عاطفي تجاه الموت. ياسين، الذي يعيش في هذا البلد الذي يعج بالموت، يجد أمر إخفاء جريمته سهلاً للغاية. لكن، ولأن الحقيقة تسود دائماً، فإنها تظهر حتى حين تندر العدالة. «ازرقاق» يروي قصة الدمار الداخلي الذي تنتقل عدواه من الأمكنة إلى البشر.

حبيبي بيستَنّاني عند البحر

 لا تبحث ميس دروزة في هذا الفيلم الذي أخرجته وكتبته عن قرية فلسطينية، بل عن حبيبها الفنان الفلسطيني حسن حوراني. تبحث عنه في كل الوجوه الفلسطينية التي تلتقيها خلال رحلتها الأولى إلى فلسطين. يتنافس فيلم دروزة ضمن مسابقة المهر العربي الوثائقي، وتأخذنا فيه إلى لقاء «افتراضي» مع الحبيب وعالمه الحالم، لتطرح من خلال ذلك إمكانية التملص من المكان.

الإحباط يملأ الفيلم حين تبرز حاجة الفلسطينيين إلى الحلم وإلى التشبث به في أرض مشتتة مُقطّعة الأوصال. الفيلم من إنتاج فلسطيني أردني ألماني وهو تحية للفنان حسن حوراني ولكتابه «حسن في كل مكان»، وهو كتاب يضم قصصاً ورسومات للأطفال، صدر قُبيل موته المأساوي غرقاً في بحر يافا العام 2003، ذلك البحر الذي كان ممنوعاً عليه.

العدد 4123 – السبت 21 ديسمبر 2013م الموافق 18 صفر 1435هـ

قدمت عروض دمى وعرائس برعاية السفارة الأميركية: كارين كونيرث: عروضي تحترم الأطفال… ويفضلونها على برامج التلفزيون

ضاحية السيف – منصورة عبدالأمير 

fdd-m-1

تواصل أخصائية مسرح العرائس والدمى الأميركية كارين كونيرث تقديم عروضها الموجهة إلى الأطفال في مختلف المدارس والمؤسسات التعليمية في مملكة البحرين والتي تروي من خلالها قصصاً مختلفة تصفها بالعالمية التي يمكن لها أن تصل إلى جميع الثقافات.

كذلك تقدم كونيرث خلال زيارتها، التي تستمر أسبوعين، ورش عمل للمعلمين تركز على كيفية استخدام عروض العرائس والدمى في المناهج الدراسية.

وتعد كونيرث واحدة من أهم مقدمي عروض العرائس والدمى التي تشارك الأطفال من خلالها الإرث والتنوع الثقافي الذي تحويه القصص التي استلهمتها من التراث المتنوع لنيو أورليانز حيث تعيش منذ أكثر من ثلاثين عاماً، فضلا عن رحلاتها وعروضها في مختلف دول العالم التي منحتها فرصة الاطلاع على الفولكلور العالمي، بل وتعلم بعض اللغات كالأسبانية من أجل الاندماج في ثقافات الجنوب الأميركي وبالتالي فهم هذه الثقافات بشكل أعمق.

وغالباً مَّا تقدم كونيرث عروضاً متصلة بالمناهج التعليمية في المدراس، مستخدمة دمى وعرائس تقوم بتصميمها بنفسها، تصحبها بأداء صوتي حي، إما منفرد، أو مصحوب بموسيقى ومؤثرات صوتية.

تهدف كارين من إدماج هذا الفن في المناهج الدراسية إلى إشراك الطلاب في عملية التعلم عبر تشجيعهم على التفكير الإبداعي من ناحية وفهم المعلومات الدراسية وحفظها بشكل أفضل من جهة ثانية.

فضاءات «الوسط» التقت كونيرث على هامش زيارتها، تحدثت أولاً عن عملية دمج الفن في المناهج الدراسية، وقالت «أقدم الكثير من العروض التي تحقق هذا الهدف. بدأت في مدارس الولايات المتحدة، وكان المدرسون يشعرون أن عروضي تضيع وقت الطلاب التعليمي، لكنهم بعد ذلك وجدوا فاعلية هذا الفن في تعليم المواد الأساسية. على سبيل المثال يمكنني تدريس المواد الاجتماعية من خلال الفن عبر دمج الطلاب في عروض تمثل لهم واقع المجتمعات وجغرافيا الدول، أو الاحتياجات الإنسانية الأساسية للعيش، عبر إحضار خارطة للعالم وبعض الدمى ثم بناء المجتمعات وتكوينها. بالطبع تعيش الدمى في هذا المجتمع، ينتخبون رئيساً لبلديتهم، ويعيشون أمورهم اليومية. الأطفال يتعلمون فعلاً ما يجب أن يتعلموه حين ننفث الحياة في الدمى باستخدام هذا الشكل الفني، فهم يعيشون دروسهم بشكل حي، بدلاً من الاكتفاء بقراءتها أو الاستماع للمدرسين. هذا هو التعلم التفاعلي النشط المطلوب وليس التعلم السلبي. ما وجدته هو أن الطلاب يتحمسون للتعلم بشكل أكبر فيبدأون في القراءة والبحث في موضوعات الدروس، ثم يتعاونون فيما بينهم عندما يعرفون أنهم سيينفثون الحياة في هذه الدمى والعرائس. الأمر بالفعل يشكل دافعاً قويّاً لهم، ليس من أجل الاستمتاع فقط، بل إن العمل مع زملائهم لإنشاء المشروع يشكل دافعاً قويّاً، كذلك شعورهم بأن عملهم هذا سيقدر».

تشير كونيرث إلى أنها قد تدخل بعض المؤثرات البصرية والصوتية على عروضها لإضافة مزيد من الإثارة إلى هذه العروض.

بدأت كارين دمج عروضها في عملية التعليم منذ أكثر من 20 عاماً، وهي تشير «كنت أقدم قصصاً عبر هذه العروض فقط، بعدها طُلب مني تقديم قصص فولكلورية في المدارس، حينها وجدت أن هذه القصص يمكن ربطها بالمناهج الدراسية واستخدامها في عملية التعلم».

وعن مدى فاعلية هذه العروض في تسهيل عملية التعلم، وخصوصاً مع طول المناهج الدراسية وضيق الوقت المخصص لإنهائها، قالت: «هذه قضية هامة، حتى في الولايات المتحدة ولهذا لا يدمج الفن بشكل كبير في المدارس. في الواقع مهمتي هي العمل على تحقيق عملية الدمج هذه، فأنا أرى أن ما يدمج الطلبة في العملية التعليمية حقّاً ليس الاختبارات التي يركز عليها الطلبة والمعلمون، وليست طرق التدريس التقليدية التي تعوق تطور الطلاب الذهني وتجعلهم غير قادرين على مجاراة العصر الذي يعيشونه وهو المليء بالابتكارات والمتطور بسرعة كبيرة. ما يحقق ذلك فعلاً هو طرق التعليم التي تشجع التفكير الإبداعي ومنها طريقة التعلم عبر مسرح العرائس. ولذلك فأنا أحاول تقديم صيغة واضحة يمكن للمعلمين اتباعها بسهولة لتضمين هذا الفن في خططهم الدراسية، بحيث يتعلم الطلاب ويقضون وقتاً ممتعاً».

بعيداً عن التعليم، ترى كارين أن هذا الشكل الفني القديم جدّاً يقدم إلى الأطفال كمّاً هائلاً من الاحترام حين يقدم إليهم برامج حية، شخصياتها ذات أبعاد متكاملة، على عكس ما اعتادوه من برامج تلفزيونية مسطحة. وهي تعلق أهمية كبرى على دور هذه العروض في توعية الأطفال بأهمية الفن في حياتهم.

تؤكد أن هناك إقبالاً كبيراً من قبل الأطفال في الولايات المتحدة على هذه العروض، وترى أن ما يشدهم لها حقّاً هو «جِدتها، فهذا أمر لم يعتادوا على مشاهدته، وهناك جانب المباشرة، حيث يمكن لهم أن يروا العروض بمختلف أبعادها، على خلاف المتعة التكنولوجية التي تدور في محيط منفصل تماماً عن عالم الأطفال، ولذلك فهم يفضلون هذه العروض الحية المجسمة على البرامج التلفزيونية المسطحة».

أما القصص التي ترويها كارين عبر عروضها فقد استلهمتها من التراث القصصي الغني الذي تتميز به لويزيانا، تقول: «أتيت من منطقة تضم ثقافة غنية جدّاً، إذ يعيش فيها مختلف الأعراق، وخصوصاً الأفارقة والفرنسيين الذين جاؤوا من كندا، حيث امتزجت ثقافات هؤلاء مع ثقافة باقي الأعراق الموجودة في لويزيانا، بحيث بدأت المجموعات في نقل تراث بعضها والحفاظ عليه، تماماً كما حدث حين نقل العبيد الأفارقة قصص التراث الفرنسي».

العدد 4116 – السبت 14 ديسمبر 2013م الموافق 11 صفر 1435هـ

أطلق مشروعه «مكان» عبر «سوق 338»… جعفر العلوي: أحتفي بجماليات غير معلنة للخط العربي

العدلية – منصورة عبدالأمير 

fdd-13

«فتعلم كيف تنسى وتعلم كيف تمحو»… ملحمة الأطلال، إبراهيم ناجي، أم كلثوم… اختر أياً ما تشاء من تلك الثيمات، لتجد نفسك أمام رائعة من الأبيات الشعرية التي تخلد في الذاكرة. ستجد نفسك ربما تردد الأبيات بوعي ومن دون وعي، تماماً كما يفعل الشاعر الفنان جعفر العلوي، الذي يرى أن العبارة أعلاه التي يرددها على الدوام والتي يمكن لها أن تصنع يومه، هي لب قصيدة الأطلال وهي عبارة يجب علينا أن نخلدها لا في الذاكرة وحسب بل إن نجعلها جزءاً من يومياتنا ومن حياتنا ومن… مكاننا. يؤكد جعفر «بيت شعر يتردد في بالك على الدوام يمكن له أن يكون جزءاً من أيامك حين تصممه بطريقة معينة».

العلوي اختار أن ينقش العبارة أعلاه، وما يشبهها من عبارات تخلد في الذاكرة، في لوحات فنية تتنوع بين الميكس ميديا والكولاجات ثم يطلقها في أول عرض عام لها عبر مشروع «مكان»، المشروع الذي يشارك به في فعالية سوق 338.

يعرض كشك «مكان» عشرة لوحات يحتفي فيها العلوي بكلمات وعبارات الأغنيات المفضلة له لاثنين ممن يجدهما أبرز ثيمتين موسيقيتين في العالم العربي، أم كلثوم وعبدالحليم حافظ.

يقول العلوي «استخدم في لوحاتي هذه ثيمات مختلفة. في هذه المجموعة الأولى أركز على اثنين من الرموز الأكثر شعبية في عالم الغناء، لكنني أنوي استخدام ثيمات مختلفة في المرات المقبلة، مثل ثيمة الشعر والأدب والتلحين والفن وغير ذلك. وهكذا ستحمل كل مجموعة ثيمة معينة وتحتفي بشخصيات هذه الثيمة لجعلهم جزءاً من بيتك أو مكانك».

تتنوع الأعمال التي يعرضها العلوي بين أعمال الميكس الميديا التي يمتزج فيها الحرف العربي بالصور، ويشير «أتلاعب بثيمات اللون في هذه الصور الجاهزة، فيما أركز على الخط العربي وليس على العمل الفني وذلك بهدف جعله جزءاً أساسياً من العمل الفني».

يعرض العلوي أيضاً بعض أعمال الكولاج، وعنها يقول «هذه أعمال كولاج يدوي عالجتها بالكمبيوتر ثم طبعتها على كانفس». أعمال أخرى يعرضها العلوي على قماش، بالإضافة إلى بعض الإكسسورات المنزلية التي تحمل هي الأخرى نقوشاً للخط العربي.

الخط والكلمة العربيان هما أساس لوحات العلوي، وهو يؤكد «أستفيد من ثيمات الهوية العربية في جعل محيط المكتب أو المنزل جزء من هذا التراث، كما أستثمر جمالية هذا الخط في صنع بيئة أو «مكان» كما أسميت مشروعي يحمل جزءاً من هويتك ويتميز بحميميته».

وحول أهمية احتفائه بالخط العربي، يقول «في المجتمع العربي نفتقد للقدرة على إيصال الخط العربي وتطويره وتحديثه وهو الذي يحتفي به الغرب عبر الكثير من الأعمال الفنية. ولا أتحدث هنا عن التطوير الذي يتم عن طريق الكمبيوتر بل عن التطوير اليدوي الذي يمكننا من أن نضيف لجمالية الخط العربي ونحتفي به».

ويضيف «للحرف العربي انحناءات تعطيه جمالية مميزة، وهي التي أزعم أنني عملت عليها طوال أكثر من عام ما أنتج هذه الأعمال».

ويوضح «بدأ الأمر بخربشات عادية لكنها كانت خربشات لافتة تحمل ثيمة مميزة. لا أقدم خطوطي بالطريقة الكلاسيكية التقليدية رغم جماليتها، لكنني اشتغلت بشكل أكبر فأضفت إليها أو أدخلتها في كلمات أخرى حتى وصلت إلى هذه النتيجة التي أعتقد أنها مختلفة».

يعتبر العلوي هذه المشاركة بمثابة الانطلاقة الأولى لمشروع «مكان» ويوضح «كنت أعرض أعمالي على مواقع التواصل الاجتماعي أو أقوم بعملها لطلبيات خاصة. لكنني الآن يمكنني القول إن مشروع «مكان» هو مشروع أكبر وسيستمر، وقد يفضي إلى مكان فعلي نحتفي فيه بكل هذه الشخصيات ونعرض فيه كل الأعمال».

يشار إلى أن سوق 338 تنظمه مساحة الرواق للفنون للعالم الثالث على التوالي. افتتح السوق في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013 ويستمر حتى 15 ديسمبر/ كانون الأول الجاري. ويحتفي السوق بإبداعات المصممين البحرينيين وبالأعمال المحلية المصنعة يدوياً والابتكارات الجديدة. ويشارك فيه أكثر من 600 مصمم من البحرين ومنطقة الخليج ودول أخرى.

العدد 4109 – السبت 07 ديسمبر 2013م الموافق 04 صفر 1435هـ