الإحباط ومرارة الانقسام يسودان الأفلام المشاركة… «دبي السينمائي» يحتفي بالسينما الفلسطينية ويمولها

دبي – منصورة عبدالأمير 

fdd-8

سجلت السينما الفلسطينية حضوراً هامّاً ومؤثراً في الدورة العاشرة لمهرجان دبي السينمائي الدولي الذي أقيم في الفترة من (6 إلى 14 ديسمبر/ كانون الأول 2013). وعرض المهرجان سبعة أفلام لمخرجين فلسطينيين، حقق بعضٌ منهم شهرة لا بأس بها في عالم السينما كما يعتبر اثنان منهم على قائمة مخرجي السينما المتميزين الذين حصدت أفلامهم إشادات وجوائز دولية، وهما المخرجان هاني أبوأسعد ورشيد مشهراوي.

حضر المهرجان من بين هؤلاء المخرجين الفلسطينيين خمسة، هم: هاني أبو أسعد، رشيد مشهراوي، ميس دروزه، جينان كولتير، وشيرين دعيبس.

وكان المهرجان منح جائزة أفضل مخرج لهاني أبو أسعد عن فيلم «عمر» الذي افتتح المهرجان، كما منح منتجه وليد زعيتر جائزة أفضل فيلم. والفيلم حاصل على دعم المهرجان عبر مبادرة «إنجاز» لدعم مشاريع الأفلام.

عدا عن ذلك فاز مشروعا فيلمين فلسطينيين بجوائز «ملتقى دبي السينمائي» البالغ مجموعها 115 ألف دولار، وهما مشروع «غزة دي سي» للمخرج رشيد مشهراوي، وهو من انتاج حبيب عطية، وفاز بجائزة «آرتيه» الدولية وتبلغ قيمتها 6 آلاف يورو، ومشروع «علم» الذي يخرجه فراس خوري وينتجه هاني أبوأسعد بجائزة «فرونت رو كي إن سي سي» البالغة قيمتها 10 آلاف دولار. وبالإضافة إلى الجوائز النقدية، تم اختيار المنتج حبيب عطية واحداً من بين خمسة منتجين عرب لحضور «شبكة المنتجين» في «مهرجان كان السينمائي»، أحد أهم الملتقيات التي يحضرها منتجون من حول العالم.

من جانب آخر، نُظمت ندوة حول السينما الفلسطينية بعنوان: «الفيلم الفلسطيني، مرحلة جديدة»، تحدث فيها المخرجون عن الصعوبات الخاصة التي تواجهها صناعة السينما الفلسطينية، في الداخل والخارج، وعن نجاحها في إحداث اختراق كبير، وتوسعة دائرة الاهتمام بها عبر حضور قوي ومؤثر في كبرى مهرجانات السينما على مستوى العالم.

غلبت على الأفلام الفلسطينية المشاركة في هذه الدورة من المهرجان صبغة الكوميديا السوداء، والسخرية من الواقع الفلسطيني في الداخل بمرارة وألم. هي أفلام واقعية جدّاً فيها جرعات مؤلمة من الكوميديا السوداء، فالفلسطينيون ما عادوا يتألمون من قسوة المحتل وحسب، لكنه الأخ والشقيق والمقاسم للوطن وللمعاناة، إنه الإحباط والحالة السياسية الفلسطينية في الداخل التي أدت إلى انقسام الجسد الفلسطيني وتشطره. الجدران العازلة لم تملأ مناطق الضفة المحتلة وحسب، لكنها اقيمت وسط الأحياء الفلسطينية والحواري والأزقة وفي قلوب الأشقاء ضد بعضهم.

ربما تكون التحولات الجذرية التي تشهدها المجتمعات العربية عاملاً في تأزيم الحالة الفلسطينية وتعقيد تفاصيلها. المخرجون الفلسطينيون عبر أفلامهم قدموا نظرة أعمق إلى الداخل الفلسطيني وقضاياه المتغيرة، اجتماعيّاً وسياسيّاً، من خلال قصص واقعية كما فعل هاني أبو أسعد، أو لمحات من حكايات المجتمع ونضال أفراده لكي يتكيفوا مع وضع بلادهم اللامستقر كما في باقي الأفلام، وربما من خلال تبيان إفرازات واقع الغربة والشتات… الاحباط الذي يعيشه الفلسطينيون.

«عمر»: خباز عاشق… مقاتل… ثم… جاسوس

 أول الأفلام التي تستعرض حالة الإحباط هذه، هو فيلم «عمر» لهاني أبو أسعد. هذا الفيلم هو الثامن على قائمة أفلام المخرج الروائية، وهو ثاني فيلم له يفتتح مهرجان دبي، وذلك بعد «الجنة الآن» الذي افتتح الدورة الثانية.

الفيلم انتاج فلسطيني اماراتي، معظم موازنته جاءت من فلسطين فيما جاء المتبقي من مبادرة إنجاز لدعم مشاريع الأفلام، إحدى مبادرات مهرجان دبي. حقق نجاحات عالمية كبرى أهمها فوزه بجائزة لجنة التحكيم في مسابقة «نظرة ما» في الدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي، إضافة إلى ترشحه لأوسكار أفضل فيلم أجنبي.

يناقش أبوأسعد، الذي وضع سيناريو الفيلم، أوضاع فلسطينيي الداخل الذين تنهشهم قسوة الاحتلال من جهة ومرارة الشك وانعدام الثقة فيما بينهم من جهة أخرى. تحديداً، يناقش ما يدفع فلسطينيي الداخل إلى التعاون مع الاحتلال، وهل يتعاونون فعلاً معه أم يصفُّون حساباتهم؟.

يستعرض ذلك من خلال قصة «عمر» الشاب الشفاف، الذي يعمل خبازاً في الضفة الغربية، يحب ناديا التي تعيش على الجانب الآخر من جدار الفصل العنصري في الضفة. يجعله حبه هذا ماهراً في تسلق الجدار يوميّاً والهروب من جنود المراقبة الرابضين بمحاذاته، ومن رصاصاتهم الطائشة بل واستهتارهم. كل ذلك من أجل لقاء بالحبيبة لا تتجاوز مدته دقائق معدودة، يتم خلسة، بعيداً عن عين شقيقها طارق وهو صديق عمر، وحتى عن فضول وتلصص وغيرة صديقه الآخر أمجد.

يتفق معها على الزواج. يعتقد أنه يمكن أن يحب ويعيش حياة بسيطة آمنة في فلسطين، لكنه يكتشف بعد ذلك أن كل ذلك محض خيال. لا حياة للحب في فلسطين. المحتل يرفض أن يعطيه تلك الرفاهية، والفلسطينيون أنفسهم يرفضون أن يمنحوا حبه الأمان والثقة.

يتورط في هجوم على الجيش الإسرائيلي فيعتقل، فيتحول من خباز عاشق إلى مقاتل من أجل الحرية، ثم إلى متعاون متورط مع الشرطة الإسرائيلية، يشي بأصدقائه، ولعلهم يشون به.

تشك ناديا فيه، ويشك هو في مشاعرها، يتهمه أمجد بالخيانة، فقط ليظفر بقلب ناديا، ويكتشف فيما بعد أنه وقع في اختبار صعب لإنسانيته ولرجولته. يفشل في جزء منه، لكنه ينجح في آخر. لعله نجاح مطعم بفشل ومرارة لن تزول.

تمزقه خيانة ناديا، كما غدر أمجد، وشك طارق وأعضاء التنظيم الذي ينتمي إليه، ثم يحاصره المحتل فيجد نفسه مجبراً على التعاون مع العدو بطريقة لعلها تخدش وطنيته، لكنها تقوي إنسانيته. عمر يبدو كبلاده ممزقاً بين قسوة المحتل وجبروته، وخيانة أبنائه وتقاتلهم.

الفيلم الذي يتنافس ضمن جائزة المهر للأفلام الروائية الطويلة، يواجهك بواقع جديد يختلف عن ذلك الذي صوره أبوأسعد نفسه قبل ثمانية أعوام في فيلمه «الجنة الآن». هناك صور ما يدفع الشباب لارتداء أحزمة ناسفة، لكنه اليوم يتحدث عما يمزقهم، يشتتهم ويضيع أهدافهم، ويجعلهم غير قادرين على تحديد مسارهم. إنه الاحتلال، وانقسام الشارع، وتشتت الفلسطينين أنفسهم.

الفيلم تمثيل آدم بكري، ليم لوباني، وليد زعيتر، إياد حوراني، سمر بشارات. انتاج وليد زعيتر وتصوير ايهاب عسل.

مي في الصيف: صراعات العودة

 شيرين دعيبس، تعود هي الأخرى في فيلمها الذي يتنافس ضمن جائزة المهر العربي للأفلام القصيرة «مي في الصيف»، لكن ليس إلى فلسطين بل إلى الأردن، حيث نشأت هذه الأميركية من أصل فلسطيني. ومن خلال استعراضها تفاصيل عودتها، تناقش دعيبس كم الصراعات التي يعيشها العربي حين يعود إلى موطنه الأصلي. بطلتها تعود إلى الأردن لإتمام مراسم زواجها، لكن الأمر لا يبدو بالسهولة التي تتصورها، إذ تعيش صراعاً ثقافيّاً وعائليّاً جراء كل ما مرت به من تغيرات مفاجئة في حياتها.

فيلم دعيبس وإن بدا بعيداً نوعاً مَّا في تعرضه لأحوال بلد مخرجته الأصلي «فلسطين»، إلا أنه يعبر عن صراعات يعيشها الفلسطيني، كمهجر أو مهاجر، يصارع متناقضات الحياة، هذه المرة خارج فلسطين، بين أميركا حيث تعيش المخرجة وبطلتها والأردن حيث يجب أن تواصل حياتها. الفيلم إنجاز آخر للسينما الفلسطينية، وإن كان إنتاجه أميركي قطري أردني.

فلسطين استيريو: الحياة على أنغام الموت

 الواقع الفلسطيني المر الذي طالعنا به أبوأسعد، يعود به رشيد مشهراوي الذي يحضر المهرجان بفيلم «فلسطين ستيريو».

هذه المرة نشاهد صراعاً آخر بين الرغبة في الهجرة من فلسطين أو البقاء والتكيف مع كل متناقضات الحياة فيها، من خلال قصة الأخوين سامي وميلاد، اللذين يقرران الهجرة إلى كندا، بعد أن تدمر غارة اسرائيلية منزلهما. يجب عليهما جمع ما يكفي من المال للحصول على الفيزا، فيقومان بتأجير مكبرات الصوت لإحياء مختلف المناسبات الاجتماعية والسياسية، مستعينين في ذلك بسيارة إسعاف مقصوفة.

الفيلم يمكن تصنيفه بالكوميديا السوداء، مشهراوي يبدو ماهراً في ذلك، كل حوادث فيلمه وحواراته تسخر بألم من واقع الفلسطينيين، بدءاً من الشابين اللذين يكسبان أموالاً من حفلات تحيي ذكرى ضحايا مجازر راح ضحيتها أشقاء لهم، وصولاً إلى عمل سامي، الشقيق الأصغر، في ضبط الصوتيات وهو الذي فقد سمعه ونطقه جراء الغارة الإسرائيلية، وربما انتهاء بمشهد يترك فيه ميلاد قاعة يخطب فيها وزيراً للسلطة الفلسطينية ليحجز تذاكر هجرته وشقيقه إلى كندا. الفيلم كتابة رشيد مشهراوي وبطولة محمود ابوجازي، صلاح حنون، عرين عمري، ميساء عبدالهادي، وهو انتاج فلسطيني تونسي فرنسي نرويجي اماراتي ايطالي وسويسري مشترك. يتنافس ضمن جائزة المهر العربي للأفلام الروائية الطويلة.

كوندوم ليد: لا مكان للحب

 الإحباط يصل أقصاه في الفيلم القصير «كوندوم ليد»، الذي يتنافس ضمن جائزة المهر العربي للأفلام القصيرة، وكان شارك في المسابقة الرسمية للفيلم القصير في مهرجان كان. يتساءل مخرجاه عرب وطرزان أبوناصر عن إمكانية الحبّ وسط القصف والحرب والموت. يشير الفيلم إلى الوقت الذي نظمت فيه عملية «كاست ليد» الوحشية الإسرائيلية، على قطاع غزة العام 2009. وبطريقة مميزة وجديدة يخبرنا الفيلم أن لا مكان للحب وسط الخوف والرعب اللذين تزرعهما القذائف والصواريخ المُنهمرة فتحول الرغبات إلى بالونات تنتظر الانفجار.

البحث عن ساريس: ذاكرة لا تموت

 يستعرض هذا الفيلم الذي يتنافس ضمن مسابقة المهر الوثائقي، تاريخ قرية ساريس الفلسطينية الواقعة قرب القدس والتي تعرضت للتطهير العرقي العام 1948. يصور الفيلم كيف تحول سكان ساريس اليوم إلى اسرائيليين فقط. مخرجته جنان كولتر تأخذنا في رحلة مادية ورمزية في المكان والمجاز، وفي فعل استعادة لمآسي التهجير وفصوله التي لاتزال تتكشف.

الفيلم حاصل على دعم بوابة التمويل الجماعي للأفكار الإبداعية في الشرق الأوسط «أفلامنا» في مرحلة ما بعد الإنتاج، بالإضافة إلى دعم مبادرة إنجاز من مهرجان دبي.

أزرقاق: تسود الحقيقة دوماً

 في هذا الفيلم الذي يتنافس ضمن جائزة المهر العربي للأفلام القصيرة، تغوص راما مرعي، في أعماق رجل مصاب بخمول عاطفي تجاه الموت. ياسين، الذي يعيش في هذا البلد الذي يعج بالموت، يجد أمر إخفاء جريمته سهلاً للغاية. لكن، ولأن الحقيقة تسود دائماً، فإنها تظهر حتى حين تندر العدالة. «ازرقاق» يروي قصة الدمار الداخلي الذي تنتقل عدواه من الأمكنة إلى البشر.

حبيبي بيستَنّاني عند البحر

 لا تبحث ميس دروزة في هذا الفيلم الذي أخرجته وكتبته عن قرية فلسطينية، بل عن حبيبها الفنان الفلسطيني حسن حوراني. تبحث عنه في كل الوجوه الفلسطينية التي تلتقيها خلال رحلتها الأولى إلى فلسطين. يتنافس فيلم دروزة ضمن مسابقة المهر العربي الوثائقي، وتأخذنا فيه إلى لقاء «افتراضي» مع الحبيب وعالمه الحالم، لتطرح من خلال ذلك إمكانية التملص من المكان.

الإحباط يملأ الفيلم حين تبرز حاجة الفلسطينيين إلى الحلم وإلى التشبث به في أرض مشتتة مُقطّعة الأوصال. الفيلم من إنتاج فلسطيني أردني ألماني وهو تحية للفنان حسن حوراني ولكتابه «حسن في كل مكان»، وهو كتاب يضم قصصاً ورسومات للأطفال، صدر قُبيل موته المأساوي غرقاً في بحر يافا العام 2003، ذلك البحر الذي كان ممنوعاً عليه.

العدد 4123 – السبت 21 ديسمبر 2013م الموافق 18 صفر 1435هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s