الخطاط ايفيريت باربي: تمتعني قراءة سير صحابة الرسول

العدلية – منصورة عبدالأمير 

fdd-m-1-2

لا يتجاوز عمره الخامسة والعشرين. لم يبدأ حياته المهنية كخطاط سوى بعد تخرجه من جامعة أدنبرة بسكوتلاندا في سبتمبر/ أيلول 2011. ايفيريت باربي المولود عام 1988 في مدينة ناشفيل بولاية تينسسي الأميركية، خريج جامعة أدنبرة السكوتلاندية، قسم التجارة الدولية (باللغة العربية) هو تماماً الفنان الذي تعرض مساحة الرواق للفنون مجموعة من مخطوطاته المميزة التي تتضمن نصوصاً قرآنية وقصائد ومقولات عربية شهيرة، عبر معرضه الذي تنظمه السفارة الأميركية تحت عنوان «الخلود المؤقت». وكان السفير الأميركي توماس كراجيسكي قد افتتح المعرض مساء يوم الإثنين الماضي الموافق 3 فبراير/ شباط 2014.

ليست روعة المخطوطات الثلاثين التي شملها المعرض، هي ما سيشد الانتباه في معرض باربي المستمر حتى 27 فبراير الجاري، لكنها التصاميم والأشكال التي يركبها ايفيريت بشكل تجريدي معتمداً مختلف الخطوط العربية التي تعلمها على مدى بضع سنوات، الرقعة، والديواني، وبشكل أكبر الديواني الجلي.

حول بداياته، قصته مع الحرف العربي، تحدث ايفيريت لـ «فضاءات الوسط».

سألته أولاً عن حكاية الشغف التي تجمعه مع الخط العربي، كيف وصل إليه ومتى بدأت حكايتهما، رغم سنوات عمره القليلة التي بدت جلية حال لقائي به.

«كنت أدرس في جامعة أدنبرة وقد سافرت إلى سورية لقضاء فصل دراسي واحد في دمشق. هناك أدهشني جمال الخط العربي، قررت تعلمه، وتدربت على يد خطاط سوري لأربعة شهور. حين عدت إلى اسكتلندا، واصلت تدريباتي ومع الوقت بدأت ملامح خطي تتضح وبدأت أتعلم تقنيات جديدة وبدأت في أن أكون لي اسم كخطاط».

بدأ ايفريت تعلم الكتابة بخط الرقعة والديواني والديواني الجلي، على يد مدرب سوري يدعى عدنان فريد. بعد تخرجه انتقل ليعيش في بيروت، وهناك واصل تطوير لغته العربية ومهارته في كتابة الخط العربي.

يقول «أخذت دروساً أخرى مع خطاطين في الجزائر ولبنان. في الواقع كنت أتدرب حيثما وجدت معلماً وكلما سنحت لي فرصة للتعلم. بل إنني قمت باستعارة بعض أفضل مخطوطات خط المشق في العالم وهو أقدم الخطوط العربية التي يتم تدريب الخطاطين عليها. تعلمت هذا النوع من الخط اعتماداً على تلك المخطوطات والتزمت كثيراً بكل ما وجدته فيها».

جمال الحرف العربي وخطوطه هو ما شد انتباه ايفيريت أولاً، ودراسته للغة العربية شجعته لينخرط في هذا المجال، يقول «جذبتني اللغة والجمال الآخاذ للخط العربي وهو في رأيي الخط الأكثر إبداعاً وجمالاً من بين كل نظم الكتابة التي وضعها البشر».

يعتمد ايفيريت أساساً خط الديواني الجلي في أعماله، ويوضح «أحب هذا الخط الذي يتضمن الكثير من الزخارف، كما إنني أجده أسهل في أن يقدم بشكل جميل بسبب العلامات الإضافية المصاحبة له والتي تجعله أكثر جمالاً عدا عن أن إخفاء الأخطاء مع هذا الخط أسهل بفضل زخارفه».

ويضيف «أغير في الخط قليلاً ليتناسب مع النصوص التي استخدمها. أحاول دائماً تقديم صور جديدة مع الالتزام بقواعد الخط بأكبر صورة ممكنة. بالطبع لا يمكن دائماً تقديم نص مطابق إذا كنت تحاول تشكيل صورة من النص».

يستخدم ايفيريت نصوصاً قرآنية وقصائد عربية ويؤكد «نصف الأعمال التي أقدمها تضم آيات قرآنية فيما يضم النصف الآخر قصائد للمتنبي ومحمود درويش. أستخدم أحياناً قصائد لشعراء أميركان أو من اسكتلندا وبعض عبارات الأفلام أو مقتبسات من أقوال بعض القادة السياسيين الأميركيين مثلاً».

يعتمد ايفيريت ترجمات عربية للقصائد والمقولات الأجنبية يترجمها متخصصون في المجال كما في حال القصائد الأسكوتلاندية التي يشير إلى أنه اعتمد ترجمة لها قدمها عدد من الشعراء السوريين واللبنانيين ممن شاركوا في مهرجان للشعر أقيم في أدنبرة أيام دراسته الجامعية.

أبرز ثيمات أعماله تلك التي تؤكد «التقارب بين ثقافات الشعوب وحب السلام والحرية» وبحسب ما يقول «هذه ثيمات رئيسية في أعمالي. أحب دائماً أن أقارب ما قد يبدو متناقضاً في ظاهره من ثيمات لكنه في الواقع يؤكد بعضه بعضاً مثل مفهوم البيعة في الثقافة العربية ورفرفة العلم الأميركي».

fdd-m-1-3

سألته إن كان يختار أي ثيمات من القرآن، فأجاب مؤكداً «أريد الاحتفاء بالشرق الأوسط في أعمالي بدلاً من أن أقبل بالصورة التي تروّج لها وسائل الإعلام. أعرف أنها صورة غير صحيحة وبعيدة تماماً عن الواقع فأنا أعيش في هذه المنطقة منذ عدة سنوات».

ويستدرك «بالطبع لن أقوم برسم شخص أو حيوان باستخدام الآيات القرآنية. سيكون هذا عدائيّاً ولا يتناسب مع ثيمات أعمالي». كل لوحة لدى ايفيريت تقدم سورة قرآنية متكاملة، يشكلها بأسلوب تجريدي.

شغف ايفيريت لا يقتصر على اللغة العربية وحسب، يبدو وكأنه يحمل تقديراً خاصّاً ومعرفة لا بأس بها لثقافة المنطقة وللدين الإسلامي المشكّل الأول لهذه الثقافة. سألته فوافقني قائلاً: «في فصول اللغة العربية أيام الجامعة درست الأدب العربي. أما معرفتي بالإسلام فحصلت عليها عبر حضوري محاضرات دينية كثيرة، وكذلك عبر قراءتي للقرآن ولتاريخ الإسلام الذي أستمتع به كثيراً وخصوصاً ذلك المتعلق بتاريخ صحابة الرسول».

«أدهشني عدم تناقض الإسلام والتاريخ، على عكس المسيحية، لذلك لا نأخذ نصوصنا المسيحية بشكل جاد، فالدلائل التاريخية تتناقض معها. أما كلمات القرآن، فالتاريخ يؤكدها دائماً. هذا أمر شجعني كثيراً على دراسة الإسلام الذي أُسيء فهمه بشكل كبير في الغرب وفي أميركا. وكلما درست هذا الدين أحببت فلسفة المسلمين، وعرفت أن الصورة المقدمة في الإعلام الغربي غير صحيحة. أحداث 11 سبتمبر/ أيلول لا علاقة لها بالإسلام فهناك معتوهون في كل دين، ولذلك أحاول عبر أعمالي أن أسرد القصة الحقيقية للإسلام».

يعيش أيفيريت في لبنان منذ العام 2009، ويقول إن ذلك أفاده كثيراً إذ «يسهل إلتقاءي بخطاطين آخرين سواء في لبنان أو خارجها، وحضوري لمهرجان الخط العربي في الجزائر أو إقامتي لمعرض في البحرين مثلا».

ويضيف «أضفى ذلك على أعمالي مصداقية وشرعية أكبر، فأن تكون خطاطاً في أميركا ويعتقد الأميركيون أن خطك جميل يختلف عن أن أثبت قدراتي هنا».

شارك ايفيريت في المهرجان الدولي للخط العربي في الجزائر إلى جانب أفضل الخطاطين من جميع أنحاء العالم، استفاد كثيراً من تلك التجربة إذ «حصلت على توجيهات وملاحظات كثيرة من أبرز الخطاطين وهو ما أحتاج إليه كثيراً، فأنا لا أزال غير محترف، ولا أدعي أنني أصبحت خبيراً فقد بدأت منذ عامين أو ثلاثة ومعظم الخطاطين يقضون عمرهم في كتابة الخط وتعلمه».

لكنه يضيف «يمكنني القول إن الخطاطين أعجبوا بأعمالي قياساً بالفترة القصيرة التي تعلمت فيها كما أعجبوا بالطريقة التي أشكل بها صوراً من النصوص. أعتقد أنني أقدم إضافة جديدة في هذا المجال».

يسعى ايفيريت حاليّاً للحصول على إجازة تمكنه من تعليم الخط الديواني الجلي. يحتاج إلى أن يثبت مهارته كخطاط بتقديم كراسة خالية من الأخطاء تماماً بخط المشق، ويوضح «هناك إجازة مختلفة لكل نوع من أنواع الخط، وأنا أسعى إلى الحصول على إجازة لتعليم خط الديواني الجلي نظراً إلى معرفتي بأصول هذا الخط» .

ويواصل «عليَّ أن أختار معلماً في اسطنبول وأن يختارني هو أولاً. أفادني حضور المهرجان الجزائري كثيراً إذ إنني حصلت على تزكية من بعض الخطاطين البارزين المشاركين. وعليَّ أن أحضر بعض الدروس مع معلمي، ومن ثم عليّ أن أقدم كتاباً كاملاً خالياً من الأخطاء».

يستمر معرض ايفيريت بساحة الرواق حتى 27 فبراير 2014 ، ليقيم بعده معرضاً شخصيّاً آخر له في جدة في شهر مارس المقبل.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s