عمرو سلامة للطائفيين: «لا مؤاخذة» دعوة للتعايش

الوسط – منصورة عبدالأمير

fdd-3

لا يتكرر نموذج عمرو سلامة كثيرا في السينما المصرية، على الأقل ليست السينما المعاصرة، وبالتحديد ليس بين أبناء جيله من السينمائيين. فسلامة يطرح صورة مختلفة للمخرج المصري «الشاب» ويقدم سينما راقية جادة تناقش قضايا مجتمعها برزانة واعتدال، بلا مبالغة أو تكلف، ودون لجوء «رخيص» إلى مشاهد من نوع خاص فقط من أجل رفع إيرادات شباك التذاكر ولجذب الجمهور الذي يتهم دائماً بأنه «عاوز كده» في حين إنه «ضحية»، إن لم يكن في التسمية مبالغة، لمنتجين وأصحاب أموال «عاوزين كده».

سلامة الذي لم تتجاوز قائمة أعماله بضع إعلانات وأفلام قصيرة وثلاثة أفلام روائية طويلة، هو مخرج قد يجده البعض جريئاً وربما حُمِّلت أفلامه نوايا سيئة ممن لا يدرك مراميها أو لا يفهم مخرجها وهو كاتبها في أغلب الأحوال، أو ممن لا يعي الدور الحقيقي للسينما في المجتمع إن كان لها أي دور ورسالة.

سلامة يتحفنا في كل مرة بفيلم أكثر تميزاً من سابقه، آخر أفلامه الذي لا يزال يعرض في سينما السيف والسيتي هو فيلم «لا مؤاخذة»، الدرامي الكوميدي، الذي يتناول فيه بشيء من الكوميديا السوداء واقع الاستقطاب الديني في مصر.

الجميل في فيلم سلامة أنه يمكن أن ينطبق على كل الدول العربية، بكل أسف، وهي التي تُوَاجه اليوم مختلف أنواع التجاذبات والاستقطابات، الدينية أو المذهبية ولربما العرقية أو الإثنية.

في الفيلم يضحك سلامة من هذا الاستقطاب الديني في بلاده التي لا يمكن لأهلها أنفسهم تمييز بعضهم الآخر وإيجاد الفروق الدينية بينهم. يقدم ذلك من خلال قصة طفل مسيحي يدعى هاني عبدالله بيتر (يقوم بدوره الطفل أحمد داش). حتى الاسم نفسه يبدو ساخراً من محاولة تفريق الشارع المصري إلى مسلم ومسيحي، ولن نتحدث عن مستوى السخف الذي بلغه هذا الشارع الآن حين فرق نفسه إلى إخواني ولا أخواني.

يتوفى والد هاني الذي يقوم بدوره الفنان هاني عادل، لتكتشف والدته (تقوم بدورها كندة علوش) أنه ترك لها إرثاً من الديون والمشاكل، وأنها مضطرة للاستغناء عن المدرسة الأجنبية الخاصة التي تكلفها مبلغاً كبيراً، ونقل هاني إلى مدرسة حكومية.

في المدرسة الحكومية يواجه هاني واقعاً آخر ويعيش عالماً لا يمت لعالمه السابق بصلة، يبدأ أولاً في التنكر لهويته الدينية حين يكتشف مقدار ما قد يتعرض له من اضطهاد ديني من قبل زملائه وأساتذته إن تم اكتشاف كونه مسيحياً. يدّعي هاني أنه مسلم، لكن الحقيقة سرعان ما تكتشف فيتعقد الأمر.

لا تهم الاتهامات التي وجهت لفيلم سلامة من أنه يحرّض على فتنة طائفية أو يسخر من ديانه ما أو طبقة اجتماعية محددة. في الواقع يفعل سلامة ما لا تستوعبه كثير من العقول في عالمنا العربي عموماً وفي بلاده بشكل خاص.

في فيلمه الذي يمكن تصنيفه بالكوميديا السوداء، يضحك ساخراً ملء شدقيه من أولئك الذين يجدون في شق العصا والاختلاف وإظهاره حياة لهم. يسخر سلامة من سطحية وغباء كل المتخندقين باسم الدين أو المذهب أو العرق أو الطائفة أو القبيلة أو الإثنية أو ما شئت من تصنيفات وتقسيمات مجتمعية لا قيمة لها.

لا يكترث لاتهاماتهم ويؤكد مراراً أن فيلمه «يمثل دعوة للتعايش بين الجميع»، وأنه لا يقدم حلولاً للفتنة الطائفية التي تعاني منها معظم الدول العربية فهو صانع سينما يقدم المشكلة فقط، بينما الحل «مسئولية الجميع بدءاً من المجتمع مروراً بالسياسة وانتهاءً عند الخطاب الديني وأشياء أخرى كثيرة».

فيلم «لا مؤاخذة» ينتقد كل سلوكيات المجتمع وثقافته التي تفرض هذا التجاذب بين أبنائه، مصنفة إياهم بحسب الدين أو المذهب، ينتقد أنظمة التعليم، والثقافة التربوية، وثقافة الشارع. يضع الحل في أيدي أبناء المجتمع، ينقل لهم رسالة أنهم هم من بيدهم إصلاح مجتمعاتهم والارتقاء فوق كل الترهات.

تصدّر الفيلم إيرادات السينما في أسبوع عرضه الأول في مصر، بلغت إيراداته حتى اليوم ما يفوق 25 مليون جنيه مصري. أنتجته فيلم كلينيك، ووضع موسيقاه هاني عادل، فيما وزعته شركة الماسة للإنتاج الفني والمجموعة الفنية المتحدة. شارك فيه كل من بيومي فؤاد، ولجينه محمد سمير، ومعاذ نبيل، كما شارك الفنانان هند صبري وآسر ياسين كضيفي شرف في الفيلم.

سلّطت الأضواء على المخرج عمرو سلامة مع مطلع العام 2011، حين عرض فيلمه «أسماء»، الذي بني على قصة حقيقية حول امرأة مصرية حاملة لفيروس الإيدز، حيث انتقد سلامة تعامل المجتمع «اللاإنساني» مع المرأة.

كان ذلك هو ثاني أفلام سلامة، لكنه كان الفيلم الأول الذي يمكن وصفه بالجريء، النقاد أعجبوا كثيرا بـ «أسماء»، واعتبروه تأكيداً لمكانة سلامة كأحد أهم المخرجين الشباب. مجلة فارايتي العالمية وصفته بأنه «فيلم من السهل أن يعجب به الجماهير أكثر من كونه فيلماً فنياً للمهرجانات فقط»، أما موقع سكرين دايلي انترناشيونال، فأكد أن الفيلم «أوصل رسالته بكل قوة وكل وضوح».

«أسماء» يعد الفيلم الأول الذي يختار فيه سلامة قضية جريئة وشائكة موضوعاً لفيلمه، تبعه بعد ذلك بـ «لا مؤاخذة»، وهو يؤكد أنه لا يتعمد الأمر وهو صدفة بحتة ليس أكثر. حصل الفيلم على أكثر من 18 جائزة عالمية وعربية أهمها جائزة أفضل مخرج عربي في مسابقة آفاق جديدة في مهرجان أبوظبي السينمائي، حيث كان عرضه العالمي الأول، أما عرضه الأوروبي الأول فكان في مهرجان لندن السينمائى الدولي.

قدم سلامة في العام 2011 فيلماً آخر من إخراجه هو جزء من الفيلم الوثائقي «التحرير 2011» الطيب والشرس والسياسي». وقدم سلامه الجزء «السياسي» وتناول فيه قصة الرئيس السابق حسني مبارك وتحوله لديكتاتور ثار عليه شعبه بشكل ساخر كوميدي مطعم بمعلومات حصرية عن الساعات الأخيرة في حكمه.

ويعد فيلم «التحرير 2011» أول فيلم تسجيلي يطرح تجارياً في دور العرض المصرية. تم عرضه للمرة الأولى في مهرجان فينيسيا الدولي وحصل على جائزة (اليونيسكو) كما شارك في مهرجانات عديدة مثل مهرجان تورونتو وأبوظبي وحاز على جائزة أفضل إنتاج عربي لفيلم تسجيلي وأفضل فيلم تسجيلي في مهرجان أوسلو الدولي.

أول فيلم روائي طويل قدمه كان فيلم «زي النهاردة» 2008 وشارك في مهرجان الشرق الأوسط للسينما ورشح لجائزة أحسن فيلم واشترك في العديد من المهرجانات الدولية الأخرى، وكان من تأليفه ومونتاجه أيضاً.

احتفي بالفيلم جماهيرياً ونقدياً وبسببه لقبه معظم النقاد السينمائيين كأحسن مخرج جديد في 2008 وكرّمه مهرجان الإسكندرية الدولي ولقبه «نجم المستقبل».

اعتبره النقاد «تجربة راقية»، وبأنه «يجبرك أن تحبه من الوهلة الأولى» يقدم «موضوعاً جاداً، عولج بذكاء من مخرجه، ويستحق أن يمثل كفيلم مصري في المهرجانات العالمية».

وجدوا في مخرجه «شاباً له رؤية واضحة وفكر عميق يقدم أفكاراً فلسفية جديدة»، وبأن فيلمه «شهادة ميلاد فنية» له، إذ أنه «نجح في جذب أنظارنا لإسلوب إخراجه وكتابته ومونتاجه، وذكرنا للزمن عندما كان الفيلم ينسب لمخرجه»، والذي «نجح في خلق سمعة محترمة لجيله، ولحرفة الإخراج ككل».

في بداياته قدم عدداً من الأفلام القصيرة وفيلماً وثائقياً عن الإيدز بالإضافة لعدة إعلانات وأغاني مصورة.

هو مدون وكاتب نشط وكتابه الأول «شاب كشك في رحلة البحث عن الجادون»، والثاني «رسائل ترد للمرسل، أشباه قصص قصيرة»، طرحا في المكتبات واعتليا قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في العديد من المكتبات.

العدد 4270 – السبت 17 مايو 2014م الموافق 18 رجب 1435هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s