في أول كتبها «لا ترفع وشاح ألواني… هناك ينام وطن»… الفنانة فريال الأعظمي تمزج رائحة النخل العراقي بعطر ياسمين دمشق

الوسط – منصورة عبدالأمير 

fdd-4

«وكلما ضاق بصدري الحنين، رحت أقلب أوراق ذاكرتي وفي كل ورقة أرفع عنها وشاح السنين، أجدك يا وطني على عتبات السطور تغفو، يغطيك شال أخضر وكأنك وجه النخيل تتوسد سعف طفولتي. كأنك يا وطني تمتزج في دمي وأنك الحب الذي يصادر العواطف ويسلبها إرادة النسيان».

هكذا تفتتح الفنانة التشكيلية العراقية فريال الأعظمي كتابها «لا ترفع وشاح ألواني… هناك ينام وطن» الصادر أخيراً عن مطبعة دار الاتحاد، في 133 صفحة من القطع الكبير بطباعة ترقى لمستوى ما يتضمنه من محتوى.

يضم الكتاب عدداً من اللوحات التشكيلية التي قدمتها الأعظمي في اثنين من معارضها هما معرض العام 2009 «عند ما تتحول الكلمة إلى عبق من نور» الذي نظمته وزارة الثقافة ومعرض «درويش كيف أتلو عنك… وأنت بمحراب الشعر إمام» الذي نظمته وزارة الثقافة أيضاً في عمارة بن مطر العام 2013.

يوثق الكتاب لوحات الأعظمي بعدسة المصور علي الرفاعي وبتصميم جميل من بدر كمال مصحوبة بكلمات الشاعر السوري لؤي طه.

فكرة الكتاب بدرت لدى الأعظمي بعد لقائها بشاعر سوري مقيم في المملكة العربية السعودية وهو الشاعر لؤي طه. التقيا على موقع «الفيسبوك». كتابات لؤي النثرية والشعرية التي ملأت صفحته، لفتت انتباه الأعظمي للموهبة «الجيدة» التي يمتلكها وذلك كما أشارت خلال حديثها لفضاءات «الوسط». تقول «حين قرأت كلماته جاءتني فكرة تدوين أعمالي في كتاب كأرشيف يحمل تاريخي. هذه الكلمات التي ترثي الوطن، وحين يكون الكلام عن الوطن تدق أجراس الصمت رهبة أمام هذا النداء العظيم».

وتضيف «من الجميل أن يسعى الإنسان لتدوين وجوده على سطور الزمن. أردت أن أكتب حضوري على هذه الأرض على شكل لوحة».

تصف الأعظمي لقاءها بلؤي بكلمات تشبه جمال اللوحات التي يعرضها الكتاب، تقول «كان يجلس على رصيف الغربة يستمع لصوت حنيني. مثلي، كان يحمل حقيبة سفر مملوءة بالحنين والبكاء ويحمل صورة امرأة تلف رأسها بشال أبيض. سألته من تلك التي تحتضن وجهها بهذا الشغف. بكى كالطفل وقال هي «أمي» سيدتي».

لؤي طه وصف لقاءهما ذاك بإحساس مشابه، إذ قال «في مقهى على رصيف الغربة، كنا نجلس في ضيافة الحنين. وفي مساء الولع المبلل بالشجن إلى وطن تتساقط حيطانه وألسنة الموت تأكل أرواح الأحبة. كنا غرباء نتناثر على مقاعد اللهفة نرتشف من وجوه بعضنا ملامح الأمل، وعلى خشب الطاولة المهترئ، مثلما اهترأت ثياب قلوبنا كنا نعبد شوارع العودة. تود لو استطعت البكاء لا لأنك في بيت الغربة حزين فقط لتغسل وجع الحنين إلى وطنك بالبكاء».

سألتها عمن يكون هذا الشاعر السوري، فردت «هو المغترب عن وطن تأكله النار. من دمشق الياسمين، وأنا المغتربة عن عراق ما انطفأت النار عن نخيله منذ آلاف السنين».

وسألته عنها فقال «بملامح سمراء لم تغير الغربة من نكهة لكنتها العراقية، كانت تحمل علبة ألوانها ولوحة بجسد أبيض لم تمش عليه خطى الريشة».

الأعظمي التي «تنزف حنيناً إلى وطنها»، والتي «تجلد الغربة عاطفتها وحنينها» و»تتنفس من جذور شوقها وتلبس اسم وطنها وشاحاً» وجدت في كلمات لؤي على صفحته في الفيسبوك ما يترجم تلك المشاعر ويتناغم معها ويوجد أرضية مشتركة تجمعهما ومساحة فنية يتقاسماها، هي بألوانها وحروفها وتشكيلاتها، وهو بكلماته وإحساسه المتدفق منها. سألتها فأضافت مؤكدة «حين يكون الوطن قاسماً مشتركاً ما بين المغتربين يتلاقى به اللون مع الحرف ليكون لوحة وقصيدة».

وقال هو «هو الوطن من جعلنا نلتقي، فكان العمل المشترك في كتاب يضم أروع ما أبدعت من لوحات وحروف مني تغفو قريبة من ألوانها (…) اقتربت منها وتلوت لها حروف الحنين فاستفزها الحرف. نثرت ألوانها ونثرت بالقرب منها حروفي وامتزج عطر الياسمين مني برائحة النخيل».

تقول فريال: «اقترحت عليه أن ننظم الكتاب، أرسلت له صور معرضيّ الأخيرين، ألهمته الكثير، فبدأ في إرسال كلماته إليّ. اخترت ما يناسب لوحاتي منها، وجاء كتاب (لا ترفع وشاح ألواني، هناك ينام وطن)».

جاء الكتاب بافتتاحية أوضحت الأعظمي عبرها تعلقها بالوطن، ذاك الذي بدا واضحاً في لوحاتها وأشعار درويش التي اختارتها لتشكل تلك اللوحات، وفي كلمات لؤي طه التي نسقاها سوياً وأبدعاها معاً، هي عبر لوحات ملهمة، وهو عبر إحساس غربة جذبه لتلك السيدة «السمراء التي لم تغير الغربة من لكنتها العراقية».

تكتب الأعظمي في تلك المقدمة «يصعب على الإنسان أن ينتزع الوطن وهو يسكن تحت مساماته ويتصدر مجال الحنين ويحتل ألوان اللوحات». أرادت فريال «أن يكون الوطن رفيقاً أوشريكاً في كل شيء، الحرف واللون والهدف».

هذا العراق الحاضر في كل معارضها، أسالها فتؤكد لي أن هذا العشق المحفور في قلبها لم يكن موجهاً للعراق أبداً، لكنه يتجاوز العراق ليشمل الوطن، والأعظمي كما تقول «وطني ليس العراق فقط، أنا عربية ولست عراقية فقط. تركت العراق وعمري 21 سنة، أعيش في البحرين منذ 23 عاماً سنة ولدي أصدقاء في كل مكان».

هكذا فإن الوطن الحاضر في لوحات الأعظمي هو كما كتبت «من حيث يشرب الطائر ماء النيل إلى حيث أغصان الزيتون بالقدس العتيق، إلى أن يلثم ثغر النخيل شطي دجلة والفرات، إلى قبة الأموي والحمائم ترفرف لدمشق الياسمين إلى أشجار الأرز لحظة الأصيل، وعلى الخليج كألوان الفراشات تحوم تخطف اللؤلؤ المنثور على خدود البحرين».

إلى جانب لوحات الأعظمي وكلمات طه، يضم الكتاب شهادات لكل من سفيرة مملكة البحرين في بريطانيا أليس سمعان، والصحافية الكاتبة بارعة علم الدين، وقراءة نقدية طويلة للفنان والناقد التشكيلي العراقي محسن الذهبي.

الكتاب الذي أهدته الأعظمي ولؤي «لتراب الوطن» صادر باللغتين الإنجليزية والعربية، وربما يؤخذ عليه اهتمامه باللغة الإنجليزية بشكل أكبر، عدا عن اكتفائه بكلمات وأبيات لؤي طه، وعدم تضمينه أيّاً من أشعار محمود درويش وهي التي قامت عليها لوحات الفنانة الأعظمي.

العدد 4284 – السبت 31 مايو 2014م الموافق 02 شعبان 1435هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s