فيلم «ماليفسنت» الشريرة: هل هي كذلك فعلاً

منصورة عبد الأمير

منذ بدايته، يبدو واضحاً أن فيلم Maleficent أو (الشريرة)، إن شئنا الترجمة العربية، ينتصر للمرأة وقضاياها، منذ المملكة الممتلئة سلاماً التي تحكمها جنية قوية تدعى ماليفسنت، حتى الغدر بها من قبل حبيبها «البشري» وصولاً للموقف الذي يقفه الفيلم من زوجة الأب الشريرة التي نعرفها جميعاً في فيلم بيضاء الثلج وانتهاءً بخاتمة الفيلم السعيدة … لكن بشكل مختلف.

الفيلم هو إعادة كتابة لقصة بيضاء الثلج، القصة الشهيرة التي تروي حكاية الأميرة الجميلة ناصعة البياض، التي يثير جمالها غيرة زوجة أبيها فتقرر التخلص منها بشتى الطرق وصولاً لتفاحة مسمومة تنحشر في حلقها، ولا ينقذها منها سوى قبلة حب حقيقية من أمير عابر لحيث تنام في سرير موتها.

هذه المرة تأتي الكاتبة ليندا وولفيرتون لتقدم لنا قراءة مختلفة لهذه القصة، تعيد ليندا سرد القصة لكن من زاوية مختلفة، تقرأ فيها الشخصيات بشكل مغاير، يجعل المتفرج يقف موقفاً مختلفا عن ذاك الذي حمله منذ أن سمع القصة القديمة، موقف أكثر تفهما ربما. ليندا، المعروفة بتوجهاتها النسوية، تنتصر لبطلتها الشريرة «ماليفسنت»، تكسر الشخصيات جميعها وتحللها، تقول لنا أن هناك ما دفع ماليفسنت لأن تفعل ما فعلته بالأميرة. تقول أن العلاقة بين المرأتين لم تكن بالسوء الذي عرفناه من القصة القديمة. لم تكن هناك غيرة من ماليفسنت تجاه الفتاة الصغيرة. الملك لم يكن طيباً وأميناً كما تصفه القصة. تكسر ليندا كل الأنماط بتحليلها للشخصيات ذاك. الملوك ليسوا دائماً أخيار، والأميرات الصغيرات لسن ضحيات عاجزات، والملكات الشريرات لسن كذلك في الواقع. شكراً ليندا لهذا الموقف النسائي الذي ينصف الجميع، والذي يبدو أكثر نقلاً للواقع من ذلك الموقف الذي سرد القصة الأصلية.

في هذه النسخة من القصة التي تروى على لسان امرأة، نلتقي أولاً بماليفسنت، من يفترض أن تكون زوجة الأب الشريرة، لكنها هنا لم تكن زوجة أب. هي في الواقع ملكة قوية من ملوك الجان، تحكم غابة ينتشر فيها الحب والسلام، تجاور مملكة يعيش فيها البشر. نلتقيها أولاً في طفولتها ومن ثم صباها. نراها تحلق عالياً فوق غابتها السعيدة بجناحين قويين، نعرف لاحقاً أنهما سر قوتها. تقع في حب صبي من البشر هو ستيفن، هو الملك المستقبلي والد بيضاء الثلج، الذي يبدو وكأن حبه لها لا يصمد طويلاً أمام طموحه للسلطة والوصول إلى العرش. ينشغل عنها أولاً بكل ما في حياته، لكنها حين تتغلب على ملك بلاده وتهزمه في معركة دارت حين حاول الأخير غزو غابتها المسالمة، يتبرع ستيفن لقتلها طمعاً في مكافأة عرضها الملك لمن ينجح في تلك المهمة تتضمن الزواج من ابنته الوحيدة وتسلم العرش بعد وفاة الملك. يسارع ستيفن للقاء ماليفسنت بعد غياب طويل، يوهمها أنه جاء محذراً من بطش الملك، لكنه، في لحظة توهمتها ماليفسنت لحظة حب، يخدرها، ويحاول قتلها. حين لا يقوى على ذلك، ربما بما تبقى من عاطفة قديمة، يقطع جناحيها، ويقدمهما هدية للملك كإثبات على قتله لماليفسنت. جناحا ماليفسنت هما سر قوتها، دونهما لا تستطيع أن تفعل الكثير. يمكن أن تكون تلك إشارة واضحة للاغتصاب. هذه أولى القضايا النسائية التي تطرحها ليندا.

ستيفن إذن لم يكن الملك الصالح، لكنه ملك وصل إلى العرش على عذاب امرأة لم يكن ذنبها سوى أن أحبته بصدق. ستيفن كذب على ماليفسنت أولاً ثم على الملك الذي سلمه ابنته وعرشه. وماليفسنت ليست زوجة الأب المغرورة، لكنها حبيية الأب المغدور بها. لم تكن شريرة إذن في بداياتها. لكنه اكتشاف الخيانة، ومرارتها، هو ما دفعها للانتقام لاحقاً.

حتى اللعنة التي صبتها على الأميرة الصغيرة، جاءت في لحظة ألم وإحساس بجرح عميق لا تزال آثاره ظاهرة على جسد ماليفسنت. وليس أدل على ذلك من أن القبلة الحقيقية التي أيقظت الأميرة من سباتها طبعتها ماليفسنت على جبين الفتاة. كان حباً أمومياً إذن ذلك الذي سيفك اللعنة، وماليفسنت ليست الشريرة المليئة حقداً بل امرأة مجروحة وأماً حنون.

الفيلم يقلب الكثير من الموازين «النمطية» ويعيد قراءة أحداث القصة بشكل مغاير، عصري وأكثر إيماناً بحقوق ماليفسنت، المرأة، قبل كل شيء آخر.

أفضل ما في الفيلم، ولربما سر قوته، هو اختيار أنجلينا جولي للقيام بدور ماليفسنت الشريرة، أداؤها الرائع، والتشابه الغريب بين حياتها والدور الذي تقوم به ساهما في جعلها أكثر إقناعاً للمشاهد. أنجلينا خاضت معركة شرسة مع سرطان الثدي، جاءت وهي المعروفة بأدوار Femme Fatale أو الأنثى القوية شديدة الجاذبية، واعترفت على الملأ باستئصال جزء كبير من جسدها. لم تكترث كثيراً لما قد يسببه ذلك من ضرر على البروفايل الأنثوي الجذاب الذي رسمته هوليوود لها. في لحظة تجردت أنجلينا من كل شيء وتحولت لإنسانة عادية وامرأة ككل النساء اللاتي يخضن هذه التجربة القاسية.

أنجلينا القوية في واقعها، كانت قوية في الفيلم، واجهت قطع جناحيها كما واجهت السرطان في حياتها. انتصرت على الاثنين، عادت جميلة قوية رشيقة بعد سرطان الثدي، وأصبحت ملكةً وأماً حنوناً جاء فك اللعنة على يديها بعد قطع جناحيها.

العدد 4375 – السبت 30 أغسطس 2014م الموافق 05 ذي القعدة 1435هـ

رغم الفتاوى وإيقاف عرض «الـ99».. دعوى قضائية ضد المؤلف و«داعش» تدعو لقتله

الوسط – منصورة عبدالأمير 

fdd-7

لا تزال وتيرة التفاعل مع قضية المسلسل الكرتوني «الـ99» (The99) تتصاعد بعد إعلان مؤلف العمل نايف المطوع، أستاذ علم النفس السريري، بدايات شهر يوليو/ تموز 2014، أنه بصدد اتخاذ كافة الإجراءات القانونية ضد من يقف خلف حسابات تويتر التي أهدرت دمه ورمته بالكفر، مشيراً في تصريحات له عممتها وكالة الأنباء الكويتية في 1 يوليو 2014، إلى أنه يأخذ تلك التهديدات على محمل الجد.

وكانت بعض الحسابات التابعة لتنظيمي القاعدة و«داعش»، قد أطلقت حملة تغريدات نهايات شهر يونيو/ حزيران 2014 تدعو لإهدار دم المطوّع وقتله. جاء في إحدى تغريدات حساب «قاعدة الجهاد»، «اقتلوا نايف المطوّع، دمه هدر فمن وجده فليقتله وطوبى لمن قتله»، وفي تغريدة أخرى ««أقولها بصراحة لا خير فينا إن بقي حياً أكثر من ثلاثة أيام»، فيما قال حساب «داعش»، «من لقتل نايف المطوّع يستهزئ بأسماء الله».

تهديدات القتل استحقها المطوع، بحسب أصحاب الحسابات، بسبب تأليفه سلسلة «الـ99» وهي سلسلة قصص مصورة نشرها المطوع أولاً على هيئة قصص كوميكس في مايو/آيار 2006 عبر شركة تشكيل كوميكس ثم تحولت لمسلسل كرتوني تلفزيوني في مارس/ آذار 2009 ترجم إلى العديد من اللغات وعرض على قناة «إم بي سي 3».

لم يحدث الكثير بعد تصريحات المطوّع، سوى بيان نشره محاميه محمد دشتي في 6 أغسطس/ آب 2014، اعترض فيه على الفتوى الصادرة بحق العمل عن إدارة الإفتاء والبحوث في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية (في الكويت) بعدم جواز تداول المسلسل مشيراً إلى أنها جاءت بناءً على طلب فتوى مغالط للحقيقة وإلى أن المسلسل نال موافقات الجهات الرقابية في الكويت والسعودية قبل عرضه على القنوات الفضائية.

كما انتقد دشتي الشكوى المقدمة ضد المطوّع مؤكداً على أن استخدام وسائل القانون في أذية الناس وتحميلهم وزر الفهم القاصر للبعض، سينتج عنه تقديم دعاوى تعويض ضد من تعرض لشخص المطوّع بالتكفير وكل من قذفه بالزندقة سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل كما هو حال الشكوى المقدمة ضده.

تصور القصص موضع الجدل والإشكال، فريق من الأبطال الخارقين الذين يحملون أسماء مأخوذة من أسماء الله الحسنى البالغ عددها 99 اسماً، وتتطابق شخصيات الأبطال مع الأسماء التي يحملونها. يقومون بأعمال خارقة تشبه تماماً ما يقوم به أبطال مثل سبايدرمان من جهود تصب في إنقاذ العالم من كل الشرور.

يمتلك كل واحد من الأبطال حجراً من أحجار النور التسعة والتسعين التي تختزن بداخلها المعرفة التي احتوتها كتب بيت الحكمة، وهي التي فُقدت أثناء اجتياح المغول لمدينة بغداد، وكانت تحمل كلّ ما تبقى من حكمة ومعرفة الحضارة الإسلامية للدولة العباسية ببغداد (في إشارة إلى الفكرة الصوفية حول أحجار النور). يجد الأبطال الخارقون أنفسهم مسئولين عن إنقاذ العالم ومواجهة قوى الشر والظلام.

ومنذ البداية، حرص المطوع على أن يكون محتوى السلسلة مراعياً لحدود الشريعة، حتى إنه اضطر حذف أل التعريف من هذه الأسماء، للتذكير بأن شخصياته بشر، بل إنه لم يستخدم أسماء مثل الباقي والباري.

حصل المطوع على موافقة السلطات السعودية على العمل، ثم حصل على تمويل لمشروعه من بنك «يونيكورن»، وهو بنك سعودي إسلامي أخضع مشروعه لتمحيص دقيق. يقول معلقاً «كانت للبنك هيئة لامعة في الأمور الشرعية. وقد كان هذا بمنزلة الصك الشرعي الذي نبحث عنه».

امتثل مؤلف العمل لكل اشتراطات الجهات المسئولة في السعودية وفي البنك الإسلامي السعودي، حتى حصل على الموافقة. جاء مشروعه للنور بعد مشقة، عرضته «الإم بي سي» وروجت له على على موقعها الإلكتروني بأنه «تعاليم إسلامية سامية، وأخلاق حميدة، تدعوكم إلى التعرف عليها والتمتع بها من خلال متابعة حلقات مسلسل الرسوم المتحركة «الـ 99»، الذي يأتيكم عبر MBC3».

لكن المسلسل أوقف عرضه الآن، وعودة إلى آخر تطورات الدعوة لقتل مؤلف العمل، فقد اعتبر المطالبون بقتله المسلسل مسيئاً للإسلام ويستهزئ بأسماء الله الحسنى، صاحبه كافر ولذا وجب قتله!!

قبل الدعوة للقتل كانت حملة احتجاجات عنيفة قد انطلقت في ديسمبر/كانون الأول 2013 على يد بعض الدعاة في السعودية والكويت، عبر موقع التواصل «تويتر». الحملة استهدفت المسلسل بالدرجة الأولى ومن ثم قناة «الإم بي سي».

هؤلاء اعتبروا العمل يجسد أسماء الله الحسنى في صور آدمية، واعتبروا ذلك إساءة إلى الذات الإلهية واستهزاءً بأسماء الله الحسنى. طالب المغردون بمحاكمة المطوّع والقائمين على القناة، وأنكروا على أي مسلم المشاركة في هذه الأعمال، وأكدوا أن الهدف من هذه القصص هو «إسقاط هيبة الله عند الأطفال»، وحمّلوا مالكي القناة وزر ما يذاع على شاشاتها ووزر من شاهده وتأثر به.

استجابت الجهات المعنية للحملة، وهي اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وأصدرت فتوى بتحريم العمل ومنع عرضه معتبرة السلسلة نوعاً من التجديف والكفر ، وقعها مفتي عام المملكة الشيخ عبدالعزيز الشيخ وستة من أعضاء هيئة كبار العلماء أعضاء لجنة الإفتاء.

صدرت الفتوى في مارس 2014، في الوقت الذي كانت آخر حلقات المسلسل قد بثت منذ شهور. المطوع جاء رد فعله في صورة بيان أرسله للصحافة أعلن فيه أنه يتفق مع ما جاء في الفتوى، لكنه أوضح أن السؤال الذي طرح على المفتي صيغ بسلبيات وأخطاء ربما عن قصد وسوء نية وربما عن جهل، مؤكداً «أن عدوي وعدو مفتي المملكة واحد».

أبدى المطوّع استغرابه من الفتوى الصادرة وتساءل «لماذا هذه الفتوى بعد 6 سنوات من الانتشار الناجح في السوق السعودي مع الدعم الكامل والموافقات الضرورية من وزارة الإعلام السعودية، وبعد سنتين من بداية بث السلسلة على التلفزيون السعودي، وبشكل مثير للحيرة بعد أشهر من بث آخر حلقة في السلسلة حالياً. لماذا قضى المفتي بفتواه في حق مسلسل لم يعد يبث منذ أشهر؟».

نفى المطوّع ما نسب لعمله ودعا المشككين فيه لمشاهدة السلسلة أو قراءة القصة المصورة لاكتشاف الأمر بأنفسهم وقال: «هناك زعم بأني ابتكرت 99 شخصية لكل منها صفة واحدة من صفات الله الحسنى لدرجة أنها ستندمج لتصبح إلهاً آخر، وهذا من شأنه أن يوقع الأطفال في حيرة ويبعدهم عن وحدانية الله. حسناً، إن كنت قد قمت بذلك، فإن ذلك يعتبر في الواقع كفراً. والحقيقة هي أن قصة الـ99 المصورة تتضمن أقل من 40 بطلاً في الوقت الحالي، وخلال أول مقابلة أجريتها حول الـ99 مع جريدة نيويورك تايمز الأميركية سنة 2006، ذكرت بشكل محدد أنه من المستبعد أن نقترب من ابتكار 99 من الأبطال الخارقين، وخاصة أن بعض صفات الله الحسنى غير قابلة للتمثيل في أي شكل إنساني. بعض الصفات الأخرى، تحمل طابعاً إنسانياً، لكن ليس في شكلها المطلق (مثل الكرم والقوة). وبعض هذه الصفات تحمل طابعاً إنسانياً، لكن غارق في التجريد».

وقال أخيراً: «إنه لمن المؤسف بعد سنوات من العمل الشاق، أن يحكم على الـ99 كتجريد وكفكرة أكثر منها كعمل له تأثير عالمي».

في المقابل طرح المطوّع عبر بيانه تساؤلات عدة طالباً فتوى من هيئة العلماء ودار الإفتاء السعودية، منها «ما حكمكم في مفهوم أدى إلى خلق نماذج اقتداء إيجابية مستوحاة من الثقافة الإسلامية وموجهة للأطفال حول العالم؟ ما حكمكم في مفهوم يعتمد على قيم إنسانية لأقل من 40 من أسماء الله الحسنى الـ99 مثل الكرم والرحمة والصفات الأخرى التي يمكن للإنسان اكتسابها بدرجات أقل، ويمكن للمواطنين الصالحين عبر العالم أن يطمحوا إليها؟ ما حكمكم على سلسلة مستوحاة من الثقافة الإسلامية تحظى بإقبال واسع من طرف ملايين الأطفال في العالم من الصين إلى الولايات المتحدة الأميركية؟ ما حكمكم على سلسلة ألهمت الكثير من الشركات الإعلامية الرئيسية إطلاق أبطالها الخارقين المسلمين، بدل الأشرار المسلمين الذين كانوا سائدين قبل الـ99؟ ما حكمكم على سلسلة ساعدت في تغيير الطريقة التي يتم بها تناول الإسلام في الإعلام الدولي من خلال التركيز على جوانبه الإيجابية والمتسامحة، مما يجعل الكثير من الناس أكثر تقبلاً للإسلام؟».

لكن الأمر لم ينتهي مع إصدار الفتوى ولا مع بيان المطوّع، ففي شهر يونيو/ حزيران 2014، عاد باحث سعودي متخصص في شئون السنة النبوية هو خالد الشايع لإثارة القضية من جديد. أصدر الشايع الذي يشغل منصب الأمين العام المساعد للهيئة العالمية للتعريف بالرسول محمد (ص)، بياناً عنوانه «الانتصار لأسماء الله الحسنى ضد إلحاد مسلسل كرتوني في قناة إم بي سي»، وصف فيه العمل بأنه «نوع من الإلحاد»، وقال: إن الفتوى الصادرة بحق العمل هي «تأكيداً لبُطلانه وخطره على العقيدة الإسلامية» وعلى «أنه عملٌ باطلٌ يجب إنكاره والنهي عنه تعظيماً لأسماء الله وصفاته».

الشايع شكك في نوايا المؤلف والقناة التي تعرض عمله، وقال إن «التمادي بعرض المسلسل يعد جُرماً عظيماً»، ودعا إلى «أن تستجيب مجموعة mbc لفتوى اللجنة الدائمة للإفتاء وتوقف بث المسلسل فورًا، وأن تقدم الاعتذار الصريح عما تضمنه من إساءة للعقيدة الإسلامية وأذية للمسلمين في أشرف ما يملكون، وأن يوقف مسؤلو الثقافة والإعلام عرض المسلسل وما أشبه مما يناقض العقيدة ويهدم القيم، مع إجراء مراجعة شاملة لمنهجية قنوات «mbc» وما أشبهها، وهل هي محققة للمصالح العليا الوطنية والعربية والإسلامية، وإن أصرت القناة على غيها، فبأيديهم إغلاق مكاتب القناة، وتعطيل ترخيصها».

الشايع دعا رجال الأعمال والشركات المعلنة في مجموعة «mbc» للتوقف عن دعم القنوات، كما دعا المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، لوضع مبادرة لحماية عقيدة وثقافة المجتمعات الإسلامية «بكشفها لخطورة البرامج والمسلسلات الموجهة كالمسلسل المشار إليه»

العدد 4368 – السبت 23 أغسطس 2014م الموافق 27 شوال 1435هـ

الفنانة المكسيكية فريدا كالو: صاحبة «السيلفي» الأكثر بشاعة… هزمها الموت أم هزمته؟

الوسط – منصورة عبدالأمير 

fdd-8

للفنانة المكسيكية فريدا كالو ألق خاص. تثير إعجابك حيناً، واستغرابك الذي قد يصل حد الاستنكار حيناً آخر. ربما لما قدمته من عطاء فني مختلف عن سواه ومختلف عليه، في مقابل عمر قصير لم يتعدَّ 47 عاماً عاشته بكم هائل من الوجع والمعاناة. صادفت ذكرى وفاتها التاسعة والستون منتصف شهر يوليو/ تموز الماضي (توفيت العام 1945). وربما تمتلك فريدا الألق لأنها المتمردة على الدوام، المصرة على تحقيق الطموح مهما بدا ذلك مستحيلاً. ألهمت الكثيرين باختلاف مواقفهم من الحياة. أكثر ما تشتهر به من أعمال هو تلك البورتريهات الشخصية التي جسدت من خلالها معاناتها الشخصية. رسمت فيها نفسها فيما كانت مستلقية في سريرها والجبس يغطي كامل جسدها وذلك بعد تعرضها لحادث سير. تشبه تلك البورتريهات ما يطلق عليه «السيلفي» اليوم. لكن سيلفي فريدا مختلف تماماً.

لم تُعرف فريدا بشكل واسع أثناء حياتها، وعلى رغم اقتناء متحف اللوفر لإحدى لوحاتها العام 1939 (The Frame) وهي أول فنانة مكسيكية من فناني القرن العشرين يتم اقتناء لوحاتها من قبل متحف عالمي شهير بحجم اللوفر. في المكسيك لم تعرف إلا بزوجة دييغو ريفيرا، الفنان الذي ساهمت أعماله في تأسيس حركة الجداريات المكسيكية. لم يتم الاحتفاء بها في بلادها إلا بعد وفاتها بعقود. أول معرض شخصي أقيم لها في الاحتفالية المئة لميلادها.

لكن الوضع اختلف بعد ذلك، أعمالها أصبحت أفضل أعمال احتفت بالتراث المكسيكي الوطني الأصيل. ليس الفنانون وحسب من يحتفون بها، لكن المجموعات النسوية تجدها خير نموذج للمرأة التي تحدت كل المنوعات وتمردت على كل القوانين.

لأكثر من سبب بدت أهمية كالو أكبر بعد وفاتها، لكن لعل أهمها تبني السينما قصتها والترويج لها عبر أفلام عدة كان أهمها فيلم Frida الذي أخرجته دولي تيمور العام 2002 وروج له اختيار ممثلة شهيرة هي سلمي حايك للقيام بدور فريدا.

الفيلم قدم حياة فريدا الصاخبة والمؤثرة عبر نص جميل ومعالجة فنية راقية.

سلمى حايك قدمت واحداً من أجمل أدوارها في الفيلم، تفوقت على نفسها في دور معقد ومركب. تمكنت ببراعة من ترجمة الانفعالات الداخلية لشخصية فريدا المقهورة عاطفياً والمدمرة نفسياً وجسدياً. في الوقت ذاته برعت سلمى في أن تقنع المشاهد بإيجابية وقوة شخصية فريدا رغم كل المرارة المحيطة بها، فهذه الفتاة المقهورة جسدياً ونفسياً و «زوجياً» دافعت عن كيانها وقاومت كل ما حولها لترتقي بإبداعها.

الفيلم قدم ملحمة ذاتية مؤثرة ومذهلة بصرياً عن فنانة بدت أكبر من المعاناة، سعت لتحقيق حلمها في الوقت الذي كانت تتلقى فيه صفعات من القدر.

التجارب السينمائية الأخرى التي قدمت فريدا حققت أيضاً نجاحاً لا بأس به، فيلم المخرج بول لوديك الذي قدمه العام 1983 تحت عنوان Frida, naturaleza viva حقق نجاحاً كبيراً وجعل اسم الفنانة أوفيليا ميدينا التي قدمت دور فريدا فيه يقترن باسم فريدا طوال حياتها.

فريدا المتمردة

منذ صغرها تمردت فريدا على واقعها، ربما كانت البدايات في طفولتها حين اندلعت الثورة في بلادها فيما كانت في عامها الثالث. أصرت على تغيير تاريخ ميلادها من 1907 إلى 1910 وهو عام انطلاق الثورة. تريد فريدا أن يكون ميلادها متزامناً مع الولادة الجديدة لمدينتها.

وكما تمردت على تاريخ ولادتها، تمردت أيضاً على ما وجدته من عيوب في شكلها أولاً ثم في جسدها ثانياً، أبرزت عيوب وجهها في لوحاتها بدلاً من أن تخفيها، بدءاً من كثافة حاجبيها، حتى الشعر الذي ينبت فوق شفتها العليا. وقبل الفن كانت قد تحايلت على تشوه أصاب ساقها الأيمن جراء إعاقة تسبب فيها شلل الأطفال فأخفته بجوارب صوفية ارتدتها طوال الوقت.

شلل الأطفال كان بداية معاناتها، وربما بداية تمردها، أمام فريدا معاناة جسدية أكبر والشلل لا شيء يذكر أمام ما فعله بها حادث باص تعرضت له العام 1925. حطم الحادث جسدها، تسبب لها بكسر في عمودها الفقري، وفي ترقوتها، وأضلاعها وحوضها، عدا عن أحد عشر كسراً في ساقها الأيمن، وخلع قدمها اليمني وسحقها، وخلع كتفها، وأخيراً اختراق عمود حديد لبطنها ورحمها ما تسبب في حرمانها من الإنجاب.

وبرغم ما تسبب به الحادث لها من آلام جسدية ومعاناة نفسية شديدة، إلا أنه وضع بدايات تشكيل اسمها كفنانة ستصبح اسماً يعتد به لاحقاً وستجد لوحاتها طريقها إلى أميركا وباريس ثم إلى العالم كله. نجت من الموت بأعجوبة لكنها وجدت نفسها مجبرة على التمدد في سريرها، على ظهرها فيما عيناها معلقتان في سقف الغرفة.

الفراغ الطويل والآلام وشل الحركة لتلك المتمردة الصغيرة، زاد معاناتها، أرادت أن تشاهد جسدها، أن تواجه آلامها وهي المتمردة القديمة. البداية ستكون في رؤيتها للبشاعة التي أصبح عليها جسدها. وأتتها فكرة تعليق مرآة ضخمة في السقف أعلى سريرها. استجاب والداها للطلب، فأصبحت فريدا في مواجهة موجعة مع جسدها، لم يكن تجاوزها ممكناً إلا عبر نقلها بالريشة والألوان. القلم والرسومات التي ملأت بها الجبس خففت من شعورها بالإحباط والغضب في أوقات سابقة.

تمردت فريدا على مرضها مرة أخرى، بدأت ترسم جسدها المتعب، الملفوف ببياض بشع. مع الوقت أصبحت رسوماتها تلك بمثابة تقارير مصورة وبورتريهات يومية تجسد قبح معاناتها وشدة آلامها. ملأ الرسم أوقاتها، خفف من معاناتها، وجعلها تكتشف موهبة وشغفاً بالرسم لم يكونا في حسبانها، ففريدا كانت طالبة طب، لم تدرس الفن، ولم تكن معروفة في الأوساط الفنية المكسيكية.

دييغو… الداء والدواء

بعد المرض، لم يكن هناك ما هو أشد إيلاماً لفريدا في حياتها من تجربة زواجها من دييغو ريفيرا العام 1929. كان عمرها 22 عاماً وكان يكبرها بعشرين عاماً. تمردت على والدتها التي رفضت الزواج، تمردت على سمعته السيئة التي سبقته وعلى كل ما تعرفه عن مغامراته النسائية. تزوجته، انفصلا لعام ثم تزوجا ثانية.

كان له تأثير كبير على حياتها وعلى فنها. شجعها حين عرضت عليه اللوحات التي رسمتها أثناء مرضها. أثنى على موهبتها، ومنحها من الاهتمام ما حفزها للمواصلة وما شكلها كفنانة ذات أسلوب فني خاص.

رغم ذلك، لم يمنحها دييغو الإخلاص والأمان الذي تنشده أي امرأة. كان كثير العلاقات. أقامت هي أيضاً علاقاتها، مع الجنسين. تحمّل علاقاتها النسائية فقط، وتحمّلت هي كل شيء إلا أن يقيم علاقة مع شقيقتها الصغرى.

لكنه بعد وفاتها قال إن يوم موتها كان أكثر الأيام مأساوية في حياته، وأنه اكتشف متأخراً أن الجزء الأفضل من حياته كان حبه لها.

سريالية واقعية

البورتريهات الشخصية التي قدمتها فريدا لنفسها شكلت الجزء الأكبر من أعمالها. جاءت أولاً مصورة لها أثناء مرضها ثم مستقاة من تجاربها الشخصية في الزواج، والإجهاض، والعمليات الكثيرة التي أجريت لها بعد الحادث.

قدمت 140 لوحة زيتية وعشرات الرسومات والأعمال. 55 عملاً من بين اللوحات كانت بورتريهات شخصية صورت فيها جراحها عبر تقاسيم وجهها القاسية بحاجبين معقودين أو بشعر غزير أعلى شفتيها المزمومتين على الدوام أو عبر جسدها المثخن بالجراح. تبالغ في إظهار عيوب وجهها وجسدها لتعبر عن عمق آلامها وشدة معاناتها.

توصف أعمالها بالسوريالية، أندريه بريتون الذي يدأ الحركة السريالية في الفن يصف فنها بأنه «شريط حول قنبلة»، لكن فريدا تقول «أرسم واقعي». لوحاتها وإن كانت سريالية فهي سهلة الفهم، واقعية، توثيقية، تقريرية.

اهتمت فريدا بتصوير ثقافتها المكسيكية وثقافة الهنود الحمر التي تنحدر منها من جهة والدتها، ما جعل البعض يصف أعمالها بالساذجة فنياً أو بتصنيفها ضمن الفن الشعبي. بدا ذلك واضحاً في استخدامها للألوان البراقة، وللأسلوب البدائي والرمزية المثيرة. تضمنت لوحاتها بعض الرموز الدينية والثقافية المكسيكية، لكن كل تلك الرموز تقدم في لوحات سريالية وربما بمعان مختلفة، خاصة بفريدا.

فريدا وتروتسكي

ليس غريباً أن يكون لفريدا المتمردة اهتماماتها ونشاطاتها السياسية التي ألقتها في السجن في وقت ما. كانت ناشطة شيوعية. تعاطفت بشدة مع مؤسس المذهب الزعيم التروتسكي الشيوعي ليون تروتسكي، وأصبحت وزوجها صديقين له. استضافاه في منزلهما حين لجأ إلى المكسيك، هارباً من حكم بالإعدام أقره ستالين.

لم يأتِ تمرد فريدا في استضافتها للزعيم الهارب من بطش ستالين وحسب، بل في إقامتها لعلاقة معه، نتج عن اكتشافها انتقاله وزوجته من منزل فريدا إلى منزل آخر قريب، ثم اغتياله فيه العام 1940. قبل وفاته بعام تمردت فريدا على صداقتها معه وأصبحت من أشد معارضيه منقلبة إلى معسكر ستالين.

السنوات الأخيرة

أخيراً تمردت فريدا على حياتها، توفيت بانصمام رئوي، لكنها كتبت في مذكراتها قبل وفاتها بأيام «أتمنى أن يكون خروجي من الدنيا ممتعاً وأتمنى ألا أعود إليها ثانية». تلك العبارة أثارت الشكوك في سبب وفاتها، قد تكون جرعة مفرطة، مقصودة أو غير مقصودة، هي سبب الوفاة الحقيقي. كانت مريضة جداً خلال عامها الأخير على أية حال.

طلبت فريدا أن تحرق جثتها، يحتفظ برمادها اليوم في جرة تعود إلى العصر القبل كولمبي، موجودة في منزلها الأزرق الذي عاشت فيه مع دييغو، في مدينة مكسيكو، والذي تحول في العام 1958 إلى متحف يضم عدداً من أعمالها الفنية ومقتنياتها.

يذكر بعض من حضروا الحرق أن الجثة بعد أن اشتعلت بها النيران انتصبت واقفة، بدت فريدا مبتسمة تكز على أسنانها.

هل انتصرت فريدا في معركتها ضد الموت، هل تمردت عليه أم هزمها فأسلمت له صاغرة؟.

العدد 4361 – السبت 16 أغسطس 2014م الموافق 20 شوال 1435هـ

في آخر إصدارات الناقد السعودي خالد ربيع: «بقّيلي»: الحي القديم في «الطائف»… السحر… التوافق… التحريض على الأصالة

الوسط – منصورة عبدالأمير 

fdd-8 (1)

صدر أخيراً للناقد السينمائي السعودي خالد ربيع السيد عمل سردي بعنوان «بقّيلي»، وهو صادر عن منشورات النادي الأدبي بمدينة الطائف السعودية، في 120 صفحة من القطع المتوسط.

يتألف كتاب «بقّيلي» من تسعة فصول، يسرد كل فصل منها حكاية تكشف جانباً من ذكريات الحارة الطائفية القديمة «بقّيلي» التي يحمل الكتاب اسمها. الحارة التي نشأ فيها الكاتب وأراد في كتابه هذا أن يوثق روحها وأرواح ساكنيها، وهم كما يشير «تركيبة فريدة من نوعها جمعت جنسيات مختلفة بثقافاتهم المتعددة لتخلق فسيفساء فريدة».

وعلى رغم الطابع الروائي للعمل، إلا أن ربيع يفضل وصف عمله بأنه «عبارة عن سرديات دارت في جزء من الحي، في فترة ما قبل الطفرة الاقتصادية التي حدثت في الثمانينات بالمملكة العربية السعودية».

ويضيف واصفاً الكتاب بأنه «كتابة سردية متحررة من الشكل والتقنيات، يسردها صوت خفي عليم، هو بالضرورة صوت أحد صبية الحارة، وكأنه غادر الحارة وعاد إليها بعد سنوات طويلة، ليكتشف خبايا ذاكرته فيتلاشى الزمن الماضي ويسطع الحاضر، كأنما كل شيء بُعث من جديد».

الحكايات التي يضمّها الكتاب كما يشير ربيع «عبارة عن مجموعة صور من حياة صبية في حارة صغيرة خلال مرحلة ما قبل الطفرة وأثناءها، أي في السبعينات الميلادية، وربما امتدت حتى بدايات الثمانينات، حاولت في هذه الصور أن لا أقول شيئاً ذا بال، على الأقل بطريقة مباشرة، وفي الوقت نفسه أردت أن (أصمت) عن خفايا حميمة تنبض في أزقة الحارات وحيوات أناس، ليس لأن الصمت نابع من تابو، ولكن لأن ما كان يكتنف الحياة في ذلك الزمن أبلغ من الكلام الذي يصبح البوح به فجاً وشعاراتياً فيفقد عمق دلالاته».

أبطال الحكايات صبية، وهم عيال حارة «بقّيلي» الذين لا شاغل لهم سوى اللعب. من خلال ألعابهم تلك يسرد ربيع تفاصيل الحياة خلال مرحلة زمنية محددة كاشفاً طبيعة العلاقات فيما بين سكان الحارة.

البطل المتكرر في معظم الحكايات هو عبدالرحمن، صاحب اللثغة والتهتهة الذي يطلق عليه عيال لقب «التشتش»، لأنه كما يشير ربيع «(يتشتش) في الكلام مثل شاحنة صهريج نقل الماء (الوايت)، إذ تسمع صوت تششش تششش».

أما عنوان الكتاب «بقّيلي» الذي يحمل اسم الحارة، فله دلالات كثيرة حول الحياة حينها وحول التمازج والتوافق بين أبناء الحارة بتنوع خلفياتهم. على الغلاف الخارجي كتب ربيع «في حارة «بقّيلي» لا يجرؤ أحد من أبنائها، عند ما يكون في حالة التهام صحن من البليلة، أو عندما يتناول كأساً من شراب أو عند قضم حبات «اليغمش» أو «المنتو» أو حتى عند مص «الدندورمة»، و «العسكريم»… لا يجرؤ على رفض طلب صبي عابر، قاصياً كان أو دانياً، خصوصاً من عيال الحارة إذا ما قال له كلمة (بَقّيلي). يترك له على الفور بقية مما كان يأكل أو يشرب، ويقدمه له بنفس راضية». (بقيلي) كلمة سحرية تتكرر في اليوم الواحد عشرات المرات، حتى أصبحت حارتنا معروفة منذ زمن باسم حارة (بقّيلي)».

(بقيلي) هي طفولة خالد ربيع وصباه الأول، هو وأقرانه الذين أهداهم الكتاب وأولئك الذين لم تسعفه الذاكرة لكتابة أسمائهم وكما يكتب «عيال الحارة الباقين في ذاكرتي ولم أعد أراهم». لكن ذلك الحنين والنوستالجيا ليسا هما ما دفعا بخالد لكتابة «بقيلي» وحسب لكنه كما يشير «التفسخ الذي نعيشه» ولذلك اعتبر كتابه «دعوة مبطنة للعودة إلى أخلاقيات وسلوكيات أبناء الحارة. ذلك التآزر والتواد بين الناس الذي أصبح شبه مفقود الآن» متسائلاً عما إذا كان للفن أي قدرة في أن يعيده مضيفاً بأن هذا السؤال «لابد أن ينطرح بعد سطوة العولمة والحياة المادية الطاغية التي نعيشها. الاندثار والمحو للمكان والثقافة الأصيلة يوم كانت الحياة بريئة ومتخلصة من كل تركيبات العصر النكوصية، تماماً مثلما هؤلاء الصبية الذين يلعبون على سجيتهم في عالم تملؤه المحبة».

ويعود معلقاً «النستولوجيا والحنين ليست نقيصة، لأنها تحمل تحريضاً خفياً للأصالة والخلود. النستولوجيا ليس وقوعاً بل ارتقاء، لأن إنسان العصر المعمى يرفض، بفعل واعٍ أو بدون وعي، أن يتذكر من هو وماذا كان» ـ

يأتي كتاب خالد، كما يشير بشكل لا مباشر في إطار حراك تكريس الهوية المهددة بالانقراض الذي يتمثل بوضوح في السعي لتنظيم وإقامة مهرجانات عديدة محركها الأساس هو الحنين للتراث مثل مهرجان الجنادرية، وسوق عكاظ، ومهرجان الدوخلة ومهرجان «رمضاننا كدا».

وينفي خالد أن يكون ذلك حراك «متباك على الماضي إذ إن «كل شعوب الأرض تفعل ذلك بشكل أو بآخر. وكل كتاب الأرض يستعيدون تفاصيل حيواتهم. إنها ثقافة وجنوح إنساني طبيعي ومطلوب، لهذا لا أنظر أبداً للحنين على أنه نقيصة، وأتعجب من تلك الدعوة التي راح يبثها كتاب الحداثة وما بعد الحداثة بأن الحنين والنستولوجيا نقيصة يجب أن تتخلص منها الشعوب… عجيب، هم يريدون سلخ الناس من أصولهم حتى يستسلموا ويذعنوا لنداء الاستهلاك والدوران في عجلتهم الاقتصادية. نعم سنستهلك ولن نتخلف، ولكن في المقابل سنتمسك بهويتنا، ولنا أن نكتب ونكتب بكل الأشكال لنرسخ تلك الهوية في نفوس ووجدان الأجيال الصاعدة».

ويضيف «(بقّيلي) تسير في هذا العمق، إنها صرخة ضد المدنية التي تغفل الإنسان وتجعله حامل بطاقات ائتمانية وهمومه المادية طاغية على وجوده الإنساني، وهي لم تقع في فخ المقارنة، لأن القارئ سيدرك ذلك، وهي أيضاً ليست ضد المعاصرة والتطور. كل ذلك كان يدور في بالي أثناء كتابة (بقّيلي). ولكني حرصت كل الحرص أن أبتعد كل البعد عن المباشرة أو التلميح حتى، وجعلت أبطالها صبية يلعبون في حارة… الحارة بمفهومها الأركيولوجي التي تمثل المدنية المتعافية، قبل أن يتوغل خنجر الرأسمالية الغربية في الخاصرة.

في الكتاب الذي يعتبره خالد دعوة أملاً في استعادة المياه التي فقدت مجاريها «انصهار اجتماعي مكامل، لا مكان للعنصرية، فهي حارة التوافق والتعايش بين الجنسيات المختلفة. بقّيلي المكان: حالة اجتماعية سياسية (جيوبوليتيكي) تصبغ ساكنيها بصفات وشروط وسمات عصية على التفسير أو التحليل، إنه التمازج العرقي في صورة إنسانية نادرة».

ويعلق خالد أخيراً «الأمر لا يتعلق إذن بحراسة الذاكرة، فليتذكر كل فرد منا ما يشاء، ويحق له ذلك بل يتحتم عليه ذلك، أشقاؤنا الكويتيون يقولون «اللي ماله أول ماله تالي»، والمصريون يقولون «من فات قديمه تاه»، ونحن في الحجاز نقول « قديمك نديمك لو الجديد أغناك»… فكيف لنا أن ننسلخ من ثراثنا. هل ينبغي لنا أن نصبح شعوباً مفتعلة كبعض الشعوب التي غرقت في العولمة، مثل الفلبين على سبيل المثال… بقّيلي تأريخ اجتماعي أنثربولوجي ولابد أن يدون ويدون بكل لغات الفن وأشكاله».

العدد 4354 – السبت 09 أغسطس 2014م الموافق 13 شوال 1435هـ