في آخر إصدارات الناقد السعودي خالد ربيع: «بقّيلي»: الحي القديم في «الطائف»… السحر… التوافق… التحريض على الأصالة

الوسط – منصورة عبدالأمير 

fdd-8 (1)

صدر أخيراً للناقد السينمائي السعودي خالد ربيع السيد عمل سردي بعنوان «بقّيلي»، وهو صادر عن منشورات النادي الأدبي بمدينة الطائف السعودية، في 120 صفحة من القطع المتوسط.

يتألف كتاب «بقّيلي» من تسعة فصول، يسرد كل فصل منها حكاية تكشف جانباً من ذكريات الحارة الطائفية القديمة «بقّيلي» التي يحمل الكتاب اسمها. الحارة التي نشأ فيها الكاتب وأراد في كتابه هذا أن يوثق روحها وأرواح ساكنيها، وهم كما يشير «تركيبة فريدة من نوعها جمعت جنسيات مختلفة بثقافاتهم المتعددة لتخلق فسيفساء فريدة».

وعلى رغم الطابع الروائي للعمل، إلا أن ربيع يفضل وصف عمله بأنه «عبارة عن سرديات دارت في جزء من الحي، في فترة ما قبل الطفرة الاقتصادية التي حدثت في الثمانينات بالمملكة العربية السعودية».

ويضيف واصفاً الكتاب بأنه «كتابة سردية متحررة من الشكل والتقنيات، يسردها صوت خفي عليم، هو بالضرورة صوت أحد صبية الحارة، وكأنه غادر الحارة وعاد إليها بعد سنوات طويلة، ليكتشف خبايا ذاكرته فيتلاشى الزمن الماضي ويسطع الحاضر، كأنما كل شيء بُعث من جديد».

الحكايات التي يضمّها الكتاب كما يشير ربيع «عبارة عن مجموعة صور من حياة صبية في حارة صغيرة خلال مرحلة ما قبل الطفرة وأثناءها، أي في السبعينات الميلادية، وربما امتدت حتى بدايات الثمانينات، حاولت في هذه الصور أن لا أقول شيئاً ذا بال، على الأقل بطريقة مباشرة، وفي الوقت نفسه أردت أن (أصمت) عن خفايا حميمة تنبض في أزقة الحارات وحيوات أناس، ليس لأن الصمت نابع من تابو، ولكن لأن ما كان يكتنف الحياة في ذلك الزمن أبلغ من الكلام الذي يصبح البوح به فجاً وشعاراتياً فيفقد عمق دلالاته».

أبطال الحكايات صبية، وهم عيال حارة «بقّيلي» الذين لا شاغل لهم سوى اللعب. من خلال ألعابهم تلك يسرد ربيع تفاصيل الحياة خلال مرحلة زمنية محددة كاشفاً طبيعة العلاقات فيما بين سكان الحارة.

البطل المتكرر في معظم الحكايات هو عبدالرحمن، صاحب اللثغة والتهتهة الذي يطلق عليه عيال لقب «التشتش»، لأنه كما يشير ربيع «(يتشتش) في الكلام مثل شاحنة صهريج نقل الماء (الوايت)، إذ تسمع صوت تششش تششش».

أما عنوان الكتاب «بقّيلي» الذي يحمل اسم الحارة، فله دلالات كثيرة حول الحياة حينها وحول التمازج والتوافق بين أبناء الحارة بتنوع خلفياتهم. على الغلاف الخارجي كتب ربيع «في حارة «بقّيلي» لا يجرؤ أحد من أبنائها، عند ما يكون في حالة التهام صحن من البليلة، أو عندما يتناول كأساً من شراب أو عند قضم حبات «اليغمش» أو «المنتو» أو حتى عند مص «الدندورمة»، و «العسكريم»… لا يجرؤ على رفض طلب صبي عابر، قاصياً كان أو دانياً، خصوصاً من عيال الحارة إذا ما قال له كلمة (بَقّيلي). يترك له على الفور بقية مما كان يأكل أو يشرب، ويقدمه له بنفس راضية». (بقيلي) كلمة سحرية تتكرر في اليوم الواحد عشرات المرات، حتى أصبحت حارتنا معروفة منذ زمن باسم حارة (بقّيلي)».

(بقيلي) هي طفولة خالد ربيع وصباه الأول، هو وأقرانه الذين أهداهم الكتاب وأولئك الذين لم تسعفه الذاكرة لكتابة أسمائهم وكما يكتب «عيال الحارة الباقين في ذاكرتي ولم أعد أراهم». لكن ذلك الحنين والنوستالجيا ليسا هما ما دفعا بخالد لكتابة «بقيلي» وحسب لكنه كما يشير «التفسخ الذي نعيشه» ولذلك اعتبر كتابه «دعوة مبطنة للعودة إلى أخلاقيات وسلوكيات أبناء الحارة. ذلك التآزر والتواد بين الناس الذي أصبح شبه مفقود الآن» متسائلاً عما إذا كان للفن أي قدرة في أن يعيده مضيفاً بأن هذا السؤال «لابد أن ينطرح بعد سطوة العولمة والحياة المادية الطاغية التي نعيشها. الاندثار والمحو للمكان والثقافة الأصيلة يوم كانت الحياة بريئة ومتخلصة من كل تركيبات العصر النكوصية، تماماً مثلما هؤلاء الصبية الذين يلعبون على سجيتهم في عالم تملؤه المحبة».

ويعود معلقاً «النستولوجيا والحنين ليست نقيصة، لأنها تحمل تحريضاً خفياً للأصالة والخلود. النستولوجيا ليس وقوعاً بل ارتقاء، لأن إنسان العصر المعمى يرفض، بفعل واعٍ أو بدون وعي، أن يتذكر من هو وماذا كان» ـ

يأتي كتاب خالد، كما يشير بشكل لا مباشر في إطار حراك تكريس الهوية المهددة بالانقراض الذي يتمثل بوضوح في السعي لتنظيم وإقامة مهرجانات عديدة محركها الأساس هو الحنين للتراث مثل مهرجان الجنادرية، وسوق عكاظ، ومهرجان الدوخلة ومهرجان «رمضاننا كدا».

وينفي خالد أن يكون ذلك حراك «متباك على الماضي إذ إن «كل شعوب الأرض تفعل ذلك بشكل أو بآخر. وكل كتاب الأرض يستعيدون تفاصيل حيواتهم. إنها ثقافة وجنوح إنساني طبيعي ومطلوب، لهذا لا أنظر أبداً للحنين على أنه نقيصة، وأتعجب من تلك الدعوة التي راح يبثها كتاب الحداثة وما بعد الحداثة بأن الحنين والنستولوجيا نقيصة يجب أن تتخلص منها الشعوب… عجيب، هم يريدون سلخ الناس من أصولهم حتى يستسلموا ويذعنوا لنداء الاستهلاك والدوران في عجلتهم الاقتصادية. نعم سنستهلك ولن نتخلف، ولكن في المقابل سنتمسك بهويتنا، ولنا أن نكتب ونكتب بكل الأشكال لنرسخ تلك الهوية في نفوس ووجدان الأجيال الصاعدة».

ويضيف «(بقّيلي) تسير في هذا العمق، إنها صرخة ضد المدنية التي تغفل الإنسان وتجعله حامل بطاقات ائتمانية وهمومه المادية طاغية على وجوده الإنساني، وهي لم تقع في فخ المقارنة، لأن القارئ سيدرك ذلك، وهي أيضاً ليست ضد المعاصرة والتطور. كل ذلك كان يدور في بالي أثناء كتابة (بقّيلي). ولكني حرصت كل الحرص أن أبتعد كل البعد عن المباشرة أو التلميح حتى، وجعلت أبطالها صبية يلعبون في حارة… الحارة بمفهومها الأركيولوجي التي تمثل المدنية المتعافية، قبل أن يتوغل خنجر الرأسمالية الغربية في الخاصرة.

في الكتاب الذي يعتبره خالد دعوة أملاً في استعادة المياه التي فقدت مجاريها «انصهار اجتماعي مكامل، لا مكان للعنصرية، فهي حارة التوافق والتعايش بين الجنسيات المختلفة. بقّيلي المكان: حالة اجتماعية سياسية (جيوبوليتيكي) تصبغ ساكنيها بصفات وشروط وسمات عصية على التفسير أو التحليل، إنه التمازج العرقي في صورة إنسانية نادرة».

ويعلق خالد أخيراً «الأمر لا يتعلق إذن بحراسة الذاكرة، فليتذكر كل فرد منا ما يشاء، ويحق له ذلك بل يتحتم عليه ذلك، أشقاؤنا الكويتيون يقولون «اللي ماله أول ماله تالي»، والمصريون يقولون «من فات قديمه تاه»، ونحن في الحجاز نقول « قديمك نديمك لو الجديد أغناك»… فكيف لنا أن ننسلخ من ثراثنا. هل ينبغي لنا أن نصبح شعوباً مفتعلة كبعض الشعوب التي غرقت في العولمة، مثل الفلبين على سبيل المثال… بقّيلي تأريخ اجتماعي أنثربولوجي ولابد أن يدون ويدون بكل لغات الفن وأشكاله».

العدد 4354 – السبت 09 أغسطس 2014م الموافق 13 شوال 1435هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s