خلال أمسية التقى فيها جمهور معرض الشارقة للكتاب… الروائي الأميركي دان براون: نتشابه روحياً… فلماذا نختلف حول الأديان

الشارقة – منصورة عبدالأمير

mon-7

قال الروائي الأميركي الشهير دان براون إن أصل الأديان واحد، وما يختلف بينها هو المفردات والدلالات فقط، متسائلاً عن سبب خلافات البشر حول الأديان، فيما تتشابه المظاهر الروحية لهذه الأديان وتحمل في جوهرها الحقائق الإنسانية نفسها «العطف أفضل من القسوة والبناء أفضل من التدمير والحب أفضل من الكراهية».

جاء ذلك خلال حديث مطول لبراون ألقاه أمام جمهور غصت به إحدى قاعات مركز الشارقة الدولي للمعارض والمؤتمرات «إكسبو»، وذلك ضمن فعاليات البرنامج الثقافي المصاحب لمعرض الشارقة الدولي للكتاب المقام في الفترة 5-15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014.

حضور دان براون شكل علامة بارزة في المعرض. حاكم الشارقة عضو المجلس الأعلى الشيخ سلطان بن محمد القاسمي اهتم بحضور اللقاء والمشاركة في النقاش الذي تلا كلمة براون، أما الجمهور فقد استقبل مؤلف الروايات الشهير بحفاوة بالغة، إذ اصطف كثيرون انتظاراً لدخول القاعة التي يلتقي فيها الروائي العالمي جمهوره ومحبيه الذين حضر بعضهم خصيصاً للقاء براون والاستماع إليه.

يشار إلى أن لبراون روايات ست حصدت شهرة عالمية وحققت نسب مبيعات عالية، إذ بيعت من رواياته ما يقرب من 200 مليون نسخة في جميع أنحاء العالم، وترجمت إلى 55 لغة. والروايات هي شيفرة دافنشي The Da Vinci Code وملائكة وشياطين Angels and Demons و «الحصن الرقمي» Digital Fortress و «حقيقة الخديعة» Deception Point و «الرمز المفقود» The Lost Symbol و «الجحيم» Inferno التي وقع بعض النسخ منها في نهاية الأمسية.

بدأ براون حديثه معبراً عن سعادته بزيارة الشارقة وعمق تأثره بكرم الضيافة العربية التي حصل عليها. عندما سأله الشيخ سلطان القاسمي، في نهاية الأمسية، عما إذا كان يرغب في حضور معرض الكتاب في العام المقبل، أبدى براون اهتماماً وحماساً كبيرين.

براون الذي تأثر كثيراً بحسن الضيافة التي تلقاها، قال إن استقبال حاكم الشارقة له وزيارته لجامعة الشارقة ثم لقاءه بطلبتها قبيل الأمسية، جعله يشعر بتقارب شديد مع الآخر المختلف عنه. قال إنه شعر بذلك بشكل أكبر حين حدثه الحاكم عن كيفية احترام إمارة الشارقة ودولة الإمارات العربية المتحدة للأديان كافة وحرصها على التعامل مع مختلف الجنسيات بروح التسامح والمساواة .

براون علق متسائلاً «إذا كنا نتشابه في المظاهر الروحية وفي إيماننا بالله فلماذا نختلف حول الأديان» وأضاف «أصل أدياننا واحد، ولكن مفرداتها ودلالاتها هي المختلفة فكل الأديان بالعالم تحمل في جوهرها الحقائق الإنسانية نفسها: العطف أفضل من القسوة والبناء أفضل من التدمير والحب أفضل من الكراهية».

ثم قال «جميعنا نبحث عن الحقيقة، وهو ما يربط بيننا كبشر»، وأضاف مؤكداً «الحقيقة أمر ذاتي تماماً. ومفهوم شخص ما لها قد لا يكون له أي علاقة بالمفهوم الذي يحمله شخص آخر. لكن وعلى رغم اختلاف تصوراتنا وأدياننا، فإننا جميعاً نتشابه في أننا نحمل تجارب حياتية أياً كانت التسمية التي تطلق على تلك التجارب».

بعدها تناول براون تجربته الروائية مستعرضا جزءاً من سنوات حياته الأولى، ونشأته في وسط أسري مسيحي متدين، معلقاً عن تأثير ذلك على تميز تجربته. قال إنه نشأ في بيت يجمع بين الدين والعلم. كانت والدته أمرأة متدينة ذات إيمان قوي وكانت مغنية جوقة وعضو نشط في الكنيسة. أما والده فقد كان رجلاً منطقياً، مهووساً بالعلم والرياضيات يتبع منهجاً تحليلياً بحتاً لكل ما حوله. تحدث عن نشأته في ذلك الجو الأسري المتناقض بحدة، الذي جعله بين والدة تشدد على أهمية تمسكه بالدين ووالد يشجعه باستمرار على طرح الأسئلة وإبقاء عقله مفتوحاً وعدم اتباع إيمانه بشكل أعمى.

تحدث براون كثيراً عن طفولته النابضة بالحياة وسنوات عمره الأولى التي لعبت دوراً في تعلقه بالكتابة بل وفي منهجه في الكتابة المؤكد باستمرار على الصراع الدائم بين العلم والدين. روى حكايات مضحكة عن والديه، بل إنه جلب معه لوحات سيارتيهما ليؤكد مدى اختلافات شخصيتيهما، لوحة الأم حملت حروفاً تكون كلمة دينية، فيما حملت لوحة الأب كلمة «ميتريك» Metric إشارة إلى النظام المتري في القياس الذي كان والده من أشد المتحمسين له.

في وسط هذا الجو الأسري المتناقض بحدة، نشأن براون، تحدث بصراحة عن معاناته لفهم المثل الروحية التي حاولت والدته غرسها في نفسه والتي بدت له غير قابلة للتحقق، ومتناقضة وخانقة. في المقابل، كان يعرف بشكل فطري أن هناك شيئاً أكبر من مجرد الجزيئات والانفجار الكبير وكل ما يتعلق بالنهج العلمي الذي حاول والده غرسه في نفسه. يقول براون: «كان هناك صراع في حياتي بين هذين المفهومين، العلم والدين. كانت هناك منطقة رمادية وجدت أن استكشافها سيشكل تجربة حياتية مميزة لي».

قال براون إن هذا الصراع بين الدين والعلم قائم على مر العصور «وهذا ليس بالجديد»، وأضاف أنه في الوقت الذي يشجعك العلم على طرح الأسئلة والبحث والتحليل ويقدم إجابات لتساؤلاتك، فإن الدين يطلب منك أن تتقبل كثيراً من الأمور وتقتنع بها.

لكنه أضاف أن العلم والدين لديهما أمر مهم مشترك ينبغي التركيز عليه وهو أن كليهما يحاول التوصل إلى الحقيقة المطلقة، مشيراً إلى أن «للدين والعلم لغتين مختلفتين لكن كليهما يسعى لتفسير ما يدور بالحياة».

رغم ذلك أشار براون إلى أننا اليوم نعيش فترة «توثقت فيها العلاقة بين العلم والدين واختفى الخيط الذي كان يفصل بين هذين المفهومين» موضحاً «نحن نعبد الله تعالى وفي كل لحظة لدينا فهم علمي أوسع لما يدور حولنا بل يصعب علينا اليوم أن نتقبل كل شيء دون تفسير علمي واضح».

براون أكد أنه مؤمن بأن الكون بكل ما يحمله من ألغاز هو أكبر من قدرتنا على فهمه، وأننا في كل لحظة من حياتنا نشعر بوجود الله» مستشهداً بأن البشر منذ القدم وفي محاولاتهم لتعلم كل ما حولهم، كانوا يملأون الفجوات التي تحدث بسبب عدم تمكنهم من تفسير بعض الظواهر بشكل علمي، بالروحانيات».

بعدها تطرق براون للحديث عن الكتابة ومتاعبها مستدلاً بمقولة للكاتب الإنجليزي الشهير جورج أورويل «تأليف كتاب هو صراع يشبه مقاومة مرض مهلك» مضيفاً «أكبر مأساة في العالم أن تكون كاتباً والأكثر مأساوية منها أن يكون زوجك كاتباً»، وذلك في إشارة إلى تقديره الكبير لدعم زوجته وتقديرها لعمله.

ثم تطرق براون لتجربة تحويل اثنين من أعماله إلى فيلمين سينمائيين. قال إنه لم يقتنع في البداية بالأمر، لكنه عدل عن رأيه حين تولى الأمر رون هوارد كمخرج، وتوم هانكس كممثل. قال إنه سعد بالتعامل مع النجمين الكبيرين، وتحدث عن زيارات والديه لموقع التصوير، وضحك على الجمهور مع تعليقات والدته المتدينة، ووالده ذي النهج العلمي البحت.

دان براون اختتم كلمته موجهاً نصيحة بالانفتاح على الآخرين والإيمان بحقهم في الحياة، مستدلاً بكلمة حاكم الشارقة الافتتاحية للمعرض، معلقاً «نحتاج لأن نفعل كما قال حاكم الشارقة في حفل الافتتاح. نحتاج لأن نشعل الشموع في مواجهة الظلام المتصاعد».

وفي إجابة على سؤال طرح في نهاية الأمسية عن نيته في كتابة رواية عن الإسلام أو عن المنطقة العربية، قال إنه وعلى رغم قضائه وقتاً طويلاً في القراءة والبحث عن الدين الإسلامي والمنطقة العربية، إلا أن المعلومات الموجودة لديه ليست كافية لكتابة عمل روائي».

يشار إلى أنه تم توجيه انتقادات كثيرة لدان براون بسبب رواياته التي وجدها كثيرون معادية للكاثوليكية، وافترضوا أن مؤلفها يحمل موقفاً معادياً للأديان، لكن براون بحديثه المطول عن موقفه من الدين والعلم وظروف نشأته وعن القيم الروحية التي يحملها وعن علاقته الوثيقة بالدين، أراد تبديد تلك الاتهامات.

العدد 4449 – الأربعاء 12 نوفمبر 2014م الموافق 19 محرم 1436هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s