قُدم عرضه العالمي الأول في «دبي السينمائي».. فيلم «قدرات غير عادية» لداوود عبدالسيد: البحث عن الذات في الآخر

الوسط – منصورة عبدالأمير 

fdd-6

تشبه شخصيات أفلام داوود عبدالسيد، مخرج أفلامها وهو نفسه مؤلف معظمها، وجميعها تقدم شخصيات فيها الكثير من روحه وفكره ونظرته للحياة.

حصيلته الإخراجية من الأفلام الروائية لا تتجاوز ثمانية أفلام، كتب نصوص خمسة منها، فيما اكتفى في اثنين من هذه الأفلام بكتابة السيناريو معتمداً على نصين أدبين لكاتبين كبيرين، أما الفيلم الثامن فكان من تأليف هاني فوزي وهو فيلم «أرض الأحلام». كل فيلم من هذه الأفلام أرسى قواعد جديدة في أسلوب عبدالسيد السينمائي المتميز، وأكد أنه واحد من أهم مخرجي جيله. ينتمي داوود لتيار الواقعية الجديدة في السينما المصرية وهو التيار الذي يثبت كونه الأكثر نجاحاً وقدرة على التعامل مع شئون وقضايا المجتمع، والكفيل بجعل السينما والفيلم السينمائي قريباً إلى قلوب المشاهدين.

منذ أسابيع سجل داوود عودته السينمائية بعد توقف أربعة أعوام، بعرض عالمي أول لآخر أفلامه «قدرات غير عادية» خلال الدورة الحادية عشر لمهرجان دبي السينمائي الدولي. تنافس الفيلم على جوائز المهر الطويل واحتفى به مهرجان دبي بما يليق باسم مخرجه وتاريخه، إذ خصص له أحد عروض «الغالا» التي ينظمها المهرجان وهي عروض السجادة الحمراء المخصصة لما يجده المهرجان فيلماً يشكل إبداعاً سينمائياً يستحق الاحتفاء به.

في هذا الفيلم يعود داوود مع خالد أبو النجا، الذي قدم معه فيلم «مواطن، ومخبر وحرامي» في العام 2003 . وفيه يثبت الاثنان مدى الانسجام والتفاهم بينهما كمخرج وممثل. يفهم أبوالنجا ما يريد عبدالسيد تماماً، ويعجب ذلك المخرج. أبوالنجا صرح في المؤتمر الصحفي السابق لعرض الفيلم، بأن عبدالسيد سأله ضاحكاً «لم تسألني عن أصل وفصل الدكتور يحيى» وهو اسم الشخصية التي قدمها أبو النجا في الفيلم. ويعلق الممثل بأن ذلك بلا فائدة لدى مخرج يتعامل مع التجربة الإنسانية بغض النظر عمن تكون الشخصية التي تقدم تلك التجربة.

في الفيلم يقدم أبوالنجا دور الدكتور يحيى الذي يُجبر على أخذ إجازة من عمله بعد أن يفشل في بحثه العلمي حول القدرات غير العادية لدى البشر.

نتوقف هنا عند «ثيمة» البحث، هذه «الثيمة» التي تسود كل أعمال عبدالسيد. في هذا الفيلم يبحث يحيى عن بشر يحملون قدرات غير عادية، وهذا هو العنوان الأوسع للبحث إذ تنضوي تحته عمليات بحث أخرى، عن الحبيبة، عن الذات، عن يحيى، عن الفتاة الصغيرة، عن الآخر بكل أشكاله، وعن نفسه في الآخر.

شخصيات عبدالسيد كما ذكرت تعيش دائماً حالة بحث عن أمر ما. منذ فيلم «الصعاليك» (1984) وبحث مرسي (نور الشريف) وصلاح (محمودعبدالعزيز) عن الثروة والملايين، حتى البحث عن الذات في «البحث عن سيد مرزوق» (1990)، ثم بحث الشيخ حسني «محمود عبدالعزيز» عن هموم أبناء حارته والغوص في تفاصيل حيواتهم في «الكيت كات» (1991)، وصولاً للبحث عن جواز السفر وما في ذلك من دلالات البحث عن الذات والهوية الذي تقوم به نرجس (فاتن حمامة) في «أرض الأحلام» (1993)، حتى «سارق الفرح» (1995) وبحث عوض عن مهر لحبيبته قبل انقضاء المهلة التي قدمها والدها له، ثم بحث وتقصي الضابط يحيى «أحمد زكي» في عالم تجارة المخدرات في «أرض الخوف» (1999)، وصولاً لبحث سليم «خالد أبوالنجا» عن سيارته أولاً ثم عن النص الذي كتبه في «مواطن، ومخبر وحرامي» (2003)، وانتهاءً ببحث يحيى «آسر ياسين» عن نفسه، عن الحب، وعن هموم طبقة تكاد تختفي من المجتمع المصري هي الطبقة الوسطى وذلك في فيلم «رسائل البحر» (2010).

«ثيمة» البحث، تتكرر، تماماً كما يتكرر اسم يحيى في أفلامه، لداوود أكثر من يحيى، وفي ذلك ما يشير لتصريحاته الدائمة حول ذاتية أفلامه. لا يقصد داوود بكل تأكيد أن أفلامه تتحدث عنه، لكن الذاتية في الواقع تكمن في أن أفلامه تلك تقدم شخصيات تشبهه كثيراً. تحمل ذات رؤيته للحياة والأشياء، وتمارس ذات البحث الذي قام به في شبابه، حين قرر أنه لا يصلح أن يكون مساعداً لمخرج بعد ثلاث تجارب خاضها مع يوسف شاهين (الأرض)، كمال الشيخ (الرجل الذي فقد ظله)، وممدوح شكري (أوهام الحب). حينها قرر أن ينطلق بكاميرته ليسجل آلام الناس وليتعرف على همومهم عن قرب وليقدم عدداً لا بأس به من الأفلام التسجيلية. ربما تكون هذه البدايات هي ما جعلته باحثاً على الدوام، عن ذاته، عن الهوية، عن هموم الآخرين، وعن خباياهم. ربما لهذا حين قرر أن يصبح مخرجاً، كان التيار الأقرب إليه هو تيار الواقعية الجديدة، ليصبح اليوم أحد روادها، وليقدم سلسلة من الأفلام تلامس هموم مجتمعه وتعبر عن رؤيته لتلك الهموم ووجهة نظره في قضايا شارعه الاجتماعية والاقتصادية.

لكن أين الواقعية هذه المرة في رحلة الدكتور يحيى للبحث عن بشر يحملون قدرات غير اعتيادية. ثم أي قدرات غير اعتيادية هذه، داوود يؤكد في أكثر من حديث «لا أقصد هنا قدرات خارقة».

عودة إلى الدكتور يحيى الذي يسير بلا هدف باحثاً عن هؤلاء البشر حتى تأخذه رحلة بحثه إلى «بنسيون» على البحر في الإسكندرية، تسكنه مجموعة من الشخصيات الطريفة، يبدو وكأنهم جميعاً يمتلكون قدرات غير عادية. بمزيد من البحث يكتشف يحيى ضالته في فتاة صغيرة تدعى «مريم» هي ابنة صاحبة البنسيون، الأرملة الشابة التي تنمو بينها وبين الدكتور يحيى فيما بعد علاقة حميمية. يتقرّب يحيى بداية من الفتاة الصغيرة، ليكشتف أن القدرات غير العادية تملكها الأم أيضاً، ثم لتحدث المفاجأة الكبرى حين يكتشف في داخله هو أيضاً قدرات غير عادية.

هل نحن أمام فيلم خيال علمي إذن، على الأخص حين نشاهد شذرات من أفلام أجنبية شاهدناها مسبقاً لعل أشهرها «ماتيلدا». علينا أن ننتظر حتى نهاية رحلة البحث لنقرر ذلك.

ذاتية داوود وتنوع شخصياته

لأن أفلام عبدالسيد ذاتية، ولأن تجربته مع الأفلام بدأت برحلة توثيقية لهموم مجتمعه، كذلك تأتي شخصيات أفلامه، مثله ومثل الدكتور يحيى، تلتقي الكثير من الشخصيات في رحلة بحثها.

في «الصعاليك» يلتقي الصديقان «صلاح ومرسي بكل أنواع الشخصيات المجتمعية التي صعدت السلم الاجتماعي، وفي «البحث عن سيد مرزوق» يكتشف يوسف تناقض بعض الشخصيات وغموضها عند لقائه بالصعلوك وبسيد مرزوق، وفي «أرض الأحلام» تلتقي نرجس التي تود الهجرة إلى أميركا بساحر غريب الأطوار ، وفي «الكيت كات» نتعرف من خلال الشيخ حسني «الكفيف» على حقيقة كل سكان حي الكيت كات، وفي «سارق الفرح» نلتقي بكل أنواع النماذج البشرية البسيطة، ويلتقي يحيى في «أرض الخوف» بكل أنواع تجار المخدرات، أما «سليم» في «مواطن ومخبر وحرامي» فيأخذه لقاءه مع المخبر صدفة «صلاح عبدالله» لعالم مختلف تماماً عما يعيشه.

الفرق في الفيلم الجديد هو أن شخصيات داوود في المرات السابقة كانت تبحث عن أمر محدد، تعرفه تماماً وتعرف السبيل إليه، أما هذه المرة، فيحيى يبحث في كل مكان عن بشر يحملون قدرات غير اعتيادية. ومهما بدا ذلك أمراً من الخيال، فإن للأمر موضع البحث دلالاته. داوود يبحث هذه المرة عن البشر المميزون، المختلفون، القادرون على التكيف مع الآخر وقبوله، وربما يبحث عن ذاته في هؤلاء الآخرين. في الفتاة الصغيرة التي تستخدم قدراتها للعبها ولهوها، وفي الأم التي تستخدم قدراتها للسيطرة على حبيبها، وفي رجل المخابرات الذي يسعى للسيطرة على الأم أو ابنتها ليحقق من خلالهما مكاسب وأطماع، وفي الطريقة الصوفية والحواري التي تملؤها أصداء أناشيد وتواشيح دينية. يبحث عن الحب وعن الدين وعن الإنسان. داوود يطرح «ثيمته» تلك في وقت تمر به بلاده بأسوأ أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وجميعنا يعلم أن أفلامه تنطلق دائماً من واقع مجتمعه وترتبط ارتباطاً وثيقاً بأحواله.

وعلى العموم فإنه في أوقات مثل هذه الأوقات يبدو الخيال العلمي وكأنه المهرب والمفر من قسوة الواقع وآلامه. ربما لذلك أراد داوود أشخاص يمتلكون قدرات غير عادية يمكن لهم التعامل مع هذا الواقع الأليم. داوود يشير خلال مؤتمر صحافي عقد لمخرج الفيلم وأبطاله بمهرجان دبي «الوضع في مصر اليوم يتطلب قدرات غير اعتيادية للتعامل معه من أجل فهم الآخر وقبوله ولتحديد حقوق هذا الآخر».

بقي أن نذكر أن المقطع الترويجي للفيلم «التريلر» الذي نشر قبل فترة من عرض الفيلم على مواقع التواصل الاجتماعي، أثار ضجة كبرى نتيجة لتضمينه مشهدين لممثلته نجلاء بدر تظهر في أحدهما بـ «البيكيني» فيما تظهر في الآخر مرتدية نقاباً.

داوود لم يكترث كثيراً لتلك الضجة، وحين سئل عنها في المؤتمر الصحافي أعلاه، وجه جام غضبه لقناة روتانا لأنها اقتطعت مشهد من فيلمه السابق «رسائل من البحر» الذي ظهرت فيه الممثلة بسمة بلباس البحر «البيكيني»، وأعلن أنه سيعمل على تضمين مشاهد «البيكيني» و«الجنس» و«شرب الخمور» في أفلامه المقبلة كلما كان ذلك ممكناً «لأنها في رأيي تقاليد سينمائية وأنا شخصياً أحافظ على هذه التقاليد».

قالوا عن الفيلم

في هذا الفيلم ضيّق داوود إطار زاوية البحث وبدأ يبحث عن المختلف. القدرات غير العادية هنا في رأيي الشخصي ليست قدرات «سوبرمانية» أو قدرات تخلق المستحيل أو تتنبأ أو تنظر إلى ما لا يراه الأخرون لكنه هنا يشير إلى المختلف وما يواجهه المختلف في المجتمع وما يعانيه وما يمكن أن يحققه فيما لو أتيحت له الفرصة في تقديم ما بداخله من قدرات غير عادية.

عرفان رشيد

ناقد سينمائي

سجل داوود عبدالسيد فيلماً جديداً إلى سجله السينمائي، وسجل بأنه لا يزال موجوداً ويثير الاهتمام ويستحق المتابعة. لكن الفيلم سجل أيضاً بأن داوود يخطئ. سجل أيضاً أن الهم الذي يحمله هو بحث الإنسان عن حاجات غريبة.

الفيلم ضيّع مشاهديه بكثرة تنقله بين الماضي والحاضر. كذلك اختفت وجهة النظر في الفيلم. كانت وجهة نظر ليحيى ثم في بعض الأوقات أصبحت للأم ثم هناك توهان زاده توهان ففي حين تبدو الأم هي التي تحمل القدرات الغير طبيعية نكتشف أن البنت هي من تحمل تلك القدرات ثم يصبح يحيي هو من يحمل هذه القدرات ثم يرجع الفيلم ليقول أمراً آخر. هذه ليست طريقة صحيحة.

لكن رغم ذلك، فإن لداوود مساحات جميلة في الفيلم، على الأخص تلك المشاهد التي تدور أثناء نزوله الشارع الحافل بالترانيم الدينية. كانت مشاهد جميلة جداً هدمها التردد في اتخاذ قرار في الفيلم وفي وكيفية معالجة الموضوع.

«ثيمة» البحث موجودة في الفيلم وهي «ثيمة» حقيقية في كل أفلام داوود عبدالسيد، لكن الفيلم لم يقدم أي إجابات. يطرح أسئلة ويبحث عن أمر ما لكنه ينتهي وأنت لا تزال تبحث ولم تصل إلى نتيجة.

كذلك لم يكن خطأ خالد أبو النجا أن يكون الدور الذي قدمه صعباً، في حين لا يتلون وجهه، لا أشعر معه أنه سعيد أو غاضب أو مندهش أو غير ذلك. ملامحه واحدة دائماً.

محمد رضا

ناقد سينمائي

العدد 4494 – السبت 27 ديسمبر 2014م الموافق 06 ربيع الاول 1436هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s