في أفلامه القصيرة يوثق الواقع… وطموح طبقة «وسطى»… المخرج صالح ناس: وجدت عبدالله في عين الدار وأعجبتني شقاوته

الوسط – منصورة عبدالأمير 

fdd-m-1 (1)

تختلف أفلام المخرج البحريني الشاب صالح ناس عن أفلام أقرانه من البحرينيين الذين برزت أسماؤهم في مجال صناعة الفيلم القصير، في الشكل وربما في المضمون وحتى في أسلوب صناعة الفيلم. في أفلامه الثلاثة الأخيرة، قدم صالح حكايات واقعية، أو لعلها قريبة من الواقع، روى من خلالها قصص وطموحات وهموم أبطال مختلفين، لا نشاهدهم كثيراً على الشاشة، ولا نجدهم في الأعمال الفنية السينمائية أو التلفزيونية باستمرار. يقدم حكاياتهم بشكل توثيقي، ما يجعل أفلامه تبدو كأفلام درامية توثيقية Docudrama. أسأله إن كان يمكنني وصف أفلامه كذلك فيقول إنه يتبع أسلوب سينما الواقع أو Cinema Verite، ويضيف أن هذا الأسلوب السينمائي «قريب من أسلوب الواقعية الجديدة Neo-realism».

التقيت صالح أثناء حضوره الدورة الحادية عشرة لمهرجان دبي السينمائي الدولي (10-17 ديسمبر/ كانون الأول 2014). حضر مشاركاً بفيلمه «السوق المركزي» ضمن برنامج أصوات خليجية، عدا عن كونه ضمن فريق الفيلم البحريني الروائي الطويل «الشجرة النائمة» المشارك في مسابقة المهر الطويل للمهرجان، إذ عمل صالح على إتمام عمليات مونتاج الفيلم.

ركزت حديثي معه حول فيلمه المعروض في المهرجان، وعن أسلوبه المختلف في تقديم أفلامه القصيرة، قال: «إن فيلم «السوق المركزي» يحكي قصة «فتى يمضي أوقات الظهيرة في السوق المركزي، حيث يقوم بنقل وتوصيل مشتريات المتسوقين في سوق الخضار والفاكهة، وهو يتطلع على الدوام إلى كسب بعض المال السريع. في أحد الأيام يحظى بفرصة حقيقية لتحقيق ذلك، لكنها للأسف تبوء بالفشل».

في فيلم «السوق المركزي» لن يجد المشاهد نفسه أمام فيلم درامي اعتيادي، سيبدو الأمر كما لو كان صالح يوثق حياة السوق بكل تفاصيل الحركة فيه.

سألته عن أسلوب أفلامه ذاك وعن منهجية التوثيق التي يعتمدها لاستعراض الواقع، فأجاب «نعم اتبعت هذه المنهجية في الأفلام الثلاثة الأخيرة فقط، لكن لدي ثلاثة أفلام سابقة كان أسلوبي مختلفاً فيها. قدمتها أثناء دراستي الجامعية، وهي «المسافر» (2004)، و «المكالمة» (2005)، و «الجثة» (2006)».

ويضيف «الأفلام المقدمة بالأسلوب الجديد جاءت بعد توقفي لأعوام لتأسيس شركتي الخاصة، ولأعود بعدها بفيلم «لعبة» الذي جاء نتاج مشاركتي في ورشة عمل نظمها مهرجان الخليج السينمائي خلال دورته الرابعة العام 2011 وقدمها المخرج الإيراني عباس كياروستامي».

ويواصل «أما بخصوص أسلوبي، فأنا متأثر بشدة بأسلوب سينما الواقع، وحين أشاهد أفلاماً تنتمي إلى هذا الاتجاه أتفاعل معها بشكل كبير، أكبر بكثير من اندماجي مع الاتجاهات السينمائية الأخرى. وبطبيعة الحال فالأفلام التي تؤثر عليك بالشكل الأكبر هي التي تحاول أن تقدم مثلها، ربما حتى بشكل غير واعٍ أو غير مقصود كما حدث في فيلم «لعبة» الذي قدمت فكرته بشكل سريع للغاية».

من مخرجي هذا الاتجاه الذين تأثر صالح بأسلوبهم ويتابع أعمالهم «المخرج الفرنسي روبرت بروسون وهو الأب الروحي لهذه السينما، والمخرجان مجيد مجيدي وأصغر فرهادي، وإلى حد ما المخرج عباس كياروستامي، وكثيرون غيرهم».

وعودة إلى فيلم «السوق المركزي»، الذي ألفه صالح وأخرجه ومن ثم أنتجه عبر شركته إليمنتز للتصوير السينمائي (Elements Cine Productions)، كما حصل الفيلم على دعم جزئي من «الثقافة» في مملكة البحرين ومبادرة «إنجاز» التابعة لمهرجان دبي السينمائي الدولي.

يقول صالح: «أردت تقديم صورة أخرى، أكثر واقعية عن دول الخليج، صورة تناقض أي فكرة حالمة يحملها البعض عن الخليج، وبعيدة عن أي منحى سياسي. أردت أن أنحو اتجاها مختلفاً. لن أتحدث عن أولئك الذين يملكون الكثير من الأموال ولا حتى أولئك الذين يعيشون فقراً مدقعاً. سأتحدث عمن يعيشون حياة بسيطة وعادية. هؤلاء لديهم طموحات ربما تكون مختلفة. ولديهم قصص يمكن أن تروى لتطرح ما لم نشاهده من قبل على الشاشة. قصص وأحلام تستحق أن توثق».

انطلقت فكرة الفيلم لدى صالح خلال فترة كان يتردد فيها باستمرار على السوق المركزي في جدحفص لالتقاط صور فوتوغرافية توثق حياة السوق وأهله. يقول صالح: «في أحد الأيام زرت إحدى حظائر الأغنام المجاورة للسوق، وحينها واتتني فكرة تقديم فيلم يصور في هذه الحظيرة».

ويضيف «أثناء زيارتي تلك تذكرت بعض ما كان يثير اهتمامي في صغري حين كان والدي يصطحبني معه إلى السوق المركزي. تذكرت الصبية الذين كانوا يعلمون في السوق في تنظيف السمك أو في دفع عربات المشترين. صورة هؤلاء لا تتناسب بالتأكيد مع الفكرة التي يحملها البعض عن دول الخليج، والأموال والنفط، والمباني الحديثة».

وهكذا كان، بهذه العفوية وبالفكرة التي واتته حالها، قرر صالح عمل فيلم يدور في السوق المركزي، أبطاله الباعة والمشترون، والصبية الصغار ومحوره هموم هؤلاء، طموحهم وأمنياتهم. قرر أن يكون بطل فيلمه «التلقائي»، صبي يحلم كما يحلم كل مرتادي السوق، صبي تستحق قصته أن تقدم كفيلم لتوثق واقعاً ما يستحق أن ينقل إلى الشاشة.

لم يكن سهلاً العثور على ممثل يمكن له أن ينقل تلقائية صالح والسيناريو الذي كتبه، استغرقت عملية «الكاستنغ» للفيلم ستة شهور، حتى وجد صالح بطله أخيراً.

عثر عليه في عين الدار، اسمه عبدالله حسن، وهو صبي موهوب لا يتجاوز عمره احدى عشر عاماً «سألت عن شخص موهوب، حتى وصلت إليه فأعجبني شكله وتصرفاته وشقاوته الجميلة».

عبدالله ليس ممثلاً بالمعنى المتعارف، لكنه فتى تلقائي في أدائه، عفوي في مشاركته ومع الكاميرا، ما ساهم في إضفاء هذا الطابع التوثيقي على الفيلم. لن يجد المشاهد نفسه أمام صبي صغير يتكلف الوقوف أمام الكاميرا وأداء الحوار المطلوب منه. في الواقع سيبدو وكأننا أمام فيلم توثيقي لبطل لا يعرف أن الكاميرا تلاحقه أينما ذهب. تلقائية الفتى وعفويته تنبئ عن موهبة فنية واعدة وتؤكد شهادة صالح في الموهبة التي يملكها عبدالله.

على أية حال، صالح يؤمن أن العفوية في الوصول إلى فكرة الفيلم، واختيار موضوعه، أمور هامة لتقديم هذا النوع من الأفلام التي يصنفها بسينما الواقع. فعل ذلك في فيلمين آخرين، «لعبة» المقدم عبر ورشة المخرج الإيراني عباس كياروستامي، المذكورة أعلاه، وفيلم «بيك آب» الذي عرض ضمن أيام البحرين السينمائية التي أقيمت في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، وكان الفيلم قد حصل على دعم من «الثقافة» في مملكة البحرين.

وعلى رغم أن موضوعي فيلميه السابقين تم تحديدهما لصالح كما في فيلم «لعبة» الذي اختار له منظمو الورشة السينمائية في مهرجان الخليج أن يناقش ثيمة الوحدة، وفيلم «بيك آب» الذي حددت اللجنة المنظمة لأيام البحرين السينمائية موضوعاً له يدور حول علاقة الإنسان بالبحر.

رغم ذلك تبدو تلقائية صالح واضحة في اختيار قصص الفيلمين، إذ يقول «في فيلم «لعبة» صورت مشاعر صبي صغير، يرفض أقرانه إشراكه في لعبة كرة القدم، ويحاول هو جاهداً إخفاء ذلك عن والده».

ويضيف «في الواقع واتتني الفكرة بعد أن عرفت أنه يمكنني الوصول إلى هؤلاء الصبية وتصوير الفيلم معهم». أما في فيلم «بيك أب»، فيشير صالح إلى أن «البحر لم يكن يعني لي شيئاً، فبدأت في التفكير في أمور لها علاقة بالبحر فواتتني فكرة أن أجعل لقب بطلة الفيلم «بحر» ثم بدأت في البحث في حياة هذه الفتاة وتخيلت الكثير من السيناريوهات التي طرحت من خلالها عدداً من التساؤلات. ربطت كل ذلك بخبرات حياتية مررت بها أو مر بها أشخاص قريبون مني ثم كونت قصصي من مزيج من هذه الخبرات وقدمتها بالشكل الذي وجدته مناسباً».

سألت صالح أخيراً إن كان سيواصل تقديم أفلامه بأسلوب «سينما الواقع» فقال «حالياً نعم لكني لن أفرض على نفسي أن أكمل بهذا الاتجاه في الأفلام القادمة».

يشار إلى أن صالح بدأ أخيراً العمل على كتابة سيناريو فيلمه الروائي الطويل الأول، الذي ينوي تقديمه تحت اسم «فترة سماح» Grace Period ويروي من خلاله حكاية لاجئ سوري يود السفر إلى الخليج ولديه مهلة شهر لتجهيز أموره للسفر لكن للأسف لا تتم الأمور كما ينبغي.

صالح يعمل حالياً على إتمام سيناريو الفيلم، وهو يؤكد أهمية أن يكتب أفلامه بنفسه، كما أفاد بانضمام المنتج اللبناني بول بابوجيان إلى طاقم عمل الفيلم، وهو المنتج الذي تعاون مع المخرج الإماراتي علي مصطفى في فيلم A to B.

ومن أجل إتمام الفيلم يشارك صالح في برنامج الإقامة الذي تنظمه مؤسسة جوته الألمانية في بيروت لمخرجي الأفلام الشباب من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تحت عنوان «محطة بيروت السينمائية 2015».

ويعد صالح أول مخرج خليجي يشارك في هذا البرنامج الذي يقام في شهر أبريل/ نيسان، وتتراوح مدة إقامة المخرجين في بيروت بين شهر إلى ثلاثة شهور.

ويهدف البرنامج إلى تقديم المساعدة من خلال توفير المعدات التقنية ومكان للعمل للمخرجين ويساعدهم في مراحل ما قبل الإنتاج، والإنتاج، وما بعد الإنتاج.

يقول صالح: «أنا سعيد لاختياري في هذا البرنامج لأن ذلك سيمنحني فرصة كافية لتنفيذ فيلمي في جو إبداعي في وسط بيروت، عدا عن أنه سيوفر لي الوقت والمكان للعمل على الفيلم في جو خالٍ من التوتر وبعيد عن ضغوط العمل».

العدد 4508 – السبت 10 يناير 2015م الموافق 19 ربيع الاول 1436هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s