هاشم شرف… ثروة وطنية

منصورة عبد الأمير

تستحق كل تجربة إبداعية أن يتم التوقف عندها والإشادة بها إن إستحقت قبل تمحيصها والنظر إلى مواطن قوتها وضعفها، وهي خطوة يجب أن تأتي لاحقاً ولا مفر منها للمبدع أو لمتابعيه. في المقابل يستحق متلقوا التجربة من متخصصين ومن عموم الجمهور، أن يكون مبدعوها على درجة من الاستعداد لتلقي ردود الفعل ووجهات النظر فيما يتعلق بتجربتهم. على أية حال، لا تكبر التجارب والمشروعات الإبداعية ولا تنتعش إن لم يتم دعمها بالإهتمام أولا والرعاية ثم الإشادة أو النقد البنّاء بحسب معطيات التجربة.

أذكر مقدمتي تلك لأنني في الحقيقة ترددت كثيراً قبل كتابة هذا المقال، عسى ألا يفتح عليّ أبواباً من النقد واللوم ويجر وابلاً من الاتهامات بالتحيز لطرف أو لآخر، وهو ما اعتدته منذ بدأت في متابعة إنجازات المبدعين البحرينين. لكنني إزاء الإنجاز الأخير الذي حققه المخرج الشاب هاشم شرف لم يسعني إلا أن أرفع له القبعة وأتوكل على الله وأشرع في الكتابة. هاشم موهبة واعدة في بداياتها تستحق منا الآن الثناء عليها، وأعد كل قارئ قد يتحفز لانتقادي بسبب كتابة هذا العمود، بأن مواطن قوة وضعف أفلام هاشم سيأتي الحديث عنها قريباً.

فاز ثالث أفلام هاشم القصيرة «سوريج» أخيراً بجائزة أفضل فيلم خليجي قصير في مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للطفل، متفوقاً على 176 فيلماً جاءت من 20 دولة من جميع أرجاء العالم. نقطة التفوق ليست في حصد الجائزة وحسب، لكنها في أن يحصد فيلم أنجزه شاب بجهود فردية محضة. وحين أقول محضة أقصد أنه موّل الفيلم، وأخرجه، وكتب السيناريو الخاص به، وقام بعملية المونتاج، وكل ذلك بميزانية فردية لا تتجاوز 300 دولار. وبعيداً عن موهبته وتمكنه، لا يمكننا تجاهل ذكاءه في اختياراته لموضوع فيلمه وفكرة قصة الفيلم ونصه. وحتى أفلامه السابقة تميزت بموضوعاتها الإنسانية الراقية. في هذا الفيلم «سوريج» صور قصة إنسانية بسيطة في طرحها عميقة في مراميها ناقش من خلالها كم الشقاء والمعاناة التي يتحملها البعض في سبيل تأمين لقمة عيش لأبنائهم. في فيلمه الثاني «إنسانة» صور يوميات طفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وقدم تفاعلاتها مع المجتمع، عبر فكرة غير مسبوقة، حين قام بإخفاء كاميرا في ملابسها تصور كل استجابات الآخرين وتفاعلاتهم معها. وفي أول أفلامه «مترب» أثبت تمكنه بفيلم تميز من نواح فنية عديدة لفتت الانتباه لموهبة جديدة واعدة هاهي تبرز فيلماً بعد آخر وتثبت أن الرهان عليها كان صحيحاً.

وهاهو بعد أن حصد جوائز «الأمل الموعود» و«نقش» و«سان دييغو»، يحصد مع «سوريج» جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للطفل الذي يعد المهرجان الأهم في المنطقة من بين المهرجانات التي تهتم بالطفل وأفلامه.

ألا يستحق هذا الشاب الذي لم يتجاوز عمره 24 عاماً والذي لفت الأنظار لموهبته منذ بداياته أن يتم الثناء والإشادة بمنجزه وإن كان لا يتجاوز الأفلام الثلاثة؟ أترك القارئ حكماً إن كنت مبالغة أو متحيزة حين أقول إن هاشم موهبة واعدة ينبغي الالتفات إليها وتعهدها بالرعاية والاهتمام والتشجيع على أعلى المستويات. أترك قارئي حكماً إن بالغت في قولي إن شاباً ذكياً موهوباً كهذا هو في الواقع ثروة وطنية. كل المبدعين، عموماً، صغاراً كانوا أم كباراً هم ثروات وطنية. وهاشم ليس الوحيد ممن يتميز في الخارج لكن اسمه لا يكاد يسمع في الداخل. مبدعون شباب آخرون أنوي الكتابة عنهم واحداً بعد الآخر، هم جميعاً ثروات وطنية ينبغي الالتفات إليها.

العدد 4802 – السبت 31 أكتوبر 2015م الموافق 17 محرم 1437هـ

فاز بجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان الشارقة… هاشم شرف: أردت التميّز فلجأت إلى عفوية الهنود في «سوريج»

الوسط – منصورة عبدالأمير 

فاز الفيلم البحريني القصير «سوريج» لمخرجه الشاب هاشم شرف بجائزة أفضل فيلم خليجي قصير في الدورة الثالثة لمهرجان الشارقة السينمائي الدولي للطفل التي اختتمت يوم الجمعة الماضي الموافق 23 أكتوبر/تشرين الثاني 2015. وتفوق شرف بفوزه هذا على 176 فيلماً شاركت في المهرجان جاءت من 20 دولة من جميع أرجاء العالم. فضاءات «الوسط» التقت شرف ليتحدث عن فيلمه البحريني الذي يحمل اسماً هندياً ويقدم بلغة المالايالم الهندية على لسان ممثلين هنود.

بداية أشار شرف إلى أن عنوان الفيلم «سوريج» يعود إلى كلمة هندية تعني الشمس، وهو معنى يرتبط بقصته وما تحمله من مضامين. ويحكي الفيلم في ست دقائق قصة طفل هندي تقوده الظروف ليكتشف وظيفة والده السرية التي يتحمل فيها كثيراً من الشقاء. تم تصوير الفيلم في أحياء المنامة القديمة في عام 2014 وخلال مدة لم تزد على أسبوعين، بمشاركة من الممثلين الهنديين دانش كوتييل، وأكارش ساتيش لتمثيل الدورين الرئيسيين.

سألت هاشم شرف عن سبب كون قصته هندية وممثليه من الجالية الهندية، فأجاب «هناك عدة أسباب أولها أنني أردت بشدة منذ فترة أن أقوم بتصوير ضربة الوجه «الكف» بشكل مختلف جداً عما هو موجود على شاشات التلفزيون. ومن جانب آخر وأثناء دراستي في أستراليا كنت أرغب بشدة في تقديم متسولي الشوارع في فيلم. بالطبع لا تناسب هذه الفكرة أجواء البحرين، ولذا قمت بتطويرها إلى فكرة الفيلم التي ستكون مناسبة أكثر لأن تنفذ مع شخص من الجالية الهندية».

ويضيف «من ناحية أخرى أردت أن أستبدل الممثلين البحرينيين الذين بدت وجوههم مألوفة كثيراً في جميع الأعمال البحرينية، كما إن أداءهم بدا لي مسرحياً. لذلك لجأت إلى الهنود الذين ضمنوا لي تقديم وجوه جديدة وعفوية في الوقت ذاته، حتى إن المخرج الإماراتي عبدالله حسن وهو محكم في مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للطفل قال لي أن وجوه ممثلي الفيلم معبرة وأعطت قوة للفيلم على الأخص الممثل الذي قام بدور الأب». ويواصل «السبب الثالث هو أني أردت أن يكون فيلمي مختلفاً ومميزاً».

اختيار ممثلي الفيلم جاء بعد بحث طويل، كما يشير شرف «كان هذا من أصعب الأشياء، وقتي كان ضيقاً وكنت أريد أن أشارك في مسابقة الأمل الموعود التي نظمتها جمعية التوعية الإسلامية عام 2014، بحثت كثيراً عن ممثلين من الجالية الهندية يمكنهم تقديم أدوار الفيلم بشكل مقنع لكني لم أوفق للحصول على من يقنعني أداؤه. أخيراً قررت البحث في أماكن تجمع أبناء هذه الجالية، وبالفعل وصلت إلى نادي كيرلا حيث علمت أن لديهم فرقة مسرحية تجري بروفاتها في النادي. عرضت الأمر عليهم فوافقوا على الفور وتركوا لي حرية اختيار ممثلي فيلمي من بين ممثلي فرقة النادي».

علمت من شرف أنه استخدم تقنية مختلفة في فيلمه هي تقنية السينماغراف في بعض مشاهد الفيلم. عن هذه التقنية وأثرها على المشاهد أوضح قائلاً «تقنية السينماغراف هي تقنية أقوم فيها بتجميد جميع عناصر المشهد وأبقي على عنصر واحد متحرك. استخدمتها لأحرك عين المشاهد وأوجهها لحيث أريد ولأحرك مشاعره. أردت أن أحقق متعة شاعرية إلى جانب المتعة البصرية التي يحققها أي فيلم في العادة، وأردت أن أضيف تقنية مختلفة ومميزة تنفع فيلمي في المهرجانات».

عن الصعوبات التي واجهته أثناء التصوير، أفاد «واجهتني صعوبات كثيرة، بدءا من التعامل مع الممثلين الذين لم أكن أتقن لغتهم ولم يتقنوا هم العربية ولا الإنجليزية. كنت أتعامل معهم عن طريق حركات اليد لشرح حركة وإحساس الممثل المطلوبين، بل إنني كنت أقوم بتمثيل بعض المشاهد ليفهموا تماماً الإحساس المطلوب. كذلك واجهت صعوبة كبيرة تمثلت في كوني مخرج الفيلم ومصوره وأقوم بمونتاجه. في بعض المشاهد كنت أضطر إلى وضع الكاميرا على وضعية الالتقاط المؤقت وأضغط على زر التصوير ثم أجري بسرعة أمام الكاميرا لتثبيت نقطة الفوكس. أكرر ذلك مرات عديدة حتى أنجح في تثبيت الفوكس. إضافة إلى ذلك ميزانية الفيلم لم تتعدَ 300 دولار».

الفيلم الذي حصد جائزة مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للطفل، كان قد حصل على المركز الأول في مسابقة الأمل الموعود التي نظمتها جمعية التوعية الإسلامية عام 2014، وعلى جائزة أفضل فيلم بتصويت الجمهور في المسابقة نفسها. أما بالنسبة لمشاركات الفيلم في المهرجانات الدولية، فنذكر منها مشاركاته في مهرجان إن شورت للأفلام InShort Film Festival في لندن، ومهرجان River Film Festival في إيطاليا، ومهرجان الإسكندرية للأفلام القصيرة في مصر، والمهرجان الأوروبي الدولي للأفلام International Euro Film Festival في إسبانيا، ومهرجان فويا للأفلام Voya Film Festival in Warner Bros في هوليوود وعرض حينها مع مجموعة من الأفلام في استوديوهات «وارنر برذرز».

يشارك في الفيلم كل من دانش كوتييل وأكارش ساتيش، وآسر الهاشمي، ونضال محمد وآباي ستيش، وآثل نامبيار، وبريتي نامبيار. كتب السيناريو هاشم شرف وأحلام محمد، فيما تولت أحلام كتابة الحوارات، ويضم طاقم العمل جعفر حسين مساعد مصور، ومحسن الساعاتي في الماكياج واللوكيشن، وجنان شرف وسيدمحمد الماجد في الجرافيكس. المونتاج والتصوير والإخراج لهاشم شرف.

يشار إلى أن هاشم شرف حاصل على بكالوريوس في مجال صناعة الأفلام والدراسات السينمائية في أستراليا، وهو حاصل على أكثر من 10 جوائز في مهرجانات محلية ودولية مختلفة وشاركت أفلامه في أكثر من 15 مهرجاناً دولياً.

وقدم هاشم فيلمين قصيرين سابقين هما فيلم «متّرب» الذي حصد جائزة لجنة التحكيم في مهرجان نقش 2013، وجائزة مسابقة الأمل الموعود 2013، وفيلم «إنسانة» الذي حصل على جائزة التميز في مهرجان سان دييغو الدولي للأفلام في أميركا، وجائزة سيمس SMSE 2014 في مملكة البحرين.

إيفا داود تطلق «سارق النور» عربياً في «دبي السينمائي»

الوسط – منصورة عبدالأمير

يشارك الفيلم البحريني الروائي القصير «سارق النور» للمخرجة البحرينية إيفا داود في مسابقة «المهر الخليجي للأفلام القصيرة»، إحدى مسابقات مهرجان دبي السينمائي الدولي الذي يعقد دورته الثانية عشر في الفترة 9-16 ديسمبر/ كانون الأول 2015. وتطلق مخرجة الفيلم فيلمها إقليمياً وعربياً من خلال مشاركتها في مهرجان دبي السينمائي الدولي، وذلك بعد أن شهد الفيلم انطلاقته الأولى عالمياً (البريميير) في مهرجان «فيلم كويست لسينما الخيال والخيال العلمي» في أميركا. وحصد الفيلم يومها جائزة «فيلم كويست» لأحسن إخراج.

وكان الفيلم قد رشح لخمس جوائز أخرى في هذا المهرجان هي جائزة أحسن فيلم فانتازيا، وجائزة أحسن إخراج، وجائزة أحسن سيناريو، وجائزة أحسن موسيقى تصويرية، وجائزة أحسن ممثلة عن دور داعم للدور الرئيسي.

وتتناول إيفا في هذا الفيلم، الذي يعد سادس أفلامها القصيرة، إشكالية الحبّ حين يُسرق جوهره وشغفه، وتأثير ذلك على أصحاب القلوب المسروقة.

تقول إيفا «سارق النور يشبه اللوحات السوريالية، يلتقط منها المشاهد بمقدار ما تتقاطع تفاصيله مع أعماق نفسه وشغفه ووجعه».

وتضيف «حكاية الفيلم مشغولة بطرح تساؤلات رئيسية، مفادها: عندما يسرق من الحب شغفه مع الوقت كيف سنتحول، وأي جرار ستقدر على حبس هذا الشغف وحبس أنفاسنا معها، وهل للظلمة قلب يعشق؟!».

ثم أوضحت «في هذا الفيلم اعتمدت على أداء الممثل بكل أدواته وتعابير وجهه وجسده وحتى أنفاسه، وبالمقابل تلافيت التطويل في الحوارات، فيما كان للموسيقى حضورها الحواري الخاص من خلال أوركسترا مصغرة عزفت موسيقى هذا الفيلم التي ألفت خصيصاً له».

أنتجت إيفا فيلمها من خلال شركة «32 برودكشن للإنتاج السينمائي» البحرينية بالتعاون مع الشركة الإسبانية كوربو فيلم. وقام بأداء الأدوار فيه ممثلين أسبان كما تعاونت فيه إيفا مع طاقم عمل وفنيين أسبان.

عن إطلاقها الفيلم من خلال مهرجان أميركي، قالت إيفا «أنا على قناعة تامة بأن السينما الأميركية هي أقوى أنواع السينما مبيعاً في شباك التذاكر العالمي، ومن الصعب على المتفرج الأميركي أن يتقبل أي فيلم غير أميركي بسهولة وإقناعه بأي تسوية سينمائية، وهو ما اعتبرته التحدي الحقيقي لفيلمي، وميدان منافسته الحقيقية.» إضافة إلى ذلك، قالت إيفا «هناك نقطة تتعلق بالجمهور الأميركي، وهم أهل السينما والأكثر مبيعاً على شباك التذاكر، وهم أصعب جمهور في العالم، فهم مدللون سينمائياً والسينما لديهم ليست رفاهية بل تقليد وعادة، لذلك أردت اختبار ردة فعل هذا الجمهور على الفيلم».

وأشارت إيفا إلى أن «فيلم كويست» مهرجان صعب المراس، وعلى الرغم من كونه حديث إلا أنه يعتبر منافس لمهرجان سن دانس الشهير» مشيرة إلى أنها تنافست في هذا المهرجان مع 1500 فيلم من جميع أنحاء العالم.

يشار إلى أن فيلم «سارق النور» هو السادس لإيفا داود، كتابة وإخراجاً. وسبق أن حازت أفلامها السابقة على العديد من الجوائز العالمية من مهرجانات سينمائية مرموقة، وهي تنوي تصوير فيلم قصير تحت عنوان «رحم الله تموزة» كما انتهت أخيراً من كتابة نص فيلمها الروائي الطويل الأول بالتعاون مع المؤلف وكاتب السيناريو البحريني فريد رمضان، تحت عنوان «طول ما الأرض مدورة»، عدا عن ذلك تعمل إيفا على كتابة سيناريو فيلم للأطفال تحت عنوان «الغابة المنسية».

ومن أفلام إيفا السابقة «سندريلا الجديدة» الذي فاز بجائزة مهرجان الشرق الأوسط السينمائي (أبوظبي السينمائي)، وأفلام أخرى مثل «ربيع مر من هنا» و»في غيابات من أحب» (2012) و«عفريت النبع». وحازت أفلامها على عدد من الجوائز في مختلف المهرجانات. وتميز من بين هذه الأفلام فيلم «ربيع مر من هنا» الذي عرض في عدد كبير من مهرجانات الأفلام حول العالم كما نال جوائز كثيرة من بينها: جائزة الإبداع والاستحقاق بالإخراج في مهرجان الولايات المتحدة الأميركية للأفلام القصيرة «Best Short» بولاية كاليفورنيا، والجائزة الثالثة في مهرجان لافيم لسينما المرأة في لوس أنجلوس، والجائزة الثانية في مهرجان صانعي السينما والفنون البصرية/ أمريكا، جائزة الشرف كأحسن فيلم أجنبي غير ناطق بالإنجليزية في مهرجان وايلدروز العالمي للسينما.

العدد 4795 – السبت 24 أكتوبر 2015م الموافق 10 محرم 1437هـ

حين يكون الناشر مثقفاً… مدير «دار مسعى» مثالاً… محمد النبهان: أصدرنا 120 عنواناً وتزكم أنفاسي رائحة الركاكة في الكتابة

الوسط – منصورة عبدالأمير 

يرفض مدير دار مسعى للنشر والتوزيع محمد النبهان أن يلبس دور الناقد أو «المقيّم» للأعمال التي تقدم لدار مسعى، لكن هذا الناقد الشاعر يدير عمله بطريقة لا تشبه الطريقة المألوفة التي تدير بها دور النشر أعمالها. «دار مسعى» لا تتوقف عند اختيار الكتاب اللائق بالمكتبة البحرينية والخليجية والعربية، مديرها النبهان، يقوم بدور أكثر أهمية، دور يجعل من منشورات ومطبوعات «مسعى» إضافة أنيقة ومثرية للمكتبة البحرينية والخليجية أولاً ثم العربية ثالثاً. وليس ذلك فحسب لكن «مسعى» أضافت 120 كتاباً للمكتبة العربية منذ تأسيسها بعد ثلاثة أعوام، أي بما يعادل 40 كتاباً في العام الواحد، اهتمت بمحتواه كما بعنوانه وورقه وتصميم غلافه. مدير «مسعى» محمد النبهان تحدث خلال لقاء «الوسط» معه عن مفهومه لدور الناشر وعن مبادرات «مسعى» ومساعيها في الترويج للكتاب والقراءة على حد سواء.

لا يقتصر الدور الذي تقوم به دار مسعى للنشر والتوزيع على طباعة الكتاب وتوزيعه وإنما يبدو وكأن الدار تأخذ مهمة الناقد الذي يقيم المادة المقدمة وربما يقترح على كاتبها بعض التعديلات، وهو ما يتجاوز الدور المألوف للناشر، في هذا الجزء من العالم على الأقل. حدثني أكثر عن هذا الأمر.

– مسعى ليست مطبعة، أو موزع كتب، الطباعة والتوزيع يأتيان في المرحلة الأخيرة من عملية النشر. هناك التباس كبير في فهم دور دار النشر حتى في أوساط المثقفين والكتّاب. أيضاً ليست كل دور النشر تعي هذا الدور وتشتغل عليه وتؤسس منه نواتها في عالم صناعة الكتاب. الكتاب صناعة من الفكرة/ المادة/ النص، إلى الإخراج الفني بكل تفاصيله إلى الشكل النهائي الذي يظهر عليه الكتاب ويقدم للقارئ. ربما احتاج الكاتب عبر هذه المراحل إلى إعادة النظر في تفصيلة ما قد تخص النص نفسه أو الشكل، ثمة هذا الحوار المتواصل بين المؤلف والناشر الذي قد يعيد بناء المخطوط بالكامل أو شكله المناسب الذي سيظهر عليه ككتاب. من هنا تأتي فكرة التعديلات التي أشرت لها، لكن بعد إجازة النص نفسه كنص إبداعي يحمل قيمة أدبية أو فكرية أو علمية مضافة، مسعى بدأت من هذا الباب الصعب في عالم النشر، هناك الكثير من الشعراء والروائيين والنقاد، ولنا جهدنا واجتهادنا في البحث عن النصوص التي نرى أنها تعبر عن فكرة «مسعى» إبداعياً وفنياً. لا نريد أن نلبس دور الناقد لكن هي خياراتنا، تزكم أنفاسنا أي رائحة ركاكة أو استسهال في الكتابة، ولهذا نضع كل هذا الجهد في صناعة الكتاب ونقف إلى صف الكاتب المبدع ونسخّر كل الإمكانيات التحريرية والإخراجية ليظهر كما يليق بنصه.

كم عدد الإصدارات التي تصدرها الدار سنوياً، وهل تغطي جميع أنواع الحقول المعرفية أم إنها مقتصرة على الأنواع الأدبية.

– منذ أن انطلقنا بشكل جديد من البحرين منذ ثلاث سنوات أصدرنا قرابة 120 عنواناً، بمعدل 40 عنواناً في السنة، طبعاً كمعدل وإلا فالرقم يتصاعد من سنة لأخرى، كرقم أيضاً هذا إنجاز استثنائي في البحرين، لكننا لا ننظر مرة أخرى للعدد، نتساءل يومياً قبل أن نجري أية إحصائية أو جرد رقمي هل أضافت مسعى قيمة في نشر هذا الكتاب أو ذاك؟

بالتأكيد ليست كل الإصدارات مقتصرة على الأنواع الأدبية، لكن نسبتها في الحقول المعرفية الأخرى أقل، هناك إصدارات – وإن كانت قليلة – في التاريخ والسياسة والمعرفة وأدب الرحلة وكتب الأطفال. مازلنا في بداية الطريق نتحسس خطواتنا ونفتح بوابات في اتجاهات مختلفة. نعم، الصبغة الأدبية مسيطرة وهذا طبيعي كوننا من هذا الحقل وكونه خيارنا الأول الذي تأسست عليه فكرة الدار.

تدعمون المؤلفين الجدد من الشباب وتقدمون مادتهم بشكل لائق جداً… بل إن لديكم مبادرات مخصصة لدعم هؤلاء الشباب وتشجيعهم.

– مسعى تأسست على أعمدة رئيسية وركائز أساسية في الدار عبر النشر لأسماء في المشهدين السردي والشعري، وبشكل مواز تماماً لأصوات جديدة في المشهدين. لدينا فلسفة مفادها أن أي مشروع لا يواكب حركة الحاضر لا وجود له فيه ولا يستطيع أن يعبره لحاضر آخر، نحن لا نملك المستقبل ولا أحد يستطيع ذلك، لا يشغلنا ذلك، نريد أن نكون في الحاضر الآن والحاضر الذي كان أو الذي سيكونه ولا يمكن ذلك إلا بمواكبة نفس الجيل الذي يصنع المشهد الآن ويؤسس له. من هنا فتحنا بوابة للشباب، نشاركهم في صناعة نتاجهم بحسب إمكانياتنا وخبراتنا. أي كتابة تستحق سوف نلتف حولها ونقدمها بما يليق والنص. ومن هنا أسسنا فكرة مشروع «صندوق علي الصافي للإبداع الشعري» يدعم ويتكفل بكل الإصدارات الشعرية الأولى لشعراء شباب. ونعتز جداً بكل الإصدارات التي خرجت من هذا المشروع، نعتز ونفتخر بها جداً.

من علي الصافي؟

– علي الصافي شاعر كويتي من جيل قريب جداً، نشر مجموعته الأولى «خديجة لا تحرك ساكناً» في منتصف التسعينيات وبعدها في عام 2000 توفي في حادث مروري وهو في مقتبل الثلاثينيات من العمر، شاعر مهم ومؤثر في أبناء جيله، ديوانه كان بمثابة علامة فارقة في إصدارات الجيل نفسه، لكنه رحل مبكراً وترك جرحاً في الشعر مفتوحاً على احتمالات كثيرة… حين نسمي المشروع باسمه فإننا نريد لهذه الإصدارات الأولى أن تكون علامات فارقة في أفق شعري مفتوح على احتمالات كثيرة… وأيضاً تخليداً لروح الصافي، روح الشعر الجديد المحدث بلغته وفكرته ودهشته.

ما الذي تقدمه دار مسعى لحركة النشر في البحرين والخليج بشكل عام، وهل لديكم أي إحصائيات تتعلق بهذا الأمر؟

– نحن كدار نشر لسنا معنيين بوضع الأرقام والإحصائيات، أتصور هذا عمل اللجان التي تهتم بالكتاب مثل: معارض الكتب والمكتبات والمواقع المختصة. مسعى بدأت كمشروع خليجي يهتم بأدب وفكر المنطقة ثم انفتحت على العالم العربي عبر بعض الإصدارات، لكنها بالغالب تهتم بهذه المنطقة، بشعرائها وروائييها وكتابها وفنانيها. بالمقابل نريد لهذا النتاج أن يصل للآخر في كل مكان، عبر هذه البوابة. خذي مثلاً في الشعر، لايزال الشاعر يعاني الأمرين من أجل أن يجد دار نشر واحدة تقبل بنشر نتاجه الشعري. كذلك هنا في البحرين توجد طاقات مذهلة في الكتابة السردية والترجمة والمسرح وغيرها، لكنهم لا يجدون طرقاً للوصول لناشر أو أن فكرة النشر مؤجلة، لهذا نحن وبعلاقاتنا مع الكتاب والمثقفين نحاول أن نفتح نافذة لكتب جديدة، وقد حصل الأمر مع شعراء وروائيين ومترجمين شباب كثر طبعت أعمالهم ونشرت واشتهرت…

كيف يمكن أن تعزز هذه الجهود التي تقوم بها «مسعى» توجهات القراءة والإقبال على الكتب لدى القراء بمختلف أنواعهم.

– مسعى صديقة للكاتب، وشريكة في إصدار الكتاب بمواصفات إبداعية وفنية، وبغض النظر عن صفتها التجارية تسعى عبر خطة ثقافية لدعم المنتج الإبداعي وتقديمه بشكل يحترم النص، وبالتالي تحتاج دعم المثقفين والقراء، وهذا ما يفرحنا الآن بوجود قراء ومثقفين يقفون معنا عبر كل المراحل، أخذنا على عاتقنا أنا وشركائي وبالأخص شريكتي في التأسيس هنا في البحرين الأستاذة نهلة أبوالفتح ألا نخذل هذا القارئ، ليس مهماً كم المنتج ولكن مستواه هو الأهم، كذلك لدينا مجموعة من الأصدقاء من كتاب ومثقفين يقفون معنا لإيمانهم بفكرة المشروع. وربما نعلن قريباً عن لجنة استشارية تضيف وتقترح الإصدارات الجديدة حسب خطة الدار التي يقوم أساسها أولاً على القيمة الإبداعية للنص.

ما هي التحديات التي تواجه ناشر الكتب في العالم العربي في مجال التشجيع على القراءة والترويج للكتب، على الأخص مع ارتفاع شعبية الكتاب الإلكتروني والوسائط الرقمية الأخرى؟

– التحدي الحقيقي هو الاستمرارية، نسبة القراءة في العالم العربي متدنية جداً، لكننا مرة أخرى نعوّل على الأجيال الجديدة، ثمة مجاميع شبابية تحمل هموم القراءة، وأن تكون القراءة ثقافة وأسلوباً، نحاول أن نكون إيجابيين ونفكر أن ترتفع نسبة القراءة مع ملاحظتنا أن أغلب زوار معارض الكتب الذين يهتمون باقتناء الكتب هم من الشباب. أما عن الكتاب الإلكتروني والنشر الرقمي فهو بالتأكيد مهدد لصناعة الكتاب الورقي، لكنني دائماً أقول إن لكل منهما سمته الخاصة وطبيعته ومجالات عرضه وتوزيعه، نحن نعيش في زمن مختلف عما هو قبل عشرين سنة، كانوا يقولون أن التلفزيون هدد عالم الكتاب، المقارنة غير دقيقة. فضلاً عن أن الكتاب الإلكتروني مازال يحاول أن يصل للقارئ بصعوبة، وأتصور أن الخطر الحقيقي هو إهدار الحقوق، أقصد قرصنة الكتب وإتاحتها مجاناً للقارئ.

لماذا اخترت نشاط طباعة الكتب ونشرها وهي صناعة تواجه الكثير من التهديدات على الأخص في العالم العربي.

– عند كل كاتب بلا استثناء أحلام في مشاريع ثقافية كإصدار مطبوعة أو مركز ثقافي أو دار نشر أو غيرها من مشاريع تضيف للحراك الثقافي في أي منطقة جغرافية يتواجد بها، أحياناً مثل هذه الأحلام لا تتحقق إلا ضمن ظروف معينة، لنقل فرص أو قرارات تغير مجرى كل مسيرتك المهنية… هنا الفرصة والظروف تحققت وغامرنا، وأتصور أنه لولا وجود أشخاص يحملون الفكرة والحلم ذاتهما لما تحقق شيء مؤسس بهذا الشكل الذي ينقل الحلم لواقع تبني عليه وتطوره وتعطيه كل وقتك وجهدك، وحين تدخل بكل هذا الحماس لا تفكر بالتهديدات بقدر ما تكون هذه التهديدات مبرراً للنجاح.

العدد 4781 – السبت 10 أكتوبر 2015م الموافق 26 ذي الحجة 1436هـ