في ندوة ناقشت «الكتابة وتحديات الراهن»…. كتّاب وصحافيون: كتّاب الموت أكثر حيوية من كتّاب الحياة

الشارقة – منصورة عبدالأمير 

دعا الكاتب والشاعر الإماراتي حبيب الصايغ المساجد والمآتم لمراجعة خطابها قائلاً «خطاب كل مسجد وكل مأتم أو حسينية مدعو للمراجعة وخصوصاً مع انتشار الفضائيات أو المواقع التابعة وكأن لكل مسجد أو حسينية فضائية خاصة» وقال إن هذا الأمر يدعو «إلى تعزيز الشتريعات» واستشهد بصدور مرسوم بقانون في دولة الإمارات لمكافحة ازدراء الأديان ونبذ الكراهية. وقال «نعم هناك حاجة إلى قوانين لكن الحاجة أكبر إلى تفعيلها باللوائح وخصوصاً حين لا يكون الفرد هو المتضرر وحده بل الفكرة أو العقيدة في حد ذاتها وبالتالي يكون المتضرر أيضاً فكرة الاختلاف والحوار والتعدد».

وقسم الصايغ، الذي يشغل منصب رئيس تحرير صحيفة الخليج المسئول، ورئيس مجلس إدارة اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، الكتابات، ويقصد بها كل أنواع الخطاب، إلى كتابات عدوانية وأخرى صديقة أليفة وربما مسالمة، مستدركاً بأن ذلك لا يعني أن هناك كتابة صديقة خالصة فقط وكتابة عدوة خالصة فقط «لكن طبيعة الأشياء تشير إلى وجود كتابة بين بين، وأن الكتابة والأدب يتفاوتان بين الخير على إطلاقه والشر على إطلاقة ومن هنا جاءت ضرورة التأسيس المستمر لنقد القراءة كما لنقد الكتابة».

جاء ذلك في ندوة بعنوان «الكتابة ومواجهة الراهن»، أقيمت ضمن الندوات المصاحبة لمعرض الشارقة الدولي للكتاب (4 – 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015). شارك في الندوة إلى جانب الصايغ، كل من الكاتبة والروائية الباكستانية الساخرة موني محسن والكاتب والمذيع البريطاني الشهير جون مكارثي. ناقشت الندوة التحديات التي تفرزها الكتابة العدوانية، ودور الكتابة المعرفية الهادفة في مواجهة الأفكار الهدامة والعدوانية.

الصايغ، تساءل في بداية حديثه عما إذا كان بالإمكان «معرفة الكتابة ومساءلة تاريخها من دون معرفة القراءة ونقدها ومساءلة تاريخها»، وقال الصايغ أن الكتابة الصديقة هي كتابة معرفية لها طبيعة التأثير التأسيسي التراكمي، فيما الكتابة العدوانية هي المؤثرة بشكل أكبر، مشيراً إلى أنها تتسم «بأنها فجة ومباشرة وتحريضية ولعل هذا ما يفسر الأذى الذي نلمسه في مجتمعاتنا العربية من كتابة ونتاج المحسوبين على التيارات الظلامية والإرهابية والمتطرفة».

واعتبر الصايغ أن «محاولة قتل الطفلة الباكستانية ملالا، وحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، واعتقال الصحافي البريطاني جون مكارثي لخمس سنوات هي كتابة عدوانية» فيما «رد أبوظبي ومحمد بن زايد وابتعاث ملالا لكي تتطبب ثم التحاقها بمؤسسات التعليم في بريطانيا حتى نيلها (نوبل للسلام) كتابة صديقة».

وأشار الصايغ بأنه «إذا كان الإبداع بوجه من وجوهه يفترض ما تفترضه حركة المعنى من انتقال المتلقي من المعنى الأول إلى معنى يليه وهكذا دواليك، فإن معظم الخطاب العربي السائد يضاد ذلك كونه مسطح أحادي وأحياناً ساذج في محاولته إلغاء محمولات الزمن من دين ولغة وإرث»، مضيفاً بأن هذا الخطاب «يتعامل مع النص والخطاب وكأنه الينابيع الأولى لم يصبها أي نوع من أنواع الكدر، وكأن الدين هو التدين وكأن الاختلاف الثقافي والمعرفي غير مقبول دينياً. الأمر الذي ينافي مقاصد الأديان كلها والإسلام ليس استثناءً».

وأضاف «معظم أسباب التكفير التي يوردها المتدينون ليست من الدين والرد عليها ممكن بالآيات القرآنية الكريمة وبالأدلة الشرعية لكن المعضلة أن هؤلاء أنفسهم يكفرون بالحوار العلمي والمنطقي وسرعان ما يتحولون للتكفير والإلغاء والإقصاء والسب».

الحلقة التالية من المعضلة، كما أشار الصايغ هي أن «الخطاب التحريضي يتحول إلى تفجير ودم وموت مجاني وصل حتى إلى أماكن العبادة»، مفيداً بأن «الحوار منقطع أو يكاد» وأن «انتهاء صراع الحضارات وأنسنة الاختلاف وصولاً إلى ثقافة السلام أصبح حلماً»، كما قال بأن «الصراع اليوم مع ما يسمى بثورات الربيع العربي وآثارها صراع داخل الحضارة العربية الإسلامية وكأنها تنقسم على نفسها، وهو ما يفاقم من الخطر ويغير معادلة التأليف – التلقي، حيث مآل كل كتابة اليوم التقنية الجديدة ووسائل التواصل الاجتماعي بما في ذلك الكتاب الورقي والصحافة التقليدية».

وقال «في الواقع الافتراضي أصبح النص أو الخطاب يكتب جماعياً ويقرأ جماعياً» مضيفاً «يبدو أن مجموعة الكتابة العدوانية أكثر تماسكاً ونشاطاً ويبدو أن كتّاب الموت أكثر حيوية من كتّاب الحياة» مستدلاً على ذلك بعدد إعادة التغريدات التي يحصل عليها نص حياة في مقابل العدد الهائل لإعادة التغريدات التي تحصل عليها نصوص الموت.

وقال «لا بد لكتابة الحياة في ضوء ذلك من مراجعة مفاهيم مثل الحداثة والحرية والابتكار نحو التعميق ونحو التحويل النمطي إلى حياتي، أيضاً فإن تمثّل الحداثة في حياتنا مهم ففي الطرف العدواني المضاد هناك من يلعن الظلام ولا يشعل شمعة وهناك من يقرأ الكتب بما فيها الكتب المقدسة على ضوء المصباح الكهربائي وفي الوقت نفسه يلعن أديسون(الكافر)».

وكشف الصايغ عن أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مغذياً رئيسياً لبث الفتنة والفُرقة والشتات مثل الطائفية وغيرها من المحن التي يعيشها العالم العربي، إذ يقول «خذ مثالاً شاهداً فتنة التطيف والطائفية في أوطاننا. هل كنا نصل إلى هذا الوضع الذي يشبه الهاوية لو أن وسائل التواصل لم تكن أصلاً».

وأوصى الكتاب والمثقفين بـ «وعي تحويلات الواقع ومسارات التجديد وإيصال صوتنا وإبداعنا إلى الآخر» مثمناً مبادرة حاكم الشارقة بتخصيص جائزة كبرى للترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى، مشيراً إلى أن حركة الترجمة العكسية أي من اللغات الحية إلى العربية وحدها «يؤشر إلى عدم ثقة بالإنتاج العربي كأن الكتابة في اللغات الأخرى في حد ذاتها ضمان أو معيار».

موني محسن: أتهكم… ولا أسخر

بعدها انتقل الحديث للكاتبة والصحافية الباكستانية موني محسن التي كتبت روايتين وألفت عدداً من الكتب من بينها «يوميات فراشة اجتماعية» و «عودة الفراشة»، وهما كتابان يتضمنان رؤى متفرقة ويرتكزان على عمودها الأسبوعي. تكتب في عدد من الصحف منها الغارديان والإندبندنت.

موني تحدثت عن كيف يمكن للكتابة الساخرة أن تتحدى الراهن الموجود، قائلة «لا أعتبر نفسي كاتبة ساخرة، بل كاتبة متهكمة، والتهكم أسلوب من أساليب الكتابة أحاول من خلاله عكس الحقيقة كاملة، وكشف زيف ونفاق المجتمع مستخدمة في ذلك خفة الظل». وأضافت «أُومن بصعوبة الفصل بين الكتابة والوقع، كما أؤكد أنني لست واعظة، بل كاتبة لا تهرب من الواقع وتعكسه بكل تجرد من خلال كتاباتها».

بعدها قرأت موني مقتطفات من روايتها «مذكرات فراشة اجتماعية» التي تضم مقالات صحافية نشرت في صحف باكستانية، تقول موني «تأتي هذه المقالات على لسان سيدة مجتمع لم تحصل على تعليم جيد وتعيش في باكستان في ظلال زوجها الثري» وتكمل «المجتمع الباكستاني تواجهه مشاكل كثيرة، وفي الثلاثين سنة الأخيرة شهدنا تغير النسيج المجتمعي بسبب تزايد اللاتسامح الديني. أصبح المجتمع عنيفاً وأصبحت الحياة غير آمنة. هذه هي التحديات التي أحاول أن أضمنها في مقالاتي، بأسلوب ظريف حيث أجعل هذه المرأة تكتب عن الأمور بالطريقة التي تراها».

وتوضح «هذه المرأة مثل كثيرين في المجتمع الباكستاني تحاول أن تفصل نفسها عما يحدث في مجتمعها بالعيش وراء أسوار عالية وإحياء الحفلات وفعل كل ما يناقض واقع مجتمعه».

جون مكارثي: يجب أن نوثق قصصنا الفردية

أخيراً تحدث الكاتب والصحافي جون مكارثي الذي اختطف عام 1986 عند ما كان يغطي الحرب الأهلية في لبنان، من قبل مسلحين لبنانين واحتجز رهينة لمدة 1943 يوماً وعرضت تجربته في فيلم «رحلة عمياء» وفي عديد من الكتب وهو راعي منظمة الخلاص من التعذيب.

سرد مكارثي تجربته مع الاختطاف، مشيراً إلى أن هذه التجربة المرة جعلته يدخل إلى عالم الكتابة الأدبية من بوابة الصحافة التي قادته للاعتقال، يقول «لم أكن أتوقع أن أمر بمثل هذه التجربة، كنت صحافياً صغيراً وساذجاً. وكان المواطنون الغربيون يختطفون حينها ولم يكن أحد يعرف لماذا. بعدها أصبحت واحداً منهم» وأضاف «تجربة الاختطاف أفادتني كثيراً في قراءة الواقع الذي يدور في منطقة الشرق الأوسط، وأعطتني منظوراً جديداً لما يشعر به أصحاب الحقوق المشروعة في كل دول العالم من اضطهاد وظلم، وما يعانون منه في مخيمات اللجوء ودول المهجر. قادني ذلك الشعور إلى تأليف كتاب يوثق هذه المرحلة المهمة من حياتي، استطعت من خلاله أن أُحول هذه التجربة التي عايشتها وما تزخر به من قصص إلى عمل أدبي، لم أسرد فيه تجربتي الشخصية فحسب بل عكست فيه المعاناة التي يتعرض لها ملاين البشر في مختلف أنحاء العالم».

وكشف مكارثي عن أهمية توثيق وسرد القصص الفردية في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى، خاصة وأننا نعيش في عصر الأزمات الذي بتنا فيه في كثير من الأحيان كالجمادات، فالفظاعات التي تحدث فيه أصبحت لا تحرك فينا ساكناً، بل صرنا نتلذذ بمشاهد التخريب والدمار، والقتل والتمثيل بالجثث، وأكد على أنه ومن خلال الكتابة يمكن أن نغيّر من هذه السلوكيات الخاطئة التي تتعارض تماماً مع الفطرة الإنسانية السليمة.

العدد 4851 – السبت 19 ديسمبر 2015م الموافق 08 ربيع الاول 1437هـ

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s