تنافس عرضه “وعاشوا عيشة سعيدة” على جوائز “أيام الشارقة” … المخرج المسرحي العراقي كاظم نصّار: الغرائبية نفرت الجمهور من المسرح

الشارقة – منصورة عبدالأمير

12049709_10154590248648265_4663099918280892937_n

يؤكد المخرج العراقي كاظم نصّار أن مزجه العبث بالواقعية في مسرحية “وعاشوا عيشة سعيدة”، جاء لأنه يريد أن يعمل صلة بالمتلقي، مشيرا إلى أن الجمهور من حقه أن يفهم الأرضية التي يتحرك عليها العرض بدل أن يتوه مع الأساليب المسرحية التي يستخدمها المخرج.

نصّار أخرج مسرحيته لمسرح كلباء بتكليف من دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، لتتنافس على جوائز أيام الشارقة المسرحية (17-17 مارس/آذار 2016).

التقته “الوسط” قبيل تقديم عرضه المسرحي، ليدور معه حوار حول عمله المتنافس، أسلوبه الإخراجي وتجربته العراقية.

  • تتعاون مع مسرح كلباء الإماراتي، وهي المرة الأولى التي تخرج فيها عملا غير عراقي، ما أهمية هذه التجربة بالنسبة لك

تم الإتفاق معي من قبل دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة لإنجاز عمل مسرحي مع مسرح كلباء للمشاركة في “أيام الشارقة المسرحية”. هذا الإتفاق جاء بهدف تطوير المسارح التي يوجد بها حركة مسرحية جيدة لكن تحتاج لخبرات جديدة. المشروع بدأ منذ عام تقريبا، واعطيت صلاحيات ان أحضر ممثلات على اعتبار ان الحضور النسائي قليل في مسرح كلباء، وأن أحضر سينوغرافي محترف من العراق، وأن اختار النص وهو نص عراقي ايضا للكاتب علي الزيدي، وهو كاتب له صدى في العروض العربية وتم الإشتغال على نصوصه كثيرا.

هذه التجربة مهمة جدا بالنسبة لي، ما يميزها هو انها تجربة عربية أخوضها للمرة الأولى. عادة اشتغل مع ممثلين عراقيين محترفين، في هذه المرة هناك تنوع وتعدد ثقافي فأنا أعمل مع ممثلين شباب لهم تجارب سابقة من الإمارات والأردن، وأنا أعرض في مهرجان محلي وأمام جمهور مختلف وهي تجربة لم أخضها كثيرا. لا أخفي عليك، التجربة بها صعوبات حاولت أن أذللها وأتغلب عليها، وآمل أن تكون النتائج تليق بي وبمسرح كلباء، وسأراقب كيف يتلقى هذا الجمهور المختلف مزاج عرضي.

  • عما يتحدث العرض، وأي موضوعات يناقشها علي الزيدي في نصه؟

فكرة النص تتحدث عن الإنتظار، وهو مفهوم وفكرة تم تناولها كثيرا، لكن في هذا العرض المسرحي لم تكن الفكرة هي الأهم، بل كيفية تقديمها. النص يتحدث عن عروستين في صالون تبحثان عن الفرح والسعادة والأمل، لكنهما تصابان بالخيبة من التغيير الذي حدث في العالم العربي وهو ما سيجده المتفرج في خلفية العرض. هناك بنية اجتماعية متحركة عبر هاتين العروستين وهناك إلى جانب ذلك صاحب الصالون وعامل الصالون. نرى معاناة هؤلاء جميعا ورعبهم وقلقهم وخيبتهم ونستمع لحكاياتهم. لم أكن ملزماً بأن أقدم كامل حكاياتهم لكني أخذت مقطع عرضي من هذه الحكايات واشتغلت عليها بطريقة يبدو  لي، كمراقب، انها مختلفة قليلا في مزاجها المسرحي عن العروض الاماراتية التي تابعتها، وهو مزاج يجمع بين مسرح العبث والمسرح الواقعي وبين طريقتي الإخراجية. لا أقول أن عرضي أهم لكنه مختلف عن باقي عروض المهرجان في طريقة معالجته المختلفة.

  • ما هي المعالجة المختلفة التي يمكنك تقديمها لأفكار النص التي تبدو مألوفة ومكررة مسرحيا

نعم أفكار الانتظار والحب والسعادة والأمل قدمت كثيرا، الجديد الذي يمكن أن أقدمه سيكون في معالجة الفكرة، والمخرج مطالب دائما بأن يقدم معالجة وليس فكرة. أقدم هذه الأفكار عبر العبث الممزوج بالواقعية. وأنا أختار الواقعية لحرصي على أن أعمل صلة بالمتلقي بدل أن أذهب إلى الجنون، إذ يجب عمل ارضية لهذا الجنون وللتفاهم مع المتلقي وإلا سيتوه مني خاصة في مهرجان مثل هذا فأنا لن أتنافس وفق المنطق التقني ومن حق الجمهور أن يفهم الأرضية التي أتحرك عليها ومن ثم أذهب إلى ما أريد من أساليب قد يؤدي تعددها إلى حدوث خلط لدى المتلقي.

  • يبدو وكأن المسرحيون يلجئون لمسرح العبث كلما استبد بهم اليأس من التغيير ومن تجاوز احباطات الواقع حولهم، وكأنهم يشكل لهم مهرباً من الواقع لكيلا يتعرضوا له على المسرح. ما موقفك أنت كمخرج ذو باع طويل ومعروف عنك وعيك وثقافات بالاتجاهات المسرحية المختلفة؟

اشتغلت على مسرح العبث منذ بداية التسعينات، ولذلك علاقة بوضعنا في العراق، وبحياة ما بعد الحرب والتغييرات التي طرأت على الأفراد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. قدمت عدد من العروض بهذا الاتجاه، حصلت على جوائز عديدة وحققت حضور عربي. بعد عام 2003 وبعد التغيير في العراق اصبح لدينا في العراق، انفتاح قليل في اختيار نصوص تراقب الظواهر المتغيرة سياسياً، وهنا أصبح عملي مختلفاً في أساليبه وفي معالجته لقضايا مثل الإرهاب والعنف والديكتاتورية والهجرة. هذه الملفات اتناولها ولكن ليس على حساب المستوى  الفني، وهو أهم من الفكرة.  لجأت إلى ما يسمى في السابق بالكابريه السياسي الذي يعتمد على الكوميديا السوداء.

بالنسبة لنص “وعاشوا عيشة سعيدة”، وجدت نفسي منساق لهذا النص وحيثياته وجماله وعلاقته بالربيع العربي. وهنا لم أذهب لتقنية مسرح العبث بطرا وإنما لأنها الأفضل لمعالجة النص. نحن نلجئ للعبث عند ما نصل الى حائط أو نهايات مسدودة. عند ما نصل الى حياة متكررة مغلقة، نعالجها عبر السخرية والكوميديا أو العبث.

في معالجتي، ستجدين ملامح لمسرح العبث ولكن الواقع يطغى، لا استطيع ان اذهب بعيدا، فهذه ليست مباراة في الاساليب والتقينات وانما المهم هو كيف أخلق تواصل مع المتلقي وأرتفع به.

 أما اللجوء الدائم إلى العبث بعد الإحباطات، فأنا لست ضد الأساليب، من حق أي مخرج استخدام الأسلوب الذي يرغب على شرط إلا يؤدي ذلك إلى فقدان المسرح لجمهوره، وهو ما حصل في مصر وفي العراق وفي أماكن أخرى حيث فقد المسرح جمهوره وتسيد المسرح التجاري. رغم ذلك، أرى أنه إذا يجب أن يهتم المسرحي بكسر الفجوات بينه وبين المتلقي.

في التسعينات، قمنا بتقزيم الجمهور العراقي، ولذا ذهب جمهورنا للمسرح التجاري، لأننا اخترنا الغرائبية والعبث، بعد عام 2003 وبعد ان اصبح كل شيء مفتوحاً ورفع المحظور، انتبهنا، أنا وبعض زملائي المسرحيين إلى أن الناس تتنتظر أن ترى جزء من نفسها على المسرح ويجب ألا نعمل لها غربة مضاعفة مع المسرح. بالطبع يجب ألا يكون ذلك على حساب الجانب الفني، لكن يجب أن نركز على إغراء الجمهور ليترك استرخاءه أمام التلفزيون ويأتي الى المسرح.

  • تتحدث عن مغريات كثيرة تتجاذب الجمهور وتأخذه بعيداً عن المسرح. برأيك هل يفرض هذا الأمر أي مسئولية على المسرحيين لإعادة الجمهور إلى المسرح ولإستغلال المسرح لإحداث تغيير مجتمعي ما؟

نعم، هذا السؤال يحملني مسئولية. طوال تاريخه أحدث المسرح تغيير وتأثير لكن بشكل سلحفاتي ومحدود. لا أريد أن أتبجح هنا وأقول أن المسرح غير أو ما شابه، هو يهذب الذات جمالياً ويرتقي بالذوق العام.  الحضور إلى المسرح بحد ذاته كما كان يحدث في السبعينات حين كانت العائلة ترتدي أفضل ما لديها لتذهب إلى المسرح، هذا الأمر لوحده يشكل قمع للعنف، وللنزعة الفردية الغريزية للقبح والتدمير. لا أريد أن أصبح طوباوي لكن التغيير يحدث حين يتمكن المسرح من خلق قاعدة جماهيرية كبيرة، وجمهور المسرح اليوم هو من الصحافيين والفنانين فقط. لم نخلق صلة حاسمة مع المتلقي، وحتى اليوم هناك شك عما هو المسرح، وما وظيفته.

  • ألا تتفق معي في أن المسرح هو الفن الوحيد الذي يمكنه أن يصمد أمام ضغوط التحول الى الجانب التجاري، لو كان هناك جدية أكبر من المسرحيين ووعي أفضل بضرورة القضاء على غربة الجماهير مع المسرح.

يأتي هذا الأمر ضمن المساعي الشخصية. سأطرح تجربتنا كمسرحيين عراقيين. تعرفين أن العراق كان محاصراً لمدة 13 عام، وكنا نمر بظروف معيشية صعبة للغاية، كانت العائلة تبيع مقتنياتها وصولا إلى أعضائها لتعيش. في ظل هذا الأمر ما الذي يمكنك فعله كمسرحي، لذلك أمسك بعضنا بأعمدة المسرح العراقي، وأنا واحد منهم.  كنا نؤمن بأن الذهاب بالمسرح الى المنطقة التجارية يعني أن تتفهه، أن تأخذه إلى منطقة يرفضها، وأشخاص لا علاقة لهم به. لكن لتحقق هذا الأمر تحتاج لأشخاص زاهدين لديهم حب لبلدهم ولقضيتهم العربية ولقيم العدالة والحق والمساواة، وهي أمور لا تجد لها سوقاً اليوم.

الأمر يحتاج لوضع استراتيجية تلقي تقرب الجمهور منك، للإهتمام بالمرتكزات الأساسية للمسرح في العالم العربي، فليس هناك مسرح بدون حرية، بالإضافة إلى ذلك يجب أن تكون هناك رؤية استراتيحية مسرحية، لا يمكن أن تسير الأمور بتقديم عروض وحسب. الركن الثالث هو أن توجد إدارات ثقافية مدربة، وهو أمر أصبح علماً خاصاً ولا يمكن أن يتم “بالتفاطن”. الركن الرابع هو تأمين تمويل منظم للمسرح لا أن يتم الأمر بالمكارم والهبات. الركن الخامس هو تأسيس البنى التحتية للمسرح، وهذا الأمر موجود في دول عربية كثيرة، في الشارقة، وفي أبوظبي وفي البحرين.

  • أشرت إلى تجربتكم كمسرحيين عراقيين في التسعينات، كيف استطعتم ان تصمدوا بالمسرح ا في ظل ظروف التسعينات، ثم كيف اعدتم الروح واشعلتم جذوتها فيه من جديد؟

لنكن موضوعين، لم نكن نعيش في التسعينات، كان هناك حصار ولدينا مشاكل مع كل جيراننا. لدينا أزمة اقتصادية خطيرة، عاطلين، وهناك قتل وموت يومي. هناك اشخاص يموتون بسبب نقص الغذاء. ما الذي يستطيع أن يفعله المسرح في هذا الوضع؟ اغلب المسرحيين ذهبوا الى المسرح التجاري لكي يأكلوا. المجموعة التي رفضت الذهاب الى المسرح التجاري، وأنا واحد منهم، اطلق علينا المثاليين، ونحن نطلق على انفسنا المجانين، بقينا ورفضنا المشاركة في هذه المهزلة حتى لو جعنا.  انعكس ذلك على صحتنا وعلى اوضاعنا واوضاع عوائلنا واصبحت لدينا مشاكل اجتماعية مثل الطلاق وغيره. اليوم لا يعني هذا الأمر شيئا وسط كل المتغيرات السريعة. المسرح العراقي اليوم لا ينقصه شيئ، تلف عروضه العالم ويشاهدها الجميع.

– بعد تعاونك مع مسرح كلباء، كيف تجد التجربة المسرحية في دولة الامارات

التجربة الإماراتية متطورة كثيرا بسبب رسوخ المرتكزات الأساسية للمسرح التي ذكرتها في حديثي، وبسبب وجود الشارقة كمدينة مسرح جعلها حاكم الشارقة الدكتور القاسمي واحة للمسرحيين العرب. المسرح الإماراتي يتطور عاما بعد عام وبدأت بعض اسماءه تلمع وتنافس على الجوائز، وبدأت الفرق المسرحية فيه تتحرك وتتطور مثل فرقة مسرح كلباء التي اعمل بها والتي تأسست عام 1980 واستمرت منذ  ذلك الحين.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s