فيلم Rickie and the Flash :  مفاجأة من ستريب وابنتها … فقط!

منصورة عبدالأمير

ricki-and-the-flash-soundtrack-various-artists

تبهر الفنانة ميريل ستريب جمهورها دائماً بمواهبها ومهاراتها الفنية والأدائية العالية التي لا حصر لها. إذ إنه وبالإضافة إلى كونها ممثلة قديرة  متمكنة من تقمص أصعب الشخصيات وتقديمها بشكل مقنع للغاية، وهو ما أكسبها ما يقرب من 163 جائزة وتكريم من مختلف المهرجانات والمحافل السينمائية الدولية الهامة وما يزيد على 300 ترشيح لجوائز أخرى، فإنها تفاجئ جمهورها بين الفينة والأخرى بمهارات وقدرات جديدة قد لا تخطر على بال أحد، على الأخص وهي تناهز عامها السادس والستين.

آخر مفاجآتها تلك، جاءت عبر واحد من آخر أفلامها هو فيلم Rickie and the Flash  (2015) الذي تظهر فيه في دور مغنية روك، تعزف على الجيتار وتؤدي مختلف أغنيات الروك ومن بينها أغنية ليدي غاغا Bad Romance  . نعم تؤدي ستريب نفسها الأغنيات وتعزف هي بنفسها على الغيتار. بالطبع هذه ليست المرة الأولى التي تغني فيها ستريب في أفلامها، شاهدناها مسبقاً في Mamma Mia  (2008) الذي قدمت فيه استعراضات غنائية رائعة وبدت خفيفة ومرنة الحركة بشكل قد لا يتناسب مع عمرها حين أدت الدور، حيث كانت في نهاية خمسيناتها حينها. كذلك غنت ستريب في فيلم Into the Woods  (2014) وحصلت على جائزة عن أداءها في هذا الفيلم وعدد من الترشيحات لجوائز أخرى أهمها أوسكار أفضل ممثلة في دور مساعد. لكن في هذا الفيلم Rickie and the Flash تبدو ستريب أكثر إثارة وإبهارا لجمهورها فهي لا تكتفي بالغناء لكنها تعزف الجيتار بشكل جيد أيضاً.

تؤدي ستريب في الفيلم الكوميدي الدرامي دور ريكي، نجمة الروك التي تترك عائلتها في شبابها لتلاحق حلم نجومتيها ذاك. بالطبع تخسر كل شيء بدءا من زوجها بيت (كيفن كلاين)، وصولا لأبناءها الثلاثة جولي (مامي غومر)، وجوشوا (سباستيان ستان) وآدم (نيك ويسترات). تنقطع العلاقة تماما بينها وبين أفراد أسرتها لكنها تحصل يوماً على فرصة لتصحيح اخطائها.

ليس هناك الكثير للتحدث عنه في هذا الفيلم، بل ربما أفسدت كتابتي متعة الفيلم “القليلة” التي سيجدها مشاهده، لكن ما يميزه وما قد يعطيه وزنا هو أداء ميريل ستريب أولا ، الأداء القوي المتمكن الذي نتحدث عنه والإكتشاف الجديد في قدراتها اللانهائية، وثانيا الإكتشاف المبهر المتمثل في الممثلة مامي غومر التي تؤدي دور جولي ابنة ريكي في الفيلم.

الأمر المميز والطريف والذي ينبغي الإشارة إليه هو أن غومر هي في الواقع ابنة ستريب، كما هو في الفيلم. وعلى ما يبدو فقد ورثت غومر الكثير من موهبة والدتها وقدرتها على تقمص الشخصية مهما بلغت صعوبتها. فهاهي هنا تؤدي دور ابنة ريكي التي تخسر زوجها بعد ان يتركها من أجل إمرأة أخرى، فتصاب بحالة إكتئاب حادة، تتطلب أن يسعى والدها بيت للإتصال بوالدتها ريكي التي هجرتها منذ طفولتها وسافرت لتعيش في كاليفورنيا وذلك لتحضر إلى انديانابوليس حيث تعيش أسرتها، ولتحاول انقاذ ابنتها ومساعدتها على تخطي أزمتها.

غومر لا تتمكن وحسب من أداء دور الفتاة المكتئبة التي لا تغير ملابسها ولا تمشط شعرها والتي تظهر أمام الكاميرا بوجه باهت خال من أي من مساحيق، الكسيرة القلب الجريحة الغاضبة التي تود أن تصب جام غضبها على كل من حولها، لكنها تبرع أيضا في إيصال مشاعرها العدائية تجاه والدتها الناتجة من غضب سنوات طويلة وجروح قديمة. بدت غومر مقنعة تماما قوية في أداءها مبهرة في تمكنها.

لكن في مقابل أداء ستريب وابنتها، وعلى الرغم من وجود مخرج قوي للفيلم هو جوناثان ديم وهو ذاته مخرج أفلام تركت أثرها مثل صمت الخرفان Silence of the Lambs  ، فيلادلفيا Philadelphia ، وفيلم The Manchurian Candidate  وغيرها. رغم ذلك لن نشاهد فيلما قويا يبقى الكثير منه في الذاكرة بعد انتهاءه، ربما لانه حبكته السينمائية التي كتبتها ديابلو كودي ضعيفة، مهلهلة، ناهيك عن حواراته ومنطقه الكليشيهي المبتذل الذي يذكر بأفلام المراهقين.  ديابلو كتبت نصوص عدد من الأفلام لم ينل أي منها شهرة كبيرة، وعلى ما يبدو من نصها هذا فهي غير متمكنة من السيطرة على كتابتها السينمائية وامساك خيوط الحبكة السينمائية. ففي الوقت الذي بدأ فيه النص يغوص عميقا في تفاصيل مشاعر الأم وأبنائها والزوج وتأثيرات عودتها على حياة الأسرة، الأبناء على وجه الخصوص، وما خلقه ذلك من ألم في نفوسهم ظهر في صورة عداء أو تنكر للأم، واعتقدنا اننا سنسير بإتجاه معالجة درامية ناضجة، إذا بنا نجد الفيلم ينحو منحى سأسميه مضحكاً هزيلا. لدينا ريكي مثلا التي يرفضها  الجميع حين تزور ابنتها في انديانابوليس، بدءا من ابنتها وصولا لجميع المدعوين في حفل زفاف ابنها، إلا أنها تتمكن بشكل غير منطقي من كسب قلب ابنتها التي بدت ماقتة لوالدتها في مشهد اللقاء الأول بينهما. والفيلم يبرر ذلك بأن “الإبنة تحتاج والدتها في بعض الأحيان”!!.. وحتى الأبناء الذين بدا أحدهما معاديا بشكل كبير لوالدته فيما بدا الآخر خجلا منها أمام خطيبته، تقبلاها بشكل سريع وغير مبرر ولا منطقي حين حضرت الزفاف مع صديقها وزميلها في الفرقة غريغ (يقوم بدوره ريك سبرنغفيلد). المضحك أن الفيلم يجعل حتى المدعوين في حفل الزفاف ممن بدوا متعالين على وجود ريكي بدايه، كارهين تواجدها وصديقها في حفل الزفاف، حتى هؤلاء انخرطوا في حفلة رقص جماعي استجابة لأغنية قدمتها ريكي كهدية لإبنها وزوجته لأنها لا تملك شيئا آخر تقدمه لهم!!.

هذا الفيلم لا يملك الكثير، منطقه ضعيفة وحبكته مهلهلة، لن تتذكر الكثير منه حال خروجك. حسنته الوحيد تتمثل في أنه قدم مفاجأة جديدة من ستريب هي العزف على الغيتار، وأبرز موهبة ابنتها وابداعها وأثبت بأن “إبن الوز عوام”، والحق يقال فإنه لولاهما اي ميريل وابنتها، لما استحق الفيلم قضاء وقت مشاهدته.

.

أقيم معرضه “خفاء وتجلي” في مايو 2016 الفنان أحمد عنان: نعيش تناقضا حادا والمرأة هي السر والخبر

 العدلية – منصورة عبدالأمير

20160417_135844000_iOS

مرة أخرى يعود الفنان أحمد عنان للإشتغال على ثيمة المرأة في لوحاته.ذلك كان دأبه منذ سنوات طويلة، تحديداً منذ مطلع التسعينات.  وهاهو اليوم  يفتتح معرضه الشخصي “خفاء وتجلي” بما يقرب من 25 لوحة، تسيطر عليها شخوص نسائية أو لعلها ملامح لتلك الشخوص، وعنان يشير إلى أنه لن يجد ثيمة معبرة بشكل أفضل من هذه الثيمة التي اعتادها هو وعرفها عنه كل من يتابع أعماله.

“نساء” عنان يعدن معه في معرضه المقام بمساحة الرواق للفنون حتى 5 مايو\ آيار 2016، وعبر لوحات تتراوح أحجامها بين بين 185x مترين إلى اصغر اللوحات التي يبلغ حجمها 30 x  50. هذه المرة تعبر النساء، كما لم يفعلن سابقاً، عن ثيمة، يجدها عنان، نسائية بإمتياز، هي ثيمة الخفاء والتجلي.

“فضاءات” الوسط التقت عنان على هامش معرضه فدار الحوار التالي:

  • تعود إلى الشخوص النسائية في لوحات هذا المعرض مقدما المرأة بكل شخصياتها وبكل حالاتها وأشكالها، ما حكايتك مع النساء كثيمة، وكيف ربطت بينهن وبين ثيمة المعرض؟

هناك أسباب كثيرة، أولها أنني أحب أن أرسم المرأة لأنها الأفضل والأجمل ولأنها تشكل موضوعا مفتوحا وخصبا جدا ورمزا قويا جدا، للوطن، وللأرض، وللخصب، وغير ذلك. الفنانون منذ زمن اعتادوا رسم المرأة واتخذوها رمزا وإلها للجمال والخصب والحياة.

في هذا المعرض تأتي المرأة كرمز فهي حاملة الاسرار وهي مصدر الاخبار، هي السر وهي الخبر، هي التي تخفي نفسها وهي واضحة ظاهرة. هذا هو التضاد الذي يجمع بين المرأة وبين موضوع المعرض.

  • نساء لوحاتك غائبات الملامح، سواء ملامح الجسد أم ملامح الوجوه… هل تتعمد ذلك وهل للأمر علاقة بالخفاء والتجلي؟

نعم في احدى لوحاتي ارسم إمرأة ترتدي عباءة سوداء لكن جسدها ظاهراً لأعبر عن فكرة التضاد بين الخفاء والتجلي. في لوحة أخرى، تبدو المرأة غير واضحة، ملامحها موجودة ولكنها غير موجودة، أنا هنا أشير إلى ما بداخلها وهو المخفي وليس الظاهر وهو  المتجلي.  هكذا نحن جميعا، نضمر أشياء ونظهر أشياء أخرى، لكن يبقى السؤال هل ما نخفيه أجمل مما نظهره. ربما نظهر القبيح ونخفي الجميل أو العكس، وهذه معادلة صعبة ومسألة نسبية.

لوحاتي جمعت التضاد بين الخشونة والنعومة أيضا، الخشونة جاءت في ملمس اللوحة، وفي سطحها الذي استخدمت فيه نوعا خاصا من الكانفس اصنعه بنفسي ثم غطيتها بنشارة الخشب او التراب او مواد أخرى، أما النعومة فتأتي بالطبع من فكرة المرأة” ثم يعلق “إنه التضاد في المعنى بين الخفاء والتجلي.

بشكل عام لا أريد أن أفسر لوحاتي وأتحدث عنها كثيراً،  أريد من المتلقي ان ينظر الى العمل ويرسمه هو بنفسه. أنا أضع احساس الشكل واحساس المرأة وعلى المتلقي ان يكمل هذا الشكل ويضع له تفاصيل.  بالطبع هناك تجلي ووضوح في بعض اللوحات، وخفاء في البعض الآخر.

  • لكنك تميل إلى الخفاء أكثر من التجلي؟

نعم لأن الخفاء هو ما نعيشه، فكل شيء لدينا محرم، في مجتمعنا الصغير سواء أكان مجتمع القرية أو المدينة الصغيرة. لكي يسلم الإنسان عليه أن يكتم، حتى موروثنا الديني يحثنا على الكتم فنحن نكرر “اللهم لا تفضحني بخفي ما اطلعت عليه من سر”. البشر عموما يميلون الى اخفاء الحقائق وكتمها، إذ لربما يسبب اظهارها صدمة للآخرين أو حتى خطوره عليهم.

 بدأ عنان توظيف الثيمة النسائية واعتمادها في لوحاته منذ 25 عاما، كان ذلك بداية التسعينات لكنه يشير إلى أنه يستخدم هذه الثيمة بشكل مختلف وفي موضوع مختلف وفكرة أخرى في كل مرة، مستشهدا بمعرضه الشخصي الأخير الذي أقامه في المملكة العربية السعودية تحت عنوان “خصلة تعب” الذي عبر فيه  عن الدور الكبير الذي تقوم به المرأة في المجتمع في مقابل حرمانها من أبسط حقوقها.  مؤكداً “المرأة دائما موجودة في كل أعمالي وهي مرافقة لي طوال مسيرتي الفنية”.

يهتم عنان برسم النساء “الممتلئات” وعن ذلك يقول “المرأة الممتلئة كانت هي المرأة المثالية في فترة من الفترات، والفنانون عموما يحبون الشكل الممتلئ  للمرأ ة. قد أبالغ أنا في اسلوبي لأتميز عن الآخرين، كما إنه قد يكون لذلك علاقة بالبيئة التي نشأت فيها، حين كانت المرأة ترتدي العباية وتضع تحتها كل أشيائها ما يعطيها مظهراً ضخماً”.

في هذا المعرض استفزت بعض لوحات عنان، بعض متلقيها، حول ذلك يقول “اعتبر البعض اسلوبي جريئاً في تضمين بعض تفاصيل الجسد النسائي في لوحات هذا المعرض. وهذه حقيقة مشكلة نعاني منها كفنانين عرب، تتمثل في انه يجب علينا أن نرسم ما يفهمه المتلقي لا ما نريد أن نرسمه فعلا وإلا دخلنا في متاهات معقدة وحصلنا على انتقادات لاذعة من المتلقين العاديين”.

ويضيف “لمن استفزتهم بعض اللوحات أقول يجب أن يتثقف المتلقي العادي ليصل الى الفنان لا ان يطلب من الفنان ان ينزل اليه. عمل الفنانين له علاقة باحساسهم وفكرهم، وعلى المتلقي دائما أن يطلع ويثقف نفسه ليصل إلى هذا الحس والفكر”.

  • وظفت الألوان بشكل متقن للتعبير عن فكرة المعرض “الخفاء والتجلي”، قدمت معظم اللوحات بالأبيض والأسود، وأدخلت في بعضها ألوان زاهية، ثم عدت لتستخدم ألوان أكثر قتامة في لوحات اخرى؟

نحن نعيش في تناقض، أحاول أن أعكسه في لوحاتي، فتجدين مثلا تناقض بين الخشونة والنعومة، بين السواد والبياض، بين الظهور والخفاء. في لوحات الأبيض والأسود، يرمز الأسود للعتمة والظلام، أما الأبيض فهو النور الذي يسطع فنرى الحقيقة من خلاله.

استخدام الألوان الأخرى في مختلف اللوحات يأتي تبعا للحالة التي أمر بها حال رسمي اللوحة، فهذه اللوحات رسمتها على مدى عام كامل في 2015. إضافة إلى ذلك انا أحب التجريد وأحب العبث واللعب بالألوان وأحب أن أكدس لوحتي بالألوان.

كوريا الجنوبية … نظرة عن قرب (2) الطعام التقليدي في كوريا: رمزية خاصة.. مزايا صحية… و”حلال!!!”

سول – منصورة عبدالأمير

لم ينته اندهاشي بالثقافة الكورية التي دخلتها من بوابة طعامها عند اللقاء الأول، سأظل على انتظار دائم لمفاجآت المطبخ والطعام الكوريين، وثقافة الغذاء الكورية طوال فترة رحلتي التي قمت بها إلى مدينة سول بكوريا الجنوبية مطلع شهر أبريل/نيسان 2016. طيب الطعام الكوري ولذة طعمه كانا أول ما بهرني ولفت انتباهي لهذا الجزء الهام في الثقافة الكورية، لكن كما ذكرت في تقريري السابق الذي نشر يوم الأحد الماضي (17 أبريل 2016) حول رحلتي الى مدينة سول بكوريا الجنوبية، ستتجدد معطيات دهشتي طوال الستة أيام التي استغرقتها الرحلة. ولمن لم يطلع على الجزء الأول من التقرير، فقد قمت بزيارة سريعة إلى مدينة سول في كوريا الجنوبية بدعوة من وزارة الثقافة والرياضة والسياحة في كوريا الجنوبية، وذلك للإطلاع عن قرب على الثقافة الكورية.

كان الطعام كما ذكرت هو مدخلي الأول للثقافة الكورية، ولأنه، أي الطعام يحتل مساحة هامة في هذه الثقافة، فقد تعددت محطات التوقف عنده وسادت معظم الرحلة. في اليومين الأول والثاني تعرفت بشكل أولي على الطعام الكوري وتلذذت بأطباقه الشهية المتنوعة، ثم تعرفت على بعض وصفاته الشهية وصولا لآداب مائدته وبعض طقوسها.

في اليوم الثالث، كنت على موعد مع دهشة أخرى، هذه المرة جاءت عبر المطبخ الكوري التقليدي، هذا المطبخ الذي يعد أحد المفاتيح الرئيسية والمداخل الهامة لفهم ثقافة كوريا بشكل صحيح.  فالطعام التقليدي في أي بلد، على أية حال، هو نتاج إنساني يتأثر ببيئة وتاريخ أي بلد، ويعكس ثقافة شعبه وأسلوب حياة أهله.

حلويات كورية!!

تمتلك كوريا ثقافة طعام تقليدي مميزة، تم تطويرها على مدى خمسة آلاف عام. بدأ الإهتمام بها أخيرا مع تزايد الإهتمام العالمي العام بكوريا الجنوبية. اللقاء مع هذه الثقافة التقليدية جاء في ثالث أيام رحلتي عبر  معهد الطعام الكوري التقليدي Institute of Traditional Korean Food. أخبرتني مرافقاتي منسقة البرنامج رايتشل، والمترجمة كيم يونيس، بأنني سأحضر ثاني دروس تعلم الطهي الكوري في هذا المعهد. هذه المرة قالت يونيس سأتعلم كيف أطهو طبق حلويات كورية.

حلويات كورية؟ لكني لم أجد لها أثراً على أي مائدة حضرتها طوال اليومين الماضيين. فليكن ما يكون، لعل هناك طقوس خاصة بتقديم وتناول الحلويات لم أدركها بعد.

في المعهد التقيت بمديرته ميونغسوك لي، طرحت عليها تساؤلي ذاك، فإبتسمت وقالت “يطرح علينا هذا السؤال من قبل كثير من الأجانب، بكل تأكيد لدينا حلويات، لدينا 200 نوع مختلف من كعك الأرز ولدينا 250 نوع آخر من الحلويات التقليدية، ونحن نضيف المزيد من الوصفات باستمرار، وجميعها وصفات غنية ومتوازنة في قيمتها الغذائية”.

تذكرت حينها أن واحدة من أول المعلومات التي عرفتها حول المائدة الكورية هو أنها لا تراعي الترتيب في وضع الأطباق واحضارها، بل يتم وضع الأطباق جميعها دفعة واحدة. كان هناك حلويات إذن على الموائد التي حضرتها، لكنني لم أتعرف عليها!!

علمت من ميونغسوك لي أن معظم الحلويات تحضر من الأرز أو تحتويه كأحد مكوناتها الرئيسية، أشهر تلك الحلويات بالطبع هو كعك الأرز، والذي يعد اشهر الأطباق التقليدية الكورية، عالمياً، والذي تحتفي به كوريا بشكل خاص لدرجة أن تخصص له مساحة واسعة من التركيز على جدول نشاطات معهد الغذاء الكوري التقليدي.

حول معهد الطعام الكوري التقليدي تقول ميونغسوك لي “تم تأسيس المعهد خصيصا، قبل ثمانية عشر عاماً، على يد الدكتورة سوك يايون ، بهدف تطوير الطعام الكوري التقليدي والحفاظ عليه والترويج له عالمياً”.

تأسس المعهد عام 1998 ثم تحول في عام 2000 إلى مجموعة شركات حصلت على موافقة وزارة الغذاء والزراعة والغابات والثروة السمكية.

كما أشرت سابقاً، زيارتي للمعهد ولقائي بميونغسوك لي، كانا بهدف حضور ثاني دروس تعلم الطهي الكوري. في هذه المرة ستعلمني ميونغسوك لي كيف أحضر طبق حلويات كوري، هو طبق كعك الأرز بنكهة القرع. لن أخفيكم، كان طبقاً شهياً، حلواً، وخفيفاً، يحضر على شكل كعك صغير Muffins ، تناولت منه قطعتين، وأعطتني ميونغسوك لي حال مغادرتي المعهد مزيدا من هذه القطع. وهذه عادة كورية تقليدية، حيث لا يمكن أن يخرج الضيف دون أن يكون حاملا معه شيئا من الطعام.

ميونغسوك لي: نطور اطباقنا التقليدية

فيما كان طبق كعك الأرز ينضج على نار هادئة، تحدثت مع ميونغسوك لي حول الطعام الكوري التقليدي ومكانته الهامة في الثقافة الكورية بحيث يخصص له معهد خاص يحافظ عليه ويروجه للعالم، فقالت “الطعام التقليدي هو الذي كان موجودا منذ أكثر من ألفي عام حينما كانت كوريا مقسمة إلى دول صغيرة، واليوم لا نزال مهتمين بالحفاظ على هذا الطعام لكونه صحي وغني بكل أنواع المواد الغذائية كما إن له قدرات علاجية متعددة، وهو أمر مثبت علميا، وليس الأمر كذلك بالنسبة لنا نحن الكوريين فقط، ولكن هناك الكثير من الأجانب الذين يحبون الطعام الكوري بل إنهم يأتون إلى كوريا لتعلم كيفية تحضير الأطباق الكورية”.

يعمل المعهد، حيث تعمل ميونغسوك لي، على تطوير وصفات الطعام الكوري، والترويج لها في داخل كوريا وفي خارجها. تقول ميونغسوك لي “لدينا الكثير من كتب الوصفات الكورية التقليدية، وهي مترجمة الى ثمان لغات من بينها الانجليزية والعربية واليابانية والصينية والتشكية وغير ذلك. وقد عملنا على توحيد المواصفات في هذه الكتب وعلى تقديم الأطباق الكورية فيها بمكونات بديلة تتناسب مع ما هو متوفر في مختلف دول العالم”.

وتضيف “نقوم بعمل زيارات لجميع انحاء العالم بشكل منتظم وهناك ندرب الراغبين في تعلم الطهي الكوري على تحضير أطباقنا، سواء من أصحاب المطاعم الكورية أو من المهتمين بتعلم طهي الوصفات الكوري، وكل شيء مجاني، الدورس والكتب، بالإضافة إلى ذلك نوفر دروس جماعية للأجانب الذين يأتون إلى كوريا لتعلم المزيد عن الطعام الكوري”.

وحول الترويج للطعام التقليدي عالميا، تقول “قبل أن نروج للطعام الكوري في العالم، علينا أن نرسل خبرائنا الى تلك البلاد بشكل رسمي، ليقوموا بالتعرف على مذاق الناس هناك، وإيجاد مكونات بديلة للمكونات الأصلية التي لا توجد في خارج كوريا”.

من جانب آخر، يسعى المعهد إلى تطوير الأطباق الكورية التقليدية وجعلها مناسبة لذائقة الجيل الجديد، تقول ميونغسوك لي “نفهم أن مذاق هذا الطعام يجب أن يكون مناسباً للجيل الجديد ولذا نحاول اضافة مواد حديثة لتطوير الطعام التقليدي”

وحول أنواع الطعام الكوري التقليدي قالت “هناك ثمانية أنواع مختلفة من الطعام التقليدي الكوري، أهمها الطعام الملكي الذي يتم تحضيره في القصور الملكية قديما، والطعام الموسمي، فالأطعمة قديما كانت تختلف من موسم لآخر، بحسب ما ينتجه كل موسم من خضروات وأعشاب وحبوب”.

“أما النوع الثالث من الأطعمة التقليدية فهو طعام العائلة الكورية، ثم يأتي الطعام العلاجي وهو النوع الرابع، وبعدها يأتي الطعام المحلي إذ إنه وعلى الرغم من أننا دولة صغيرة، إلا إن كل منطقة فيها مكونات طبيعية تنتج وصفات مختلفة نسميها الطعام المحلي، وبعدها يأتي الطعام البوذي وهو طعام المعابد الذي لا يضم اللحوم وبعض المقادير الأخرى. أما النوع السابع فهو الذي يضم الحلويات التقليدية، فيما يخصص النوع الثامن للأطعمة المخمرة التي تضم مختلف أنواع الصلصات مثل صلصلة الفلفل الأحمر وصلصلة الصويا والكيمتشي وهو طعام مشهور عالميا يحبه الأجانب بل إنهم يتعلمون تحضيره بأنفسهم”، والكيمتشي كما تشير “طعام صحي، إذ ثبت أنه يقوي مناعة الإنسان، وقد أنجى كوريا من كارثة مرض السارس الذي انتشر في المنطقة كلها”.

كعك الأرز: رمزية وطقوس

عودة إلى كعك الأرز، الذي حضرت طبقه مع ميونغسوك لي، فقد علمت أنه من الأهمية بمكان في هذا المعهد بحيث ينشىء له متحفا خاصا هو متحف تتوك Tteok Museum ، الذي يشغل طابقين من طوابق مبنى المعهد ويعرض أنواع كعك الأرز الكثيرة المختلفة، كما يسرد تاريخه وطقوس تناوله وتقديمه.

عرفت من جولتي في المعرض، أن كعك الأرز (توك) Tteok  هو طبق يحضر من الأرز المطحون يتم غليه ثم يمزج مع الحبوب أو البقول أو الأعشاب أو المكسرات وغير ذلك من المكونات. يقدم الكعك بأشكال عديدة مختلفة، ويتم تناوله كجزء من الوجبة، أو يقدم بشكل خاص في بعض المناسبات الخاصة مثل حفلات أعياد الميلاد، وحفلات الزواج، والعطل الرسمية.

قديما كان لكعك الأرز رمزية خاصة في الثقافة الكورية، ولذا كانت طريقة تحضيره وتناوله تختلف باختلاف المعنى والرمزية اللتين تنسبان إليه، فكعك الأرز المغلي الأبيض الذي يقدم في الذكرى الأول لميلاد الطفل يرمز إلى العمر الطويل، أما الكعك الذي يمزج مع الفاصوليا الحمراء فيقدم حين بدء أي مشروع تجاري لإعتقاد الكوريين القدماء بأن اللون الأحمر يبطل الشر.

الأطعمة المخمرة شهية وصحية

أحد المفاتيح الرئيسية لفهم الطعام الكوري التقليدي ستكون عند التوقف عند عملية تخمير الطعام، وهي العملية التي تهدف لانضاج الطعام وتحسين مزاياه الغذائية. وتتراوح مدة تخمير الطعام بين أيام معدودة وصولا لسنوات طويلة قد تصل إلى 30 عاما، وتحدد فترة التخمير  نكهة الطعام ومذاقه. وتتضمن قائمة الأطعمة التي يتم تخميرها عجينة فول الصويا “تنجان” Doenjang، صلصة الصويا (كانيان) Ganjang، عجينة الفلفل الحار “التشيلي” (كوتشويان) Gochujang، صلصلة السمك المخمر (توتغا) Jeotgal، وغير ذلك من أنواع الخضروات والأعشاب، وبالطبع يأتي الكيمشي على رأس الأطعمة المخمرة وأشهرها.

الكيمشي مكافح للسرطان

في الآونة الأخيرة، اكتسب الكيمشي Kimichi شهرة عالمية كغذاء صحي مممثل لكوريا، ويرى الكوريون أن مزايا الكيمشي الصحية تتضمن قدرته على مكافحة الخلايا السرطانية، عدا عن قيمته الغذائية العالية. في عام 2006 اعتبرت مجلة Health Magazine  الأميركية، الكيمشي واحدا من خمسة أغذية هي الأغذية الأكثر صحية على وجه الأرض.

وتتنوع أشكال الكيمشي ونكهاته تبعاً لمكوناته، ويتم تحضير أشهر أنواعه بمزج الملفوف الأبيض المملح مع عجينة الكيمشي التي يتم تحضيرها من مسحوق الفلفل الحار والثوم والبصل الأخضر والفجل والزنجبيل الكوري وصلصلة السمك ومكونات أخرى مثل الطعام البحري الطازج. يؤكل الكيمشي عادة بعد تخميره وتمتد فترة التخمير لأيام عديدة على الرغم من أن بعض الكوريين يفضلون تناوله ناضجاً ويطلق عليه حينها (موغونجي) Mugeunji

وتختلف مكونات الكيمشي تبعاً للمنطقة التي يأتي منها، وتبعاً لتقاليد تلك المنطقة وعاداتها. في سول مثلا يشتهر كيمشي الفجل، والخس، والخردل.

للكيمشي وضعه الخاص في كوريا، وأنواعه الكثيرة التي لا حصر لها، التي تستدعي افتتاح متحف خاص به يتكون من عدة طوابق.

طعام كوري حلال!

كل ما عرفته عن الطعام الكوري كان مشجعاً لي على تناوله، لم يكن هناك غير عائق واحد، يتمثل في ضمان عدم احتواء أي طعام أتناوله على أية لحوم أو دجاج أو دهون حيوانية أو كحوليات. كان هذا همي الأول والأخير قبل تناول أي طعام، على الرغم من تأكيدات مرافقتاي لي بأن ما يقدمانه لي من طعام مضمون لعلمهما المسبق بجميع التحفظات الشرعية التي أحملها حول الطعام.

سيتغير موقفي بعد زيارتي لدائرة جديدة تم افتتاحها ضمن قسم تصدير الأغذية التابع للشركة الكورية للتجارة في الثروة السمكية والزراعية والأغذية Korea Agro-Fisheries & Food Trade Corp  وهي شركة تعمل تحت مظلة وزارة الغذاء والزراعة.

القسم المعني بتصدير مختلف أنواع الأغذية الكورية للعالم، أنشئ دائرة جديدة تعني بتصدير الأغذية الحلال لأسواق جديدة في العالم، وهي أسواق منطقة الشرق الأوسط، التي يبدو اقبال الناس فيها على استهلاك الأطعمة الكورية محدوداً في مقابل الاهتمام العالمي  بهذا الطعام والذي تزايد بشكل هائل في السنوات الأخيرة، منذ الطفرة التي أحدثتها كوريا الجنوبية في مجالات متنوعة. لعله شرط تناول الأغذية الحلال ما يقف حاجزا وحائلا دون اقبال المشترين في منطقة الشرق الأوسط على هذه الأطعمة وتفاعلهم مع ثقافة الطعام الكوري.

يشير مسئولو القسم إلى أن الإهتمام بأسواق الشرق الأوسط جاء بعد اتفاقية التعاون المبرمة مع وكالة حكومية في دولة الإمارات العربية المتحدة لتصدير أغذية “حلال” حاصلة على شهادات مصدقة من مؤسسات اسلامية شهيرة ومعترف بها، من بينها اتحاد المسلمين الكوريين Korean Muslim Federation  أو بعض الوكالات في ماليزيا أو أندونيسيا، عدا عن الجهات المسئولة في أي بلد يرغب باستيراد الأطعمة الكورية “الحلال”. وتتضمن قائمة الأطعمة التي تسعى الشركات الكورية إلى تصديرها لدول الشرق الأوسط النودلز، ومختلف المشروبات، والكيمتشي، وكعك الأرز المقلي.

تشجع هذه الدائرة الشركات الراغبة بدخول مجال تصدير الأطعمة الحلال لدول الشرق الأوسط عبر تقديم مختلف أنواع الدعم لهذه الشركات. ويتمثل هذا الدعم في “تقديم معلومات عن الأسواق المستهدفة، وتقديم جزء من الدعم المالي اللازم للحصول على شهادات تصديق الأطعمة “الحلال”، وأخيرا يتمثل الدعم في المشاركة في جميع المعارض والفعاليات المتعلقة بالغذاء في الدول المستهدفة للتصدير، عدا عن تنظيم بعض معارض الأطعمة الترويجية للطعام الكوري في الدول ذات الأسواق الكبيرة”.

ويتوقع المسئولون في هذه الدائرة أن ترتفع نسب تصدير الأطعمة الحلال لدول الشرق الأوسط في السنوات المقبلة، على الرغم من صعوبة دخول هذه الأسواق للقادمين الجدد بسبب حواجز كثيرة منها، كما يشير أحد المسئولين التواجد الكبير للمنتجات الأوربية والهندية وغيرها، في الإمارات مثلا، تصل نسبة الأغذية التي يتم استيرادها إلى 90% لكن معظمها من أوربا والهند واليابان وتايلند”.

أما الصعوبة الأخرى لدخول هذه الأسواق فتتعلق، كما يشير المسئول نفسه “بمذاق الناس في الشرق الاوسط وهو مختلف عن مذاق الناس في جنوب شرق آسيا، فهو أقرب للمذاق الأوربي والغربي. لدينا طعام كوري تقليدي مختلف جدا وهو ليس معروف وغير مفضل في منطقتكم”.

وعلى رغم تلك الصعوبات، يتوقع المسئول “أن ينمو معدل استيراد الأطعمة الحلال بشكل سريع ومنتظم، بفعل معارض الطعام التي تروج للطعام الكوري وكذلك بفضل مشاريع الدعم المالي التي نعتزم زيادتها وتقديم أفضل ما لدينا لتشجيع ودعم الشركات التي ترغب في دخول سوق تصدير الأطعمة الحلال أو الحصول على شهادات الطعام الحلال”.

فاز بطلاه بجائزتي أفضل تمثيل في مهرجان برلين … الفيلم البريطاني “45 عاماً”: لا حاجة للصخب العاطفي

منصورة عبدالأمير

45-years-poster

لا تحتاج السينما لكثير من الصخب الميللودرامي لتحدث أثرها المطلوب في نفس المشاهد. وعلى عكس الأعمال التلفزيونية أو حتى المسرحية، لن يكون هناك ضرورة لأداء صاخب من الممثلين أو لمؤثرات صوتية أو بصرية فاقعة أو ما شابه، لإيصال حالة سينمائية ما. في الواقع لا تحتاج السينما سوى لكاتب جيد ولمخرج ذو رؤية مختلفة، ولممثلين قادرين على تجسيد أدوارهم وإيصال إنفعالات الشخصيات التي يؤدوها بأكبر قدر ممكن من الإقناع.

في فيلم “45 عاماً” 45 Years ،  الفيلم الدرامي الرومانسي البريطاني، لم يحتج المخرج اندرو هاي لأي صخب لينقل للمشاهد ما يمكن أن تواجهه حياة زوجية هادئة من عواصف وإن طال زمن هدوءها واستقرارها. لن يكون نصه متخماً بالأحداث، ولن يصنف أبطاله لأشرار وأخيار، لجلادين وضحايا، لرجل قاس وإمرأة مضطهدة، كما هو النمط المتبع في الأعمال الميللودرامية. لن يبالغ في موسيقاه ولن يتعمد حشو الفيلم بمشاهد إثارة من أي نوع. سيقدم هاي فيلماً هادئاً متزناً في كل تفاصيله، مبنياً على سيناريو بناه هاي نفسه على قصة قصيرة للروائي البريطاني، الحاصل على عدة جوائز، ديفيد كونستانتين وهي بعنوان “في بلد آخر” In Another Country .

تدور أحداث الفيلم على مدى ستة أيام، يميزها هاي بعناوين فرعية تشير إلى أيام الأسبوع، بدءا من الإثنين وصولا إلى السبت. يسرد هاي في الفيلم تفاصيل الأيام الخمسة السابقة لإحتفال كيت وجيف بعيد زواجهما، الذي يأتي بعد خمس وأربعين عاماً من الحياة المستقرة الهادئة المتزنة.

وفيما تستعد كيت للتجهيز لحفلة كبيرة تدعو لها أصدقائهما وتقيمها في صالة حفلات كبيرة ذات قيمة تاريخية، يتلقى جيف رسالة تعيد لذهنه ماض بعيد، تفتح جراحات وذكريات مؤلمة، وتكشف للزوجين كم كانا غريبين طوال فترة قربهما.

تعيد الرسالة لجيف ذكرى حب قديم، انتهى بفقدان طرفه الآخر وهي كاتيا في حادث مؤلم في جبال الألب السويسرية. تحثه الرسالة على العودة لنبش ذكرى هذا الحب القديم، ويجد نفسه مضطرا وهو في هذا العمر وبصحته التي ضعفت بفعل عملية قلب، لأن يفصح لكيت عما لم يفصح به مسبقاً.

ولكي لا أفسد متعة المشاهدة عليكم، سأضطر إلى اختصار الحديث عن تفاصيل كثيرة من الفيلم، وسأكتفي بالقول بأن كيت وجيف يكتشفان فجأة أنهما يخفيان الكثير عن بعضهما، وأنهما بحاجة لأن يبدآ من جديد بعد عملية الكشف والبوح التي يعيشانها على مدى الخمسة أيام السابقة للاحتفال بذكرى زواجهما.

لكن عملية الكشف هذه، التي تبدو كصدمة في بعض تفاصيلها لكيت، لن تؤدي لأن تفقد هذه المرأة الستينية وقارها، ولن تطالعنا بمشاهد تذكرنا بالدراما الخليجية أو حتى العربية، إذ لن تنهار كيت، ولن نراها باكية فاقدة لإتزانها، لن تجرح جيف ولن يجرحها بالكلمات. نحن أمام علاقة واقعية في تفاصيلها، علاقة تشبه علاقاتنا في واقع الحياة، ولذا لن يتطلب نقل هذه التفاصيل افتعال أي صخب لإيصالها إلى المشاهد وإحداث الأثر المطلوب في نفسه.

فيلم هاي هادئ في كل مشاهده وفي كل حوراته، لا تتصاعد أحداثه بشكل دراماتيكي، لا يصرخ أبطاله، لا نسمع موسيقى حزينة في خلفيات مشاهده، لا تحدث بين كيت أو جيف أي صراعات ومعارك حب عنيفة. إنهما يتحاوران فقط، يفصحان لبعضهما عن كل ما لم يفعلاه سابقاً، ينقلان الحقيقة بكل عنفها وجراحها وما يمكن أن يكون لها من أثر على نفس الآخر، لكن بطريقة معبرة عن أرقى درجات الإنسانية والتحضر، يراعيان مشاعر بعضهما، يحترم أحدهما الآخر ويحرص كل منهما على الحفاظ على الإيقاع الهادئ المستقر في حياتهما.

يفصل هاي أحداث أيام الأسبوع، بمشهد لأراض زراعية منبسطة تتجول فيها كيت مع كلبها “ماكس”، تشبه تلك السهول المنبسطة الهادئة بوداعة واتزان، حياة كيت وجيف. علاقتها بالكلب في مختلف تلك المشاهدة وقدرتها على السيطرة عليه تشبه تماما قدرتها هي وجيف على الإمساك بزمام أمور حياتهما.

وكما لم يكن الفيلم صاخبا في طرحه، ولم يلجئ للإبتذال الدرامي ليحدث أثره المطلوب، كذلك جاءت نهايته هادئة مفتوحة، لم تكن نهاية سعيدة لكنها لم تكن حزينة أيضاً. لم يفترق الزوجان ولم نسمع حوارات حول الخيانة أو الكرامة أو ما شابه من ترهات مختلف الأعمال التي تقدم على الشاشات، صغيرها وكبيرها، لكننا سنجد جيف وكيت يحتفلان بعيد زواجهما وسط أصدقائهما. سنمسعه يلقي كلمة في حق زوجته، ستأتي كلماته حول قرارات الشباب التي ندفع ثمنها في شيخوختنا، ممتزجة بدموع لن يتمكن من كتمها، سيثبت ما قالته لينا، صديقة كيت، بأن الرجال في الواقع أضعف من النساء عاطفياً وأقل إتزاناً!.

ستكون كيت سلبية في تعاطيها مع دموع جيف، وستبدو منعزلة عن جو الحفلة، لكنها ستظل هادئة، وسيظل انفعالها محلا لقراءات مفتوحة من المشاهدين. هل تغفر لجيف اخفاءه حقيقة كاتيا بكل تفاصيلها، هل ستكون الحياة أفضل بعد عملية البوح تلك، وهل تستمر حالة الاستقرار والاتزان بعد ما حدث. ليس مطلوبا أن يجيب الفيلم على تلك الأسئلة، لكنها اسئلة مقترحة للتأمل من قبل مشاهديه، وهذا هو أفضل ما يمكن أن يحققه أي فيلم.

لن أعطي كل الفضل في بلاغة منطق هذا الفيلم وقوة تأثيره لمخرجه وهو كاتبه أيضا، وحسب، لكني أرى بأن الثقل الأكبر وقع على عاتق الممثلين الرئيسين تشارلوت رامبلينغ التي أدت دور كيت، وتوم كورتنيه الذي أدى دور الزوج جيف. كلاهما كانا قادرين على ايصال كل المشاعر المتضاربة والمتناقضة والانفعالات الكثيرة التي مرا بها طوال أيام، دون أي تكلف أو مبالغة. لم تصرخ كيت ولم تنهار باكية، ولم تأخذنا إلى أي مشاهد ابتزاز عاطفي، ولم يحتج جيف لأن يقدم صورة الرجل الخائف الهارب من ماضيه وربما من حاضره، ولم يحتج لأن يغادر المنزل في فورة غضب عارمة. لم يحتج الإثنان لأي أداء ميللودرامي “مبتذل”. رأيناهما شخصين واقعيين يعملان معاً على أن يواصلا الرحلة حتى نهايتها، ينقلان لنا أن ما بينهما ليس حباً وحسب، بل حياة استمرت لخمس واربعين عاماً، لا يمكن أن تهزها أي عاصفة.

أداء تشارلوت المدهش أكسبها جائزة الدب الفضي لأفضل ممثلة من مهرجان برلين الدولي للأفلام في دورته الخامسة والستين، كما حصل توم على جائزة أفضل ممثل في المهرجان نفسه. تشارلوت حصلت أيضا على ترشيح لأوسكار أفضل ممثلة في دور رئيسي، بالإضافة إلى فوزها بجوائز أخرى حصلت عليها من جمعية نقاد الأفلام في بوستون ومهرجان إدنبره وغير ذلك من المهرجانات. كذلك حصل الفيلم ومخرجه على جوائز وتكريمات عديدة، عدا عن الترشيحات الكثيرة التي تلقاها الفيلم، ولا عجب، فهذا الفيلم البريطاني المنتج عام 2015 يقدم حالة سينمائية لا تتكرر كثيراً.

 

 

 

عبر ورقة حول خصوصية المونودراما وضرورتها الفنان العراقي عزيز خيون: المونودراما تحتاج طاقة حصان وصبر نبي

منصورة عبدالأمير

355

أكد المخرج والفنان المسرحي العراقي عزيز خيون أن المونودراما وهو جنس مسرحي جديد، على رغم بداياته الأولى، الدينية والشعبية، “إلا إنه يرتدي قفطان الإثارة والحداثة” ويستفيد من معطيات الحاضر واكتشافاته وتقنياته وموضوعاته، مشيراً إلى أن هذا اللون “أهدى المخيال العالمي والعربي، تجارب وعناوين، تنوعت، ونصوص احتفظت وتمثلت مشكلات شتى، مما يقرره الواقع في جدليته الدائمة”، معارضا من يعتبر المونودراما “شكلا مسرحيا بسيطاً مملاً”.

جاء ذلك في ورقة بعنوان “ممثل المونودراما وخصوصية الأداء”، قدمها خيون خلال ندوة  حول “مسرح المونودراما والمسرح التقليدي”، وهي احدى الندوات التي تخللت مهرجان الفجيرة الدولي للفنون التي أقيمت دورته الأولى في شهر فبراير/شباط 2016.

وأشاد خيون، وهو أيضاً مؤسس ورئيس محترف بغداد المسرحي، بمبادرة الفجيرة للإحتفاء بفن المونودراما، معتبرا إياها واحدا من أهم مبادرات الإحتفاء بهذا الفن، مشيرا إلى أنها أفضت لمهرجان دولي “قدر لعدد من تجاربه أن تضيء منصات مسرحية في شتى مدن وعواصم العالم، عن طريق إبداع هذا التكوين المسرحي وهمة تلك الجماعة”، ناهيك عن استفزاز فن المونودراما “قرائح عدد من الكتاب، عالميين عرب “ما انتج نصوص وعروض مونودراما متنوعة”.

وأضاف خيون بأنه من المفارقات الغريبة، أنه في إطار اهتمام إمارة الفجيرة بفن المونودراما عبر تنظيمها لمهرجان دولي وهو مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما إلا أن هناك “أصوات تهب من هنا وهناك وتطلع بأحكام واجتهادات لا تمت لسماحة وديمقراطية فن المسرح وحريته بأية صلة، كأن تعتبر مثل أن المونودراما شكلا مسرحيا بسيطا ومملا لا يملك أن يشكل إثارة وجذبا، لأنه وكما يقولون أن أهمية المسرح تكمن في وجود قصة ثرية بخطوطها واجتماع شخصيات متنوعة في ألوانها ومتناقضة في إراداتها تحقق حالة الصراع المنشودة، والتي بدونها لا معنى لأية تجربة مسرحية، فماذا يمكن أن تقدمه مسرحية من فصل واحد وشخصية واحدة؟ ماذا تستطيع أن تصنع؟”.

ورداً على هذه الأصوات يرى عزيز أن “خصوصية فن المونودراما تكمن في الأسئلة أعلاه وفي خصوصية أداء الممثل في هذا الجنس المسرحي” مشيرا إلى أن هذا اللون من المسرح “جاء وليداً لظروف الإنسان ومعبرا عن هواجسه، أحزانه وهمومه، عن قلقه المحزن، بسبب تراجيديا الغزو والعدوان وتفتيت لآلئ الوجود، دمارا، هلاكاً وخرابا استهدف بناء البشري الداخلي والخارجي على السواء، طارده وزحف عليه حتى عزلته وحيدا يصارع فجائع، عذابات وخسارات روحه المستوحدة الخائفة حد الرعب، الهلع، حد الجنون، وهي تشوى بمقلاة الحروب، تهدده بالتهميش، بالعوز، والفاقة، ظروف كارثية ضغطت الإنسان المعاصر، بين مستطيلات كونكريت الوحدة، وجدران الإهمال والإلغاء”.

وأكد بأنه “إذا كانت ثمة تجارب مونودرامية أخطأت الهدف، فهذا ليس ذنب اللون المونودرامي نفسه الذي توفرت فيه معظم شروط الحالة المسرحية، إنما السبب ممكن تتحملة الجهة المنتجة، الفائدة أو العارضة، وهي الفرقة والمخرج، والممثل، وممكن يدخل كاتب النص ضلعاً رابعاً في تحمل مسئولية هذا الإخفاق”.

ونفى الإعتقاد بأن الإقبال على تقديم المونودراما، يعود إلى “بساطة كلفة الإنتاجية، وسهولة ويسر تحرك وتنقل فريقه في الزمان والمكان، وإن أي مشروع من هذا النوع، لا يحتاج سوى ممثل واحد ومخرج، مع توفر النص” وإن “أكبر تجربة مونودرامية، ممكن أن تزهر بمجهودات أربعة أفراد بعد أن نضيف إليهم مصمم السينوغرافيا والموسيقى والمؤثرات التعبيرية، أو أن ينجز هذه المهام كاملة المخرج ذاته، كأن يكون هو الكاتب والمخرج والممثل في الآن نفسه”.

وأكمل خيون بأن الواقع هو هذه التجربة المسرحية صعبة حد الخطورة بسبب “المتطلبات المعقدة والحلول الإبداعية المرهقة والخاصة جدا، التي يجب توفرها لكيما يتجاوز المشروع منطقة القلق، ومنها نوعية النص، موضوعه، زاوية التناول، وعملية التصميم والبناء، والمنتوج المسرحي والمونودرامي”. وقال بأن الأهم في تجربة المونودراما ليس توفر الميزانية اللازمة للإنتاج، بل “توفر الرصيد الإبداعي البشري، الممثل الذي يخاطر بدخول هاته التجربة”، مضيفا بأنه هذه الممثل “يجب أن يكون ذا جذب خاص، وسحر آخاذ، ويبقى محتفظاً بكرسيه حتى نهاية العرض” ووصف الممثل بأنه يجب أن يكون “لماحاً، مفكراً، لافتاً، بهياً،ـ ذو طلة مؤثرة، وصوت معافى وغني، وجسد مرن ومعبر، وحبذا لو توفر الممثل الشامل الذي يتمكن من فنون الغناء والرقص ومهارة لاعبي السيرك اضافة لتمثيله المميز”، وقال بأن المونودراما “لا ترحب بأنصاف الممثلين”.

وإلى جانب الممثل يتوجب، بحسب خيون، توفر “طاقة اخراجية خلاقة، صاحب رؤيا مفارقة، مخرج متمرس، يخاطر، ويقود هاته المعركة الجمالية”.

والآمر الآخر الذي يجب توفره لنجاح العرض المونودرامي، كما يضيف خيون، هي “الفرقة المسرحية التي تعرض إيمانها وثقتها وأموالها، لأنه من قال إن المونودراما لا تحتاج إلى سقف جيد، ينهض بها ويحقق لها شرطية الحياة”.

وقال بأن من يريد أن يخوض تجربة المونودراما، عليه أن يتحلى بخصلتين إثنتين “طاقة حصان، وصبر نبي” وإنه بدون وجود هذا الممثل “لا يمكن قيام التجربة المسرحية الفذة، مهما توفر لها من عناصر دافعة جهة التحقق”.

وحذر من تبسيط النظر للمونودراما وتقزيم حجم المهام اللازمة لإنجاز ها، موضحا أنه يتحدث عن يشير هنا إلى “المسرحية المونودرامية القائمة على سخونة الموضوع وسلطة الفعل وجدة الحدث والتنوع المثير، وهي طلبات تحققها القراءة التمثيلية المعاندة، والرؤيا الإخراجية المفارقة، التي تشاكس المتعارف، وترنو صوب قمة الجديد”.

وقال أخيراً أن المسرح المونودرامي هو مشروع “لمن يقرر أن يبحث ويجرب ويجدد ويطور ويشك بما توصل”.

كوريا الجنوبية … نظرة عن قرب الطعام الكوري: ثقافة كونفوشية وتناغم مع الطبيعة والمحيط  

سول – منصورة عبدالأمير

KakaoTalk_20160405_225746963

لن تتمكن حال زيارتك مدينة سول (وهكذا تُنطق بدلا من سيئول) من تجاوز محطة من أهم المحطات الثقافية في كوريا الجنوبية. ستتوقف طويلا عندها وستجد أنها مفتاحك الأول لفهم ثقافة وتراث وتقاليد، وجزء  لا يستهان به من تاريخ هذا البلد. حين تزور هذه المدينة القابعة بهدوء على نهر هان ستتفاجئ بها تكشف لك لغزاً يفتح لك أبواب ثقافتها على مصراعيه، ستأخذك من بوابة طعامها لتعرفها أكثر ولتحبها أكثر.

الطعام الكوري وثقافة طهيه وفلسفة تناوله وتقديمه، هي أحد أهم المحطات التي لا يملك الزائر أو المهتم بمدينة سول، إلا التوقف عندها. بالنسبة لي كان تلك محطة رئيسية سادت رحلتي إلى مدينة سول مطلع شهر أبريل/نيسان الجاري، وهي الرحلة التي جاءت بناءً على دعوة كريمة شرفتني بها وزارة الثقافة والرياضة والسياحة في كوريا الجنوبية، كأول صحافية بحرينية، تزور سول ضمن برنامج الوزارة الثقافي، وذلك للإطلاع عن قرب على جزء من الثقافة الكورية.

حقيقة الأمر هي أني لم أكن على دراية مسبقة بأهمية الطعام الكوري ودوره في الثقافة الكورية. أقلقني أمره، لاعتقاد خاطئ، لا أساس له، بأن طعمه سيئ. لكن ما عشته خلال رحلتي التي استغرقت ستة أيام، نسف كل تلك المعتقدات وأثبت عكس ذلك.

منذ مواجهتي الأولى مع هذا الطعام، علمت أن الكوريين يحملون اعتقاداً راسخاً بأن “الطعام هو أفضل دواء”، وبأنهما، أي الطعام والدواء، يأتيان من نفس المصدر ولذا تتشابه وظائفهما وأدوارهما. علمت أيضا أن الطعام الكوري طعام صحي للغاية جنّب كوريا شر الإصابة بأمراض اجتاحت دول كثيرة محيطة. يؤمن الكوريون، بأن الصحة والمرض يأتيان من الغذاء وكيفية تناوله. لعبت هذه الفكرة دورا في تطوير الأدوية الشعبية الكورية التي تعتمد أساساً على فكرة اللجوء إلى الدواء، فقط، حين يعجز الغذاء عن ذلك.

هذه الأهمية التي يعلقها الكوريون على الغذاء، وأشكاله، وتنوعات وصفاته، هي ما يمنح الطعام الكوري الأهمية التي أتحدث عنها، وهكذا كان الحال عندي، إذ إن الطعام كان هو محطتي الثقافية الأولى ولربما الرئيسية خلال هذه الرحلة الثقافية في سول.

اللقاء الأول … وزهور اللوتس

منذ مسائي الأول في سول، فاجأني المطبخ والطعام الكوري. لقاءي الأول معه كان عبر مطعم للنباتيين أخذتني إليه منسقتا البرنامج أليس كيم ورايتشل، حال وصولي المدينة.  كنت مرهقة بفعل رحلة الطيران الطويلة، لكنني وجدت أن رفض دعوة عشاء من هاتين الفتاتين اللطيفتين للغاية، سيكون أمرا غير لائقاً البتة.

تبدل الحال حين وصلنا المطعم، كانت ابتسامة موظف الاستقبال وأدبه الشديد وحفاوته بيننا كفيلة بأن تبدد كل الإرعاق. انحنى حال دخولنا وقال “أنيوهاسيو| (وتعني أهلا). بالمناسبة يتمتع الشعب الكوري بلطف ودماثة خلق عاليتين ستلحظهما ما أن تطئ قدماك أرض المطار.

بمجرد جلوسنا قُدمت لنا أكواب شاي الجنسنغ والمشروم البارد. علمت حينها أن الشاي يسبق كل وجبات الطعام في كوريا، ويشرب بارداً أو ساخناً. بداية لم أتحمس لشرب شاي بارد، على الأقل فيما معدتي تتضور جوعاً وتتوق للطعام، لكن تغير كل شيء بعد الرشفة الأولى. ووجدتني طوال ستة أيام هي عمر رحلتي، لا أتوقف عن شرب الشاب بكل أنواعه وخلطاته الكورية اللذيذة، بل إنني عدت محملة بأصناف مختلفة من هذا الشاي المختلف والمميز.

بعدها بدأت الأطباق تتوالى، علي أن أخبركم أن المائدة الكورية هي مائدة فخمة بتنوع أطباقها، الرئيسية والجانبية. في هذا المطعم النباتي، كانت كل أطباق مائدتنا نباتية، تعتمد الأرز والأعشاب والخضروات وبعض الأطعمة البحرية كمقادير لها. كانت كل الأطباق تبدو شهية ورائحتها طيبة لكني لا أعرف أياً من مقاديره، سوى سلطة سمك السلمون.

مضيفتاي كانتا حريصتين على شرح تفاصيل دقيقة لكل طبق على الطاولة، أكدتا لي باستمرار أنه لا لحوم ولا دجاج ولا كحول أو دهون حيوانية في طعامي.  مع السلمون ترددت، لا لشيئ إلا بسبب حساسية قديمة من الطعام البحري تحرمني من التلذذ بأنواعه. لكنني أمام منظر الطعام ورائحته، قررت المجازفة وليكن ما يكون.

لم يؤذني السلمون، وستكون تلك البداية المبشرة فاتحة خير لعلاقة طيبة مع طعام الكوريين، كما ستكون أول إشارة أتلقاها حول القيمة الصحية العالية لهذا الطعام. أعجبتني السلطة كثيرا فسألته عن وصفتها، علمت أنه تم سلق السلمون، تبريده، ثم خلطه مع الخضار، الممزوجة بصلصة الأترج “الترنج”. يومها عرفت أن الأترج فاكهة مهمة، تصنع منها صلصة لذيذة للسلطة، ويشرب شايها، باردا أو ساخنا، وهو شاي لذيذ ومختلف.

أغرب ما وجدت على المائدة كان طبق احتوى نوع من الخضار ذات الشكل الدائري الغريب، لم أحب شكله ولم أشىء تناوله، لكن أليس كيم اقنعتني بطيب طعمه. أخبرتني أنها جذور زهرة اللوتس المقلية، تناولتها على مضض، لكني ما أن تذوقت قطعة منها، حتى تناولت القطع الأربع في الطبق المخصص لي.

إلى جانب ذلك ضمت مائدتنا أنواع مختلفة، من أوراق الملفوف المحشية بالأرز والخضروات والتي يتم تناولها مع الكيمشي، وهو محطة هامة أخرى سأتوقف عندها في مقالات أخرى، وصولا لنودلز الأرز والجنسنغ المسلوق والسبانخ وما يشبه “كباب” الخضروات، وكثير من الخضروات المسلوقة أو المقلية والممزوجة بصلصة الفلفل الحار “التشيلي”.

هكذا كان اللقاء الأول مع الطعام الكوري، في هذا البلد الذي يعيش أربعة فصول ومواسم مختلفة. كانت هذه معلومة ترددت علي مرات عديدة طوال الستة أيام. عرفت مغزى تكرارها لاحقاً، وكونها ترمز لأن المطبخ الكوري النباتي أصلا غني بكل أصناف الأعشاب والحبوب والخضروات التي تختلف من فصل لآخر والتي توفر مكونات الأطباق الرئيسة والجانبية المتنوعة على المائدة الكورية. من جانب آخر، فإن موقع كوريا الجنوبية الجغرافي وحقيقة انفتاحها على البحر من ثلاث جهات يمنحها وفرة من الأسماك المتنوعة التي تشكل بدورها أساسا لقائمة لا حصر لها من الوصفات الشهية.

لم أندم حقيقة على قبول دعوة كيم ورايتشل وهي التي منحتني فرصة أول لقاء مع جزء لا يستهان به من ثقافة كوريا، الطعام الكوري، كما منحتني متعة التلذذ بالمائدة الكورية العامرة الفخمة بأطباقها اللذيذة المتنوعة ذات المزايا الصحية العالية.

كذلك لن يتوقف اندهاشي بطيب الطعام الكوري ولذة طعمه مع انتهاء تجربة اللقاء الأولى هذه، بل ستتواصل هذه الدهشة وستتجدد معطياتها طوال مدة رحلتي.

اللقاء الثاني… سوق كون دونغ

في ثاني أيام زيارتي، بدأت ألاحظ مدى اهتمام الكوريين بثقافة الطعام. برنامج اليوم يدور كله حول الطعام. الطعام الذي صنع الكوريون له ثقافة وتقاليد خاصة ترتبط بإرثهم التاريخي والديني،  ويكنون لها كثيراً من الاعتزاز والتقدير والاهتمام.

تقاليد الطعام الكوري هذه قديمة تعود إلى بدايات تأسيس كوريا قبل ثلاثة آلاف عام من ميلاد المسيح، تتأثر بمعتقدات أهلها البوذية،  التي تجعلهم يفضلون تناول الأرز والخضار على اللحوم، وبالثقافة الكونفوشية التي تركز على مفهوم تناغم الغذاء الذي يتناوله الكوريون وانسجامه مع الطبيعة والبيئة الاجتماعية والثقافية التي يعيشونها، وهو ما أنتج مطبخاً مراعياً لظروفه بيئته الموسمية والاقليمية، حريصا على تنويع مائدته بكل منتجات الطبيعة المحيطة مضمناً إياها كل روائح هذه الطبيعة وألوانها ومذاقاتها المتناقضة، مستفيدا من كل مزايا تلك الأطعمة الصحية عملا بمبدأ وحدة مصدر الغذاء والدواء السابق ذكره في هذا التقرير.

 تصادف يوم بدئي للبرنامج، الذي وافق 5 أبريل 2016، احتفال كوريا الجنوبية بيوم الشجرة حيث يعبر الكوريون عن اعتزاز خاص بالأشجار في هذا اليوم، ويزرع كل منهم نبتة صغيرة يواصل رعايتها طوال عام كامل.  في هذا اليوم كان موعدي الثاني مع الطعام الكوري، هذه المرة سأحضر ما أتناوله وسأحضر أحد دروس تعلم الطهي الكوري. بالمناسبة فإن بوابة الدخول إلى الثقافة الكورية تتم عبر الطعام، ليس تناولا فقط، بل بالتوقف طويلا عند أطباق المطبخ الكوري الشهية ومحاولة تعلم طهي بعض الوصفات. بالإضافة إلى ذلك فإن الطعام الكوري ودروس تعلم الطهي الكوري تتمتع بإقبال كبير ويلتحق بها طلبة من جميع أنحاء العالم يسجل بعضهم لحضور هذه الدروس عبر الإنترنت.

محطتي الأولى كانت في سوق كون دونغ المحلي Gyeongdong Market ، وهو أحد أشهر الأسواق الشعبية التي يمكن ابتياع مختلف أنواع الخضروات والحبوب والأغذية البحرية منها. زرت السوق بهدف شراء مكونات ومقادير أول طبق كوري سأقوم بتحضيره.

التقيت عبر هذه المحطة بالمترجمة يونيس كيون سنغ، التي أمتن لها كثيرا لتكفلها بنقل كل المعلومات التي قدمت لي من مختلف الأطراف، بحرفية عالية. بعدها جاء لقائي بالطاهية الكورية مينسون كيم التي ستقدم لي أول دروس الطهي الكوري، وهي مالكة مدرسة  Cooking Lab  OME لتعلم الطهي الكوري. ستكون مينسون كيم مسئولة عن اعطائي درس الطهي الكوري الأول في رحلتي هذه. انضمت إلينا مدرسة بريطانية، وموظفة اوربية، وفتاة صينية، كن قد سجلن لحصة تعلم الطهي الكوري هذه عبر الانترنت.

مدربتنا كيم مينسون تحمل شهادة في الطعام التقليدي من جامعة سوكمينوغ كما التحقت بدورات متخصصة في الطعام الكوري التقليدي وهي قد سافرت إلى أكثر من 20 دولة لتتعرف على الثقافات المختلفة والأطعمة المحلية للدول التي زارتها.

اخذتنا مينسون كيم في جولة في هذا السوق الشعبي المكتظ بمختلف أنواع الأعشاب والخضار التي لم أر شبيها لها في حياتي، ناهيك عن الأغذية البحرية المتعددة وخلطات الشاي الغريبة والمتنوعة وطيبة الطعم وغير ذلك من كل ما ينتج مذاقاً ونكهة خاصة لهذا السوق الشعبي. اقتنينا ما نحتاجه من مقادير للأطباق الكورية التي سنتعلم طريقة طهيها، وكانت ميسنون كيم قد قامت مسبقاً بشراء الدجاج من بائع مسلم مراعاة لوجودي في الفصل ولأتمكن من تناول طبق الدجاج. بعدها أخذتنا إلى مدرسة الطهي التي تملكها والتي لم تكن سوى مطعم صغير في نهاية زقاق ضيق، فأجاني بصغر حجمه، وبأنه لا يضم سوى مينسون كيم وعاملة تنظيف.

كان كل شيء في المطعم كوريا تقليديا، أثاثه، تصميمه وفكرة نزع الحذاء قبل دخول المطعم وارتداء خف منزلي مريح بدلا منه. بمجرد جلوسنا قدم لنا شاي الأترج، كان باردا ومنعشا وطيب الطعم. عادة يشرب الكوريون الشاي قبل بدءالوجبة.

قالت الطاهية أنها ستعتمد قاعدة هامة في درس الطهي الذي ستقدمه لنا وهي تضمين المذاقات الخمسة للطعام في الأطباق الكورية التي سنحضرها، وهي الحلو، والحاد، والمر، والمالح، والحار بفعل البهارات. أخبرتنا أن تجربة الطهي معها ستساعدنا على تذوق المذاقات الخمسة المختلفة الموجودة في الطعام الكوري.

تعلمنا في هذا الدرس عمل حساء الدجاج على الطريقة الكورية، وهو طبق غني بالأعشاب والخضروات وطيب الطعم كثيرا. لم تستغرق مدة تحضير الطعام فترة طويلة، بعدها جاءت المائدة عامرة بما لذ وطاب. احتوت المائدة ايضا على طبق حساء الخضروات، وكعك الأرز بالخضروات، والأرز الكوري المسلوق، والتوتوريمو وهو خليط مسحوق البندق والأرز الذي يقدم مع صلصلة التشيلي الحارة.

طقوس المائدة الكورية

لا تراعي المائدة الكورية تقديم أطباقها ضمن نسق أو ترتيب معين، بل تقدم جميع الأطباق الرئيسية والجانبية،  المالحة والحلوة وغير ذلك من مشروبات دفعة واحدة، إذ تملئ بها الطاولة دفعة واحدة. ويتم ترتيب الأطباق بحيث تخصص لكل شخص حصته من جميع الأطباق، ولذلك تبدو المائدة مليئة دائما بجميع الأشكال والألوان والروائح. توفر الأطباق الرئيسية والجانبية مجتمعة وجبة متوازناً تقدم للشخص جميع ما يحتاجه. وتتنوع الوصفات التي يقدم بها الطعام فهناك أطباق الأرز المطبوخ، وأنواع الشوربات المختلفة، والسلطات المتنوعة. وتختلف طرق طهي هذه الوصفات بين السلق أو الشواء أو القلي أو التشويح أو الطهي بالبخار أو الطهي البطيئ.

يحرض الكوريون أيضا على اضافة البهارات إلى طعامهم واضفاء تلك النكهة الكورية المميزة إليه. بالإضافة إلى ذلك يشتمل الطبق الكوري على البيض والمكسرات والمشروم. ومن الاضافات الهامة للمائدة الكورية الأطعمة المخمرة والمخزنة والموسمية وهي ما يجب أن يفرد له مساحة خاصة في حلقات مقبلة.

لم أندم على تلبية دعوة كيم ورايتشل، وسعدت كثيرا بالتعرف على الطعام الكوري النباتي في أغلبه، الصحي الذي أفقدني بضعة كيلوغرامات في غضون أسبوع. دهشت لما لاحظته من أن تناول الطعام بالنسبة للكوريين هو شأن ثقافي إلى جانب كونه حاجة طبيعية، وإن الأمر يرتكز أساساً حول كم التناغم الذي يصنعه الطعام مع البيئة المحيطة، ومع ثقافة وتاريخ هذا البلد.

تغيرت تصوراتي وأفكاري حول الطعام الكوري، وبدأت انسج معه علاقة خاصة ستتطور خلال أيام الرحلة القصيرة. سأخبركم بالمزيد عن هذه العلاقة الفريدة المميزة في حلقتي المقبلة بإذن الله.

فاز بسعفة “كان” الذهبية عام 2014 … الفيلم التركي “سبات شتوي”: حين تموت قلوبنا

منصورة عبدالأمير

الملصق

هل تقبل الأفلام السينمائية المشاهد ذات الحوارات الطويلة التي تضم تفاصيل كثيرة ومتشابكة حول الأحداث والمشاعر وكماً لا بأس به من المواعظ الاجتماعية والتحليلات الفلسفية وما إلى ذلك؟ وهل يجعل ذلك من المشهد السينمائي أقرب لفصل روائي أو حالة مسرحية؟ أم أن ما يهم في الحالة السينمائية، فعلا، هو نقلها عبر أكبر قدر ممكن من الإبهار البصري والتأثير النفسي. ويبقى السؤال الآخر حول كيفية تحقيق هذا الإبهار والتأثير وإن كان يأتي عبر صورة جميلة أم عبر أداء وتجسيد عال لشخصية ما أم حبكة متقنة أم نص عميق ذو رؤية فلسفية متبصره.

ربما يكون هذا أو ذاك، وهذا ما يحدث في الفيلم الدرامي التركي “غفوة شتاء” Winter Sleep  الذي تم انتاجه عام 2014 والذي يعد واحدا من أهم الأفلام التركية في السنوات الأخيرة، والذي تمكن من استيعاب كم لا بأس به من المشاهد الطويلة المتخمة، دون أن يحول ذلك من فوزه بجائزة السعفة الذهبية في الدورة 76 لمهرجان كان السينمائي. لا تتصاعد احداث الفيلم بشكل دراماتيكي ولا تصل الأمور فيه لأي عقدة أو ذروة، كما لا يتضمن كثيرا من عوامل الجذب السينمائية من مشاهد عاطفية بصرية أو غيرها، لكنه رغم ذلك لن يكون مملا لمشاهديه وان تجاوزت مدته 196 دقيقة أي ما يزيد على الثلاث ساعات.

بشكل أولي يبدو وكأن الفيلم يطرح قضية الفوارق الطبقية في منطقة الأناضول التركية “أناتوليا”، بين الغني والفقير، بين القوي والضعيف، لكن مع انقضاء الساعة الأولى، سنعرف أننا أمام سؤال أكبر، قد تبدو إجابته واضحة، لكنها لن تأتي إلا بالغوص في أعماق شخصيات الفيلم وبتفكيك تلك الشخصيات ومعرفة أساليب وفلسفة تفكيرها ونظرتها إلى الحياة وموقفها من الأشياء حولها، وهو ما فعله الفيلم عبر مشاهده ذات الحوارات الطويلة.

السؤال الذي يطرحه الفيلم يدور حول ما يمكن أن يحدث حين تغفو قلوبنا وتذهب في سبات عميق. حين لا نشعر بالآخر، حين تبدو حياتنا وكأنها تدور حول ذواتنا فقط. حين تكون اللامبالاة عنوانا لسلوكياتنا، حين ننتقد الآخرين بسطحية، بعجرفة وبلا أدنى شعور وتعاطف مع ظروفهم، فيما نجلس في مقاعدنا المريحة، ونتطلع إليهم من أبراجنا العاجية.

ذلك ما يحدث إيدن في الفيلم، الممثل السابق، الثري الذي يعتاش من عقارات كثيرة ورثها عن والده، والذي يعيش فندق صغير يقع في وسط جبال منطقة كابادوشيا التاريخية التي تقع في وسط الأناضول. تقاسمه السكن في الفندق زوجته نهال، التي تصغره بكثير، وشقيقته نيكيلا التي انفصلت أخيرا عن زوجها. إيدن الذي تهجر المشاعر روحه كما يهجر السواح فندقه بحلول فص الشتاء، تبدو غرفه قلبه خالية من أي إحساس إنساني، كما هي غرف فندقه تماما. ففيما يبدو الآخرين من حوله منشغلين بهموم حياتية مختلفة سواء من القرويين المطحونين أم من المتعلمين والمثقفين الذي يحملون هم مجتمعاتهم الصغيرة، أم من أفراد أسرته الصغيرة، يعيش إيدن حياة “شاعرية” مختلفة، يقضي وقته في كتابة الأعمدة لصحيفة محلية لا يقرأها كثيرون، حول موضوعات لا تهم أحداً، أو في البحث حول تاريخ المسرح التركي أملاً في تأليف كتاباً حول الموضوع.

لا يعرف كثيرا عن حياة القرويين الذين يستأجرون عقاراته المختلفة الواقعة أسفل الجبل، والتي يديرها هدايت، مساعده الخاص. لا يعرف ظروف عائلة إسماعيل وشقيقه حمدي التي تتعرض لخطر الطرد، ولا يكترث أصلا لمعرفة الأمر، لا يعرف أوضاع شقيقته نيكيلا النفسية التي تعاني من آثار طلاقها، ولا يعرف أي ضرر وأذى عاطفي ونفسي أحدثه بروح زوجته نهال التي ترغب بتركه لكم الانتقادات والاحباط الذي تواجهه منهه، ولا يكترث حتى بهدايت، الذي يبدو في أحد المشاهد مثقلا بحمل أمتعة إيدن وسط عاصفة ثلجية شديدة، غير قادر على التوازن فيما يحملها، منزلقاً بفعل الثلوج، فيما يتبعه إيدن خالي اليدين مرتاحاً منشغلا بكتابه حول المسرح.

قلب إيدين يعيش سباتا عميقا يمنعه من الإحساس بالآخرين، ويجعله يناقش في مقالاته إفتقاد الحس الجمالي في قرى الأناضول، غير مكترث لأن تلك القرى لا تجد أبسط إحتياجاتها الإنسانية.

يكشف الفيلم عن ذلك السبات عبر لقاء إيدين بثلاث شخصيات، إلياس الفتى الصغير، الغاضب من إيدن، المتسبب عبر هدايت، في التهديد بطرده وأسرته من منزلهم، والإلقاء بهم إلى الشارع لعدم تمكنهم من دفع إيجار شهور عديدة.

والشخصية الثانية هي نهال، زوجته التي تصغره بكثير والتي تفضل الانخراط في جمع التبرعات للأعمال الخيرية في القرى المجاورة، لكنها تواجه بالسخرية والانتقادات والتشكيك في قدرتها من قبل إيدين. أما الشخصية الثالثة فهي ليست سوى حصان بري أراد إيدين إقتناءه ليسمح لزوار فندقه بالتنزه عليه في فصل الربيع حين يبدأ موسم السياحة.

ولأن لا أحد يحب إيدن، يرفض الفتى الإعتذار منه، ويقع مغشيا عليه حين يجبره عمه، حمدي، على عل ذلك، وترفض نهال أي تبرع أو مساعدة منه بل وحتى تحذيراته من الآخرين، وهو الذي قتل بداخلها الكثير من الأمور طوال سنوات، وأخيراً يرفض الحصان البري أن يروضه إيدين.

وإلى جانب ذلك، ترفضه شقيقته وتتهمه بالإنعزال واللامبالاة بالآخرين، حين يثير حفيظتها بتخصيصه أحد مقالاته لإنتقاد حمدي، عم الفتى إلياس، الذي يتجشم عناء السير من القرية إلى فندق إيدين، لأيام متتالية، في محاولة للقاءه، فقط من أجل تقديم إعتذار بشأن حادث كسر زجاج السيارة الذي تسبب فيه الفتى. ينتقد إيدن الرجل ويتهمه بأنه لا يقدم نموذجا جيدا لمجتمعه.  من جانب آخر، تندلع بينه وبين نهال، محاورة فيها كثير من الكشف لجروح عاطفية أحدثها في نفسها عبر سنوات طويلة.  نهال التي تسعى لإعطاء حياتها الخالية مع إيدين، معنى بتفرغها لحملات جمع التبرعات اللأعمال الخيرية، تواجه من قبل إيدين الذي لا يتحمس لمشروعاتها، بكثير من السلبية والتحبيط، فهو لا يكتفي بأن لا يظهر الاهتمام بمثل هذا النشاط، لكنه يحبطها بانتقادتها بعدم اكتسابها لأي خبرة في إدارة مثل هذه الأمور محذرا إياها من الآخرين ممن تعامل معهم.  لا يعتذر الفتى لإيدين، ولا تقبل نهال أي وصاية عاطفية منه، وتتبرع بالمبلغ الكبير الذي تبرع به لحملتها الخيرية لأسرة اسماعيل وحمدي وإلياس، ويعود الحصان إلى البرية ثانية. يترك إيدين الحرية لنهال في أن ترحل من حياتهما، ويطلق الحصان، ويلغي سفره إلى اسطنبول. لكنه في مشهد أخير، يعود إلى المنزل، تحدق إليه نهال من نافذتها بصمت، ونسمعه يقول بأنه بأنه لا يمكن أن يعيش من دونها حتى وإن لم تعد تحبه. يؤخذ على الفيلم طول مشاهده وتضمينها حوارات طويلة، اتخذ بعضها طابعا فلسفيا، وهي على رغم أهميتها في تفكيك شخصيات الفيلم والكشف عن تفاصيل نفوسها ودواخلها، إلا أنها قسمت آراء النقاد حول جودة الفيلم، فمنهم من وجد أنها تسببت في ملل المشاهد وتطويل مدة عرض الفيلم، فيما وجدا آخرون ذلك ذكاء من المخرج نوري بيلج سيلان الذي أخذ العمل السينمائي لما وراء الحدود المتوقعة من قبل مشاهديه، ليسرد تماما تفاصيل ما يمكن أن يحدث حين تذهب قلوبنا في سبات. في المقابل، لا يمكن أبدا تجاهل الصورة السينمائية الآخاذة ومواقع التصوير الرائعة التي اخيارها المخرج مسرحا للفيلم. يشار إلى أن الفيلم مأخوذ عن قصة قصيرة بعنوان “الزوجة” The Wife  للكاتب الروسي انتون تشيكوف المعروف بكتابته للقصص القصيرة والمسرحيات.  وإضافة إلى فوزه بسعفة مهرجان كان، منحه المهرجان نفسه جائزة فيبرسكي، كما أختير ليمثل تركيا في الدورة 78 لحفل الأوسكار ضمن قائمة أفضل فيلم أجنبي، ولكنه لم يصل للقائمة النهائية لهذه الجائزة.

قدمت ضمن عروض “أيام الشارقة المسرحية” مرثية الوتر الخامس: الموسيقى صرخة في وجه فتاوى التكفير

الشارقة – منصورة عبدالأمير

“يأتي زرياب، وهالة من الأسئلة والاستفهام تعلو هامته. يعود مذكرا بأبجديات حياة، بعد أن علا ضجيج ماكنات الحرب، فوق أنات الوتر، وخيمت الأفكار الظلامية، لتحجب أنوار القناديل المبشرة بالأمل”.

بهذه الأسطر القليلة، يتحدث الكاتب الأردني مفلح العدواني عن مسرحيته المونودرامية “مرثية الوتر الخامس” التي قدمت ضمن عروض الدورة 26 من “أيام الشارقة المسرحية” (17-27 مارس/آذار 2016).

ويضيف العدواني “وسط هذا الصخب الدامي، يُبعث الفنان، مرة أخرى، ليعزف سيمفونية البقاء، والمحبة، والتسامح، والعدل، والاعتدال. رسالة لا لبس فيها، يصل ما انفصل، كأن أوتار عودة خيوط أنوار الشمس القادمة، بلا رهبوت ولا كهنوت. عاد زرياب، حقا عاد، ومعه موسيقى الوعي والإنسانية والحياة، حقا عاد، حقا عاد”.

هكذا يختصر العدواني فكرة مسرحيته التي حصلت على جائزة أفضل اضاءة نفذها راشد عبدالله، فيما حصل الممثل عبدالله مسعود على جائزة أفضل ممثل في دور أول، ضمن جوائز “أيام الشارقة المسرحية” التي نظمتها دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة.

مسرحية المونودراما هذه، من انتاج هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، وكانت قد شاركت في مهرجان الفجيرة الدولي للفنون في شهر فبراير/شباط 2016. واعتمدت المسرحية على نص العدواني، حاصل على المركز الأولى في المسابقة الدولية للمونودراما التي نظمتها هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام بالتعاون مع الهيئة الدولية للمسرح، وقدمت للمرة الأولى ضمن عروض مهرجان الفجيرة الدولي للفنون (20-28 فبراير/شباط 2016).

في المسرحية يحضر التاريخ عبر زرياب وموسيقاه، معلناً موقفا صارماً ضد العنف والإرهاب وفتاوى التكفير وإقصاء الآخر ونبذه. تسرد المونودراما سيرة زرياب ورحلته، مع موسيقاه، من بغداد إلى الشام فمصر فالقيروان وصولا إلى الأندلس. يروي زرياب قصته مع العود والوتر الخامس، ومع الإرهاب والعنف والتكفير والتآمر، مسقطاً ذلك على ما تفعله القوى الظلامية والتكفيرية اليوم وعلى ما ينتجه ذلك من عنف وقتل ودمار، طارحاً كماً من الأسئلة عن أوتار الحياة التي يقطعها هؤلاء وحرصه على الإبقاء عليها كما أبقى على وتره الخامس.

مخرج العمل فراس المصري، قال معلقاً على عرضه “كان من الأفضل، أن نعيش حياة دون مفاجآت. حياة مليئة بالحب والجمال، وما زلت أؤمن بأن للمسرح سطوته وحضوره الخاص. كنت أتمنى أن تكون القصيدة بدل الخطابات والشعارات الرنانة التي تؤكد الموت والقتل. أحب أن أرقص وأسمع الموسيقى بدل صوت الإنفجارات والمدافع. ريشة فنان يلعب بالألوان اطهر وأنقى من لون الدم أيا كان القاتل والمقتول. لأني أحب الحياة”.

الفنان البحريني عادل شمس، الذي حضر عرض المسرحية، أبدى إعجابه الشديد بالعمل، وقال “نص المسرحية جميل وصعب أن يمسرح لكن كان هناك ذكاء من المخرج في التعامل مع النص ودمج افكاره بالأفكار الموجودة في النص بطريقة مونودرامية جميلة، كما كانت خطوطه واضحة في المسرحية، سواء  في الدلالات التي قدمها، مثل الدائرة على الارض التي تعبر عن الوقت، ومثل استعمال الحبل الخلفي الذي يرمز لبندول الساعة، بالإضافة إلى استخدام السلالم للدلالة على السلالم الموسيقية”.

وقال “استمتعت في معظم وقت المسرحية ماعدا البدايات التي تسرب فيها الملل إلينا، ولا اعرف ان كان ذلك مقصوداً من المخرج ليدخلنا في ايقاع المسرحية بشكل صحيح أم إن الأمر جاء صدفة”.

وحول أداء الممثل عبدالله مسعود، قال شمس “أعتقد أن هذا الدور من أجمل الأدوار التي قدمها الممثل، وهو يستحق فعلا أن يحصل على جائزة أفضل تمثيل، لكن برغم هذا الأداء والتمكن، إلا أنه لم ينجح في تقسيم جهده بشكل جيد ليتناسب مع وقت المسرحية، بحيث إنه حين وصل للمشهد الأخير كان التعب قد نال منه”.

ويضيف شمس “الآمر الأخر الذي كنت اتمنى أن يتم الإهتمام به هو إن العمل يتحدث عن شخصية موسيقية، وكنت اتمنى لو تم الإهتمام بتدريب الممثل ليتمكن من عزف الألحان التي قدمت بشكل مباشر بدل أن تكون الموسيقى “بلاي باك”  خصوصا أن أداء الممثل جميل في الغناء وكان الأمر سيكون أجمل لو تمكن من عزف أساسيات الألحان التي قدمها”.

يضم طاقم عمل المسرحية كل من عامر محمد في السينوغرافيا والموسيقى، فيما تولى راشد عبدالله راشد أعمال الإضاءة، ليخرجه الأردني فراس المصري. ويضم الطاقم أيضا كل من سليمان الشامسي في تنفيذ الموسيقى، وأحمد عبدالله راشد في الديكور والأزياء والماكياج، وعبدالله الخديم في إدارة الخشبة، وماجد مسامح في السكرتارية، وحمد الظخناني في إدارة الإنتاج، وعبدالله راشد في الإشراف العام.