فيلم Camp X-Ray: للسجانين مشاعرهم الإنسانية أيضا

منصورة عبدالأمير

OR_CampX-Ray2014movieWallpaper1920x1440

لا يحق للسجان أن يقيم علاقة إنسانية مع السجناء، حتى لو كان ذلك يعني حمل شعور بالتعاطف أو أي إحساس بالرحمة أو الشفقة تجاه معاناتهم وما يتعرضون له خلف أسوار السجن. ربما لأن ذلك ما تنص عليه قوانين وتعليمات السجون، العسكرية منها على وجه الخصوص، وبحسب فيلم “مخيم اكس راي” Camp X-Ray ، فذلك ما تنص عليه قوانين “مخيم دلتا”، أحد أقسام سجن غوانتانامو، الذي كان يشار إليه بمخيم اكس راي.

ويعطي الفيلم تفصيلا أكبر حين يقول أنه لا يمكن للسجان أن يفكر بأي تعامل إنساني تجاه هؤلاء السجناء، على الأخص سجناء غوانتانامو، الذين لا يطلق عليهم وصف سجناء وإنما معتقلين. المعتقلون، بحسب الفيلم، هم الذين لا يقعون تحت أي من معاهدات واتفاقيات الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان. هم إذن من لا يحصلون على أي تعامل إنساني. إنه سجن غوانتانامو على أية حال.

الفيلم الذي يستعرض بعضا من الممارسات الإنسانية في داخل هذا السجن في عدد من المشاهد، يوجه إنتقاداً لاذعا لذلك، ويحاول من جانب آخر أن يقف موقفا محايداً من السجناء والمعتقلين. الفيلم يقول باختصار انه لا ذنب لأحد، المعتقلون قد يكونون أبرياء، وإن لم يكونوا ذلك فلا مبرر للتعامل غير الإنساني معهم، فهؤلاء سيقضون ما تبقى من عمرهم محتجزون في هذه الغرف الكونكريتية وهذه قسوة كافية. كذلك يوضح الفيلم ان السجانين بشر في نهاية المطاف، وانهم قد يحملون مشاعر ربما تؤدي إلى أن يتجاوز بعضهم القوانين والإرشادات الخاصة بالسجن كما فعلت إيمي، وإنهم، أي السجانين، وان تشددوا وبالغوا في قسوتهم تجاه السجناء فهم ليسوا سوا موظفين مكلفين بواجب ما ولا خيار لهم.

على أية حال، لا يحتاج المشاهد لأن يتفق مع كل ما يطرحه الفيلم ليعجب به، فهناك نقاط عديدة يستحق الفيلم الإشادة بسببها، بدءا من قصة الفيلم التي كتبها وأخرجها بيتر ساتلر في أول إخراج له، وصولا لأداء الممثلين الرئيسيين كريستين ستيورات في دور إيمي كول، والممثل والمخرج الإيراني بيمان معادي في دور علي أمير.

تدور قصة الفيلم حول إيمي كول، السجانة أو جندية الحراسة في سجن غوانتانامو، الفتاة التي لم تخض تجربة حياتية حقيقة بعد، نظرا لصغر سنها، ولأنها تأتي من مدينة صغيرة في فلوريدا. تعمد الفيلم ذلك ليقوي موقف إيمي الإنساني، فهذه فتاة لم تلوثها حياة المدينة الصاخبة مثلاً.

منذ بداية الفيلم، تبدي إيمي تحفظاتها على جميع أنواع المعاملة اللاإنسانية التي يتعرض لها السجناء في القسم الذي تعمل فيه من سجن غوانتانامو، بدءا من اعتبارهم معتقلين لا حقوق إنسانية لهم، وصولا لأنواع العقاب التي يتعرضون لها إن خالفوا أياً من تعليمات السجن، وإنتهاءاً بحرمانهم من أي نوع من التواصل مع العالم الخارجي.

وعلى الرغم من أن إيمي تنضم إلى قوة رد الفعل الأولية وهذه ترجمه حرفية لا أجزم بصحتها لكنها تشير إلى Initial Reaction Force (IRS)، وهي قوة تدخل سريع تتألف من أربعة من أفراد قوات مكافحة الشغب الذين يتدخلون في حال حدوث أي عصيان من المعتقلين.

على رغم ذلك، فإن إيمي، وبمجرد انضمامها للعمل وتعاملها الأول مع السجناء، تتحول من سجانة باردة المشاعر، إلى إنسانة تحمل تعاطفاً مع المعتقلين، وتبدي إستياء صامتاً من أي تعامل لا إنساني يتعرضون له. تنشأ بينها وبين علي أمير علاقة إنسانية سرعان ما تتطور، وعلي سجين تونسي يتهم بإنتماءه إلى تنظيم القاعدة، ويختطف من منزله في منطقة بريمير  بألمانيا وهو يؤدي الصلاة.

بعد حادث عنيف بين إيمي وعلي، وبعد محاولة إنتحار فاشلة من الأخير، تتبدل مشاعر الإيمي، ويبدو وكأن الجانب الإنساني بداخلها ينتصر على متطلبات واجبها كسجانة. ولذا فإنها بدلا من أن تحمل كراهية أو موقفا شخصيا معاديا لعلي الذي يرشقها بقذارة بشرية في مقابل تجاهلها لمحاولاته للتواصل معها، بدلا من ذلك، تهتم بأمره وتسعى للإطلاع على ملفه الشخصي. في ملفه، تكتشف إيمي محاولات متعددة لإيذاء النفس وتجاوزات كثيرة لنظام السجن، قام بها علي، طوال ثمانية أعوام قضاها في غوانتانامو منذ اختطافه من منزله، كما يتضح لها أن علي أصبح أكثر عنفاً بمرور السنوات، ولذا يتغير موقفها منه وتبدأ في التواصل معه.

وعلى الرغم من رغبة ايمي في تقوية الرابط الإنساني مع علي، إلا إن إدارة السجن تكتشف ذلك، الأمر الذي يتسبب في خضوعها للجنة تحقيق، تعاقب على إثرها بأن تنقل للحراسة الليلية. لكن إنتهاء فترة العقاب وعودتها لعملها كحارسة نهارية، ما يعني عودة التواصل بينها وبين علي، تجعل الرابط بينهما أقوى. تنتهي الأمور في مشهد يحمل جرعة عالية من الإنسانية حين تؤدي محاولة انتحار جديدة من علي إلى أن يعترف الإثنان، إيمي وعلي، السجانة والمعتقل، بمشاعرهما تجاه البعض. وبعد محاورة جادة هادفة لمنع علي من إيذاء نفسه، وباقتناع إيمي بأن الحرية بكل أشكالها هي حق لأي شخص حتى وإن كان “معتقلاً”، فإنها تقرر منح علي حرية في اختيار قراره بالموت أو الحياة. في هذا المشهد البالغ الإنسانية، تخبر إيمي علي بإسمها، وتطلب منه أن يناديها به، وهو الذي ظل يناديها بإسم الشقراء منذ أول مشاهدهما في الفيلم، وتناديه هي بإسمه بدلا من رقمه كمعتقل 461، وهو ما يعرف به السجناء.

لن أذكر مزيدا من التفاصيل لكي لا أفسد متعة مشاهدة الفيلم وهي عالية بالمناسبة بسبب الأداء المذهل لكل من كريستين وبيمان في دور إيمي وعلي. كريستين على أية حال قدمت أول أفلامها في عمر التاسعة وكان ذلك فيلم The Thirteen Years ، واستمرت في الظهور في أدوار متعددة في عدد لا بأس به من الأفلام، لكن في هذا الفيلم  الذي قدم عام 2014، أثبتت موهبتها كممثلة وهي في الواقع موهبة لا تقل عن موهبة ممثلات في مثل سنها سلطت عليهن الأضواء كثيراً. كريستين بأدائها الرائع تمكنت بشكل مذهل من أن تنقل للمشاهد الوضع النفسي الذي يعيشه حراس السجن. ولن أقول هنا أنها فعلت ذلك بتعبيرات وجهها أو بأي شيء آخر، في الواقع وجهها لم يتحرك كثيرا، مشاهدها صامتة في معظمها، لكنها تمكنت من اقناع المشاهد بأنها هي ايضا تتألم كما يتألم المعتقلون وهي الأخرى سجينة كما هم، سجينة الأوامر والإرشادات الصارمة على أقل تقدير.

من جانب آخر، تمكن الممثل الإيراني بيمان معادي من تأدية دور السجين المقهور الغاضب المتعطش للتعامل الإنساني. وبيمان فنان متمكن أثبت حضوره في أفلام مثل فيلم انفصال A Separation  الشهير لأصغر فرهادي، والذي حصل عنه على جائزتي الدب الفضي من مهرجان برلين على جائزة جميعة محبي السينما الدولية International Cinephile Society Awards.

الفيلم بشكل عام جيد، لا يخلو من ضعف في بعض تفاصيله، بعض هذه التفاصيل مشترك بين جميع الأفلام الأميركية من بينها مثلا، اختيار ممثل ايراني، يتحدث الانجليزية بلكنه ايرانية واضحة، لتقديم دور ممثل تونسي، عرفت انه تونسي بعض اطلاعي على موقع الفيلم. كذلك يبدو المشهد الأول من الفيلم الذي يطالعنا بشاشة لقناة عربية تنقل خبر تفجيرات 11 سبتمبر، على لسان مذيعة عربية، يبدو المشهد مضحكاً، بسبب صياغ الخبر الركيكة عربيا، واللغة العربية الركيكة أيضا التي تتحدث بها المذيعة. لا أعرف متى ستتجاوز الأفلام الأميركية هذه الهشاشة في تقديم الشخصية العربية بكل تفاصيلها.

على أية حال، حقق الفيلم أرباحا بلغت تجاوزت 60 مليون دولار رغم ميزانيته التي لم تتجاوز المليون دولار الأميركي، وهذا تميز لفيلم مستقل. كذلك حصل مخرج الفيلم وكاتبه بيتر ساتلر على ترشيح لجائزة هيومانيتاس Humanitas Prize من مهرجان صندانس للأفلام وهو المهرجان الذي شهد العرض الأول للفيلم عام 2014، كما حصل الفيلم على ترشيح لجائزة ارتيوس Artios Awards لتقديمه دراما مميزة بميزانية منخفضة، أما كريستين ستيورات فحصلت على جائزة أفضل ممثلة من تجمع ناقدات الأفلام Women Film Critics Circle، كما منح التجمع الفيلم جائزة أفضل فيلم عن النساء.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s