كيت بلانشيت تدفع ثمن الحقيقة غاليا في Truth

منصورة عبدالأمير

truth-2015-01

ليس هناك ما هو أصعب من البحث عن الحقيقة… سوى إثباتها. يمكن فعلا بقليل من التأني والصبر كشف حقيقة الأمور، لكن إثباتها للآخرين مسألة أخرى. أن تسعى جاهدا لكشف حقيقة أمرا ما وتصل إليها، فهذا ممكن، لكن أن تأخذ الآخرين معك في ذات الرحلة التي انتهت بك للحقيقة، فذلك أمر صعب التحقيق. بإختصار إذا كنت من أولئك الذين يسعون وراء الحقيقة، أي حقيقة، فتحمل ما يأتيك من وراء كشفك أو اكتشافك لها.

الحقيقة المطروحة عبر العبارات أعلاه، تلخص ما يريد فيلم Truth  (الحقيقة) قوله. الفيلم الذي عرض نهايات عام 2015 في دور العرض الأميركية والكندية، يؤكد أن السعي وراء الحقيقة يعني دفع ثمن غال من حياة الساعين وراءها،  يعني أن يصل الأمر لأن تقف يوما وتعتذر عن موقف إنساني حقيقي اتخذته يوما، كلفك غاليا. يعني أن تتخلى عن كثير من المبادئ المثالية التي بنيت عليها حياتك واسست عليها مواقفك، تتخلى عنها داخليا، في ذهنك، وترفعها من قناعاتك. بإختصار، ثمن الحقيقة غال يدفعه من يسعى إليها.

ثمن الحقيقة هذا دفعته منتجة البرامج في قناة سي بي اس ماري ميبس  التي يسرد الفيلم  قصتها كما جاءت في كتابها  Truth and Duty: The Press, the President and the Privilege of Power  (الحقيقة والواجب: الصحافة، الرئيس وإمتيازات السلطة)، وهو الكتاب الذي روت فيه جزءا من سيرتها الذاتية كمنتجة برامج في قناة سي بي اس الشهيرة، ويفترض أن تكون قد روت فيه حقيقة الأحداث التي أدت إلى فصلها من القناة.

 ماري ميبس دفعت ثمن طموحها الصحفي واخلاصها لمهنتها غالياً. الصحفية  الشهيرة بكونها أول من كشف عن الإنتهاكات الإنسانية التي ارتكبت في حق السجناء العراقيين في سجن أبوغريب من قبل الجنود الأميركان، والتي حصلت قناة سي ابي اس على جائزة بسبب تقرير الإنتهاكات الذي أعدته ماري وفريقها، هي ذاتها الصحفية التي تلقت صفعة من القناة أنهت عملها فيها، وذلك بعد كشفها لجزء من حقيقة وجدتها تهم جميع الناخبين الأميركيين في عام 2004.

يسرد الفيلم قصة ماري منتجة برنامج 60 دقيقة وهو برنامج اخباري، التي تقوم قبيل انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2004 بالبحث عن دليل للتحقق فيما اذا كان الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الذي كان مترشحا حينها لإنتخابات الرئاسة، قد حصل على معاملة خاصة خلال وقت خدمته العسكرية في السبعينات. تحصل ماري على الدليل وتنشره عبر تقرير اخباري تبثه القناة في برنامجها الاخباري، لكنها تتعرض لتشكيك في صحة دليلها المقدم من قبل جهات عديدة، حيث تتهم بتزوير مذكرات خاصة بالجيش تفيد بعدم اجتياز بوش لاختبارات العسكرية. يأتي التشكيك في دليل ماري وكشفها من قبل أطراف عديدة تأتي صحيفة “الواشنطن بوست” على رأسها، ثم يصل الأمر لأن تشكك قناة السي بي اس نفسها، في الدليل المقدم، على رغم أنها هي القناة التي تعمل فيها ميري والتي بثت التقرير. يتطور الأمر حين يتنصل مقدمو الدليل منها ومن الدليل الذي قدموه ويشككون في صحته. على أثر ذلك، تواجه ماري وفريقها معركة صعبة يفقدون على أثرها وظائفهم ويتم التشهير بهم والتشكيك بمصداقيتهم، بل ويتم التطاول على شخص ماري واتهامها بحملها لتوجهات نسوية راديكالية وما شابه من تهم اسقاطية لها هدفها التشكيك بنزاهتها.

أجمل ما في الفيلم أنه يقدم صورة واقعية جدا للديمقراطية العالمية، الأميركية على وجه الخصوص، فما ستعيشه من متعة وإثارة مع التفاصيل الكثيرة التي يسردها الفيلم حول كيفية وصول ماري وفريقها للحقيقة كما تراها من وجهة نظرها، كل ذلك سيتلاشى في الجزء الثاني من الفيلم حين تواجه ماري بضربة قاضية من قبل المجتمع بأسره. سلطة عليا تحاربها فكيف يمكن لأي أحد أن يقف داعما لأي حقيقة تكشفها، مهما كانت أهميتها ومهما بلغت دقة كشفها لها.

هذه الواقعية في الفيلم التي ملئت ماري مرارة وجعلتها تستفيق على واقع مؤلم، هي ما يوصل الفيلم إلى المشاهد، فنحن لسنا أمام ابطال خارقين للعادة وحالة وردية لصحافة حرة مدعومة في بلد الديمقراطيات العريقة. الواقع هو أن الصحافة في كل أرجاء العالم، وأميركا ليست استثناء، تستطيع أن تمارس حريتها ونزاهتها، لكن بحسب ما هو مرسوم لها من حدود.

الفيلم ممتع في مشاهدته، لمن يحب الأفلام الدرامية ذات الطابع التوثيقي التحقيقي. زاد من متعته وجود فنانين متميزين على رأسهم كيت بلانشيت التي أدت دور الصحفية ماري، وروجر ردفور في دور استاذها الذي كان يدعم برنامجها بقوة مقدم البرامج الشهير دان رايثر.

تم الإشادة بالفيلم في مهرجان تورنتو الدولي للأفلام حيث عرض لأول مرة. واعتبر يومها افضل فيلم في المهرجان.  المقدم الشهير دان راثر أثنى على اداء روجر ردفورد الذي وجده لا يقلد حركاته وانما يركز على روحه كإنسان وكصاحب مهنة. كما أشاد بالفيلم المقدم وقال ان هناك الكثير من الحقائق في الفيلم ووصفه بانه أفضل ما شاهده في السينما من أفلام تناقش ما يحدث فعلا في التلفزيون وكيف يتم صياغة التقارير والأخبار وإيصالها للناس.

أما قناة السي بي اس فلم توافق على ما جاء في الفيلم لكنها لم تشجبه علنا. المتحدث الرسمي باسم القناة قال ان الفيلم به الكثير من التحريفات وتغافل بعض الحقائق، وأضاف بأنه يشير إلى وجود مؤامرة ضد الصحفية، وذلك في محاولة للتغطية على أخطاءها وتحويل ما ارتكبته من خطأ إلى عمل بطولي وتضحية نبيلة.

لكن أطرف الإنتقادات التي طالت الفيلم جاءت من أحد النقاد الذي أتهم جيمس فاندربيلت، كاتب الفيلم وهو منتجة ومخرجه أيضا، بالتعاطف مع ماري وبأنه ذي توجهات ليبرالية معادية للتوجه المحافظ الذي ينتمي إليه الرئيس الأسبق جورج بوش.

لم يحقق الفيلم أي أرباح تذكر، على ما يبدو لم يرغب الجمهور الأميركي في مشاهدته، ميزانيته قاربت 10 ملايين دولار أميركي فيما لم تتجاوز أرباحه 5 ملايين دولار.

مهما يكن من أمر، وسواء احب الأميركون الفيلم أم لا، وسوا أكان كشف ماري صحيحا أم باطلا، فإننا أمام فيلم ممتع لمن يحبون الأفلام الدرامية التوثيقية Docudrama . فيلم يستحق المشاهدة قدم بعناية بالغة في الكتابة والاخراج رغم كونه التجربة الاخراجية الأولى لمخرجه جيمس فاندربيلت.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s