متحديا حداثة تجربته متنافسا على جوائز “الصواري” المخرج الشاب محمد شاهين: اخترت نص “الهشيم” لأنني أؤمن بالتغيير وأتشبث بالأمل

منصورة عبدالأمير

IMG_1272

على الرغم من حداثة تجربته الاخراجية، والتي لا تتجاوز العملين، واحد منهما فقط مسرحي، إلا أن المخرج الشاب محمد شاهين إختار أن يقدم نفسه للمرة الثانية على مسرح الصواري بنص، يحمل اختياره له دلالة تحد طموح واضحة.

النص هو “الهشيم”، والمؤلف هو الكاتب العراقي عبدالأمير شمخي، أحد رواد الكتابة المسرحية في العالم العربي، والتحدي يكمن في تقديم هذا النص من قبل عدة مخرجين عرب على مختلف المسارح العربية. وإضافة إلى ذلك، يكمن التحدي الماثل أمام شاهين في تقديم هذا العمل نفسه على خشبة الصالة الثقافية منذ عشرة أعوام من قبل المخرج الكويتي أحمد العميري وذلك خلال الدورة التاسعة من مهرجان المسرح الخليجي التي أقيمت بمملكة البحرين، وفازت المسرحية يومها بجائزة أفضل إخراج.

شاهين الذي يتنافس على جوائز مهرجان الصواري المسرحي للشباب قدم عملا حصد إعجاب جمهور الصالة الثقافية ليلة افتتاح المهرجان، وتم الإشادة به في الندوة التطبيقية التي أعقبت العرض. تحدي شاهين، تميز عرضه، رغم حداثة تجربته، وغير ذلك كان موضوع الحوار التالي معه.

  • اختيارك لنص مسرحي وصلت أهميته إلى أن يقدم عدة مرات على مسارح عربية مختلفة، وهو بالإضافة إلى ذلك عمل فائز بجائزة اخراجية، وفوزه جاء في البحرين… ما حجم التحدي الذي تضعه هذه النقاط عليك كمخرج شاب تقدم أول أعمالك الاخراجية؟

قد لا يكون هناك تراكم لتجربتي في الإخراج، هناك تجربه  في المهرجان التاسع للصواري بالإضافة إلى عدد من التجارب كمساعد مخرج في أعمال لمسرح الصواري. كذلك حضرت  بعض الورش العمليه التي نظمتها الهيئة العربية للمسرح في دولة الامارات العربية المتحدة. كذلك فإن لدي تجارب في السينما كمساعد مخرج ومخرج لأفلام قصيرة.

نعم هذا العمل يشكل تحدي لي، إذ أقدمه بعد أن قدمه على نفس الخشبة الفنان  الكويتي فيصل العميري  الذي أعشقه كفنان شامل وأعشق تجاربه. أقدم العمل بعد نجاحه وفوزه بجائزة أفضل إخراج في مهرجان المسرح الخليجي، وعلى نفس صالة العرض  وهي الصاله الثقافية. بالطبع هناك تحدي كبير لي شخصيا ولفريق العمل،  واتمنى ان تكون هذه التجربة تستحق هذه المعاناة والتعب والتحدي، وأن تظهر بمستوى فني قريب لذلك الموجود في عروض مختلفة قدمت للنص نفسه هو نص “الهشيم”. التحدي لا يزال قائما وأنا أجيب على هذه الأسئلة، ما يجعل من محمد شاهين شخصا مختلفا عما كان عليه في السابق، أقصد قبل قراءة النص. لقد تعلمت الكثير من هذا التحدي لأكون في المستوى المطلوب ولأكون في مستوى هذا التحدي .

  • ما سبب اختيارك للنص وميلك لإخراجه، وما هو الجديد في رؤيتك كمخرج

من اهم أسباب اختياري للهشيم كنص هي الثيمات التي يطرحها النص ومن بينها ثيمة الأمل بعد الدمار او ثيمة الانتظار بشكل عام. وأنا في حياتي الشخصية، وأعتذر لأنني أتكلم بشكل شخصي، لكنني أؤمن بالتغيير وأتشبث بالأمل في الحياة،  كما أؤمن بوطن سعيد وشعب سعيد.  قرأت هذا النص بعد عدة احداث  شهدتها على المستوى الوطني، حقيقة فإنه كوني أحد مواطني هذا البلد  فإنني أؤمن بتغيير الذات أولا  ثم بالتغيير بشكل عام، وأرى أن هذا النص قد يعبر عن وجهة نظري الشخصية. أما فيما يتعلق برؤيتي الاخراجية فإن النص في تركيبته عبثي، والشكل العبثي يعطي فرصة للجمهور لطرح التساؤلات حول القضايا المطروحة.

  • تصف عرضك بإنه ينتمي إلى مدرسة العبث، لكن هناك مساحة كبيرة للتأمل في النص، والتأمل ليس عبثا. لماذا اللجوء للعبث لعرض موضوع التأمل وهو موضوع غير عبثي.

تقف المسرحية على ثلاثة ركائز اساسية تدور حولها و هذه الركائز يمكن القول انها عبثية في مضمونها، و اذا تم التعمق اكثر في النص سنرى انه قريب  من نص “انتظار غودو” للكاتب الإيرلندي صامويل بيكيت، و بيكيت هو أحد أساتذة مدرسة العبث، لهذا وصفت نصي بالعبثي . الركائز الثلاث هي  الإنتظار، فالشخصيات في المسرحية وهم المرأة والشخص الأول والثاني والثالث، جميعها شخصيات بلا أسماء وهي تنتظر بعد ان سرق منها الوطن، والذكريات، والعمر.

الركيزة الثانية هي العاصفة والتي يمكن ان تكون الحرب التي كشفت بأن الاوطان مراكب مثقوبة صنعها الطغاة فلا قيمة للإنسان، إذ ليس هناك سوى شخص واحد والأجسام المعلقة كلها ارقام . أما الركيزة الثالثة فهي العربة وهي معادل موضوعي للأمل الذي ينتشل الشخصيات من هذا الضياع والخراب، لكن الظلام يهيمن على المكان فلا عربة ولا أمل، ليس سوى مواصلة اللعبة .

على هذه الثيمات الثلاث يدور الإخراج في محاولة السير على خطى المؤلف، فالمسرحية اكثر شمولا لمحاولة حصرها في أي قضية، انها صرخة في وجه القرن العشرين”.

يشار إلى أن أحداث مسرحية “الهشيم” تدور حول عدة اشخاص تختلف أساليب مواجهتهم لتهشم أحلامهم، لكنهم جميعا يواصلون البحث عن طوق للنجاة لعله ينقلهم إلى ساحة الأمل والحياة والحرية.

يشارك في أداء أدوار العمل كل من محمد بهلول وابراهيم الشهابي وسودابة خليفة، بالإضافة إلى أحمد سعيد في أول تجربة أداء مسرحي له. ويضم فريق العمل كل من اسماعيل مراد، مساعداً في الاخراج، ومحمود الصفار في تصميم الإضاءة، وسارة شمس في تصميم الأزياء، وعايشة الحمر مساعدة في السينوغرافيا.

 أبدع، تأمل، مرض، تعلم، ثم أبدع الفنان كمال الصوص: لوحاتي تعبيرية وبالتأمل هزمت السرطان

الحد – منصورة عبدالأمير

هل يمكن أن يكون الفن وسيلة للشفاء من مرض مزمن؟ هل هو الفن بحد ذاته أم هي روح الفنان بكل دفق الحياة الذي لا ينتهي فيها، هي ما يمكن لها أن تحارب أي داء وإن كان ورما خبيثاً يأكل الدماغ؟ ربما كان ذلك ممكناً، وربما كانت سيرة حياة الفنان والمهندس البحريني كمال الصوص خير شاهد على ذلك.

الفنان الصوص الذي اقام آخر معارضه الشخصية في جمعية البحرين للفنون التشكيلية عام 2010، فنان يروي عبر حياته الشخصية حكاية مختلفة، فيها من الإلهام الكثير، إلهام وتجربة لا يمكن أن ينجزهما سوى من يحمل روح فنان.

إلتقيته في مرسمه في الحد، ودار بيننا حوار حول انقطاعه عن الفن والكتابة، ثم عودته، عن رحلة مرضه، ثم تشافيه عبر التأمل وعبر اتباع نظام حياتي مختلف.

بمجرد دخولي مرسمه لفتت انتباهي لوحة لفتاة في ريعان شبابها، فيها من الحياة بقدر ما فيها من الألم، تتلون بالأحمر والأبيض والأخضر، وإن غلب عليها الأحمر بشكل ملفت. سألته إن كانت تلك شخصية حقيقية، أخبرني أن اسم تلك اللوحة “رحلة الياسمين” وأنها لوحة تعبيرية مثل جميع لوحاته، يقول “أنا لا أرسم الأشياء بنقلها مباشرة من الواقع، لكنني أتخيلها فكرة ثم أنفذها على الورق” ويضيف”لقد رسمت عمتي موزة بعد وفاتها بسنوات. لم أكن أتذكر وجهها، في الواقع وجهها يأخذني لطفولتي. لكنني حين أردت رسمها تمثلت حنانها وحبها لنا فيما كنا صغاراً، في ذهني، أولا، ثم رسمتها” ثم يوضح “لذلك لم تكن اللوحة وجها طبق الأصل من عمتي موزة لكنها كانت لوحة معبرة عن روحها”.

ويشير إلى لوحات أخرى قائلا “إنظري إلى هذه الأم الصينية مع طفلها، شاهدت صورة لها على التلفزيون، ظلت الصورة بداخلي، ثم تفاعلت حتى وصلت للشكل الذي ترينه في اللوحة. انظري للوحة الدعاء تلك وللوحة السيدة مريم، هل تعرفين أن هذه اللوحة بالذات كانت تعبيراً عن حلم شهدته عام 1967. كان عمري حينها 16 عاماً وفي ليلة القدر حلمت بسيدة تشبه هذه السيدة في اللوحة، أخبرت أمي فقالت هذه ماريا أو السيدة مريم”.

وعودة إلى لوحة “الياسمين”، أخبرني الصوص أن الفتاة في اللوحة هي ياسمين، ابنة اخته، المصابة بلوكيميا الدم، والتي تمكن منها المرض، يقول “75 في المائة من اللوحة متأثر بشكل ياسمين ووجهها لكن ما تبقى هو تعبير عن إحساسي. حتى الألوان اخترتها معبرة عن احساسي، فالأحمر هو دمها الملوث باللوكيميا أما الأخضر والأبيض فهما الأمل”.

لعله ذات الأمل الذي يسكن روح الفنان، ولعلها ذات الرغبة العارمة في الحياة التي سكنته حين أخبره الأطباء أنه لم يتبقى من عمره سوى ثلاثة أشهر. مهلة ثلاثة أشهر كانت كفيلة بنقل الصوص من حياة إلى أخرى، وثلاثة أيام عاشها معتزلا الحياة، بعد تأكيد الأطباء تمكن الورم منه، جعلته يتخذ القرار الأهم.

الفن.. الإنقطاع.. والعودة

سألت الصوص أولا عن سيرته كفنان، متى بدأت ولم انقطعت ومتى أستأنفها.

  • كنت ارسم الأشياء منذ طفولتي، وكما أخبرتك أرسمها بشكل تعبيري. بعد تخرجي من الجامعة التحقت بالعمل في شركة أرامكو السعودية، كان ذلك في السبعينات، وحينها لم تكن الأجواء هناك مشجعة على الفن. تلا ذلك انشغالي بالزواج ثم العمل مع شركة لبنانية عالمية، كان العمل يتطلب السفر الكثير. لم أكن لأركز على الكتابة أو الرسم بالطبع مع كل ذلك التنقل. انقطعت عن الفن لمدة 40 عاماً لكنني حين انتقلت للعمل في البحرين وتأقلمت مع أجواءها عدت للفن مرة أخرى، أخرجت 55 لوحة من لوحاتي القديمة وقدمتها في معرض “الرجوع إلى الماضي” الذي أقيم في جميعة البحرين للفنون التشكيلية. كانت جميع لوحات المعرض بالأبيض والأسود، وطغى عليها الشكل التكعيبي وهو الطاغي على جميع أعمالي منذ بداياتي في الرسم، وحتى قبل أن أتخصص في الهندسة”

يشير الصوص إلى أن نجاح المعرض وتمديده من أسبوعين إلى ثلاثة، منحه دفعة جديدة، وجعله يقرر العودة إلى الفن وإلى الكتابة بقوة. الكتابة التي يهواها منذ صغره.

الإلهام في جبل لبنان فقط

يقول الصوص “منذ صغري كنت اكتب الشعر، ومنذ البداية لم يكن الإلهام يأتيني إلا حين أكون في أعلى جبل لبنان. هناك كتبت الكثير من الأشعار، وأظن أن أشعاري تشبه لوحاتي”.

من بين نصوص الصوص «أنتِ، الخلق الموعود، الحب، إليك، أمي، الليل والنهار، شقاء الإنسان، لبنان، بسمتك، الأمهات الثماني، يا رب، قبلتك، يا والدي، حواء».

من الشعر انتقل الصوص لكتابة مختلفة فجاءت مؤلفاته الثلاث “تعلمت فتأملت فحمدت: الإيمان خير علاج” وثانيهما «تأملات شعرية وفنية»، وصدرا عام 2013، ثم جاء الثالث بعنوان “استدامة.. الوقاية خير علاج”، وجميع الكتب صادرة  عن دار ضفاف ببيروت.

في الكتاب الأول سرد تجربته مع المرض موضحا كيف تجاوز مرحلة الخطر وكيف واجه الورم العنيد وسيطر عليه ثم هزمه وتعايش معه ولا يزال كذلك، أما الكتاب الثاني “تأملات شعرية وفنية” فضم 27 نصا مع مجموعة من أعماله الفنية باللونين بالأبيض والأسود.

في الكتاب الثالث قدم الصوص تفصيلا لخطوات مواجهته للمرض عبر ايمانه القوية ولجوءه للتأمل وللتغذية السليمة.

بالتأمل غلبت الورم

درس الصوص التأمل في أميركا، وحينها يقول “شعرت بأنني انسان اخر، لم أعد قادرا على أن أغضب من أي أحد، ولا لأي سبب”.  لعل هذا التأثيرات هي ما أخذته، كما أكد لي، في رحلته التي واجه فيها السرطان بشجاعة حتتى قهره.

يقول الصوص “بدأ الأمر بضعف حاد في النظر، لم أتمكن من حله لدى أطباء العيون أو غيرهم،  ثم تبين إصابتي بورم في المخ. كان ذلك منذ 13 عاما من الآن”

“كنت اعمل في ميناء الشيخ خليفة حينها، أخبرني الأطباء أن ما تبقى لي من حياتي لا يتجاوز الشهور الثلاثة وأنه علي أن أجرى جراحة دماغية عاجلة، تصل نسبة الخطورة فيها إلى  80%، بل إن علي أن أوقع ورقة أؤكد فيها أنني مسئول عن نتيجة العملية”.

“يومها كنت في لبنان وكان علي أن أتخذ قراراً. لثلاثة أيام أصابني كدر شديد، وفقدت خلال هذه الأيام الثلاثة 5 كيلوغرامات من وزني. بالطبع لم يكن المرض هو سبب فقداني لهذه الكيلوغرامات لكنها كانت الأمور السلبية التي كنت افكر فيها. حينها قلت إذا استمر الأمر كذلك فسوف أتحول إلى هيكل عظمي خلال شهر”.

“بعد انقضاء الأيام الثلاثة، قررت ألا أجرى العملية  وأن أعيش حياتي بطريقة مختلفة. كنت على قناعة بأن الطبيب ليس هو من يحدد متى أموت. عدت يومها إلى التأمل وقررت ممارسته مرتين يومياً، كما قررت اتباع نظام غذائي صحي صارم”

يواصل الصوص “استمر الحال كذلك لسبعة شهور، وحين راجعت طبيبي بعدها، كانت المفاجأة هي توقف الورم عن النمو. أضحك الآن حين أتذكر اصرار الأطباء على فترة الثلاثة شهور المتبقية من حياتي. لقد كان هذا الأمر منذ ثلاثة عشر عاماً. لا أزال أحمل الروم في رأسي لكنه ورم متوقف عن النمو”.

تعايش الصوص مع الورم وسيطر عليه وشل حركته. لم يكن ذلك ليحدث لولا روح الفنان التي تسكن جسده، ولولا ذلك الثبات والعزيمة اللذان منحهما له إيمانه القوي بالله، ثم التأمل وأخيرا ما أشار إليه بالعادات الغذائية السليمة.

يشار إلى أن الفنان كمال الصوص بحريني الجنسية مواليد بيروت لبنان عام  1949، يعمل في مجال الهندسة الميكانيكية، مارس الرسم والكتابة منذ الطفولة، ودرس الهندسة الميكانيكية وعمل بها طوال حياته، تلقى دروساً إضافية في الرسم والفن في عدة معاهد وجامعات منها الجامعة الأمريكية، والجامعة اللبنانية، ومركز كيندي الثقافي في بيروت. هو عضو في جمعية المهندسين البحرينية، وجمعية البحرين للفنون التشكيلية في البحرين، وجمعية البحرين لمكافحة السرطان ومعهد التأمل التجاوزي في لبنان وجمعية التأمل البحرينية والنادي الثقافي العربي بيروت. شارك الصوص في عدة معارض فنية في السبعينات منها في الجامعة الأمريكية، ومركز كيندي الثقافي، ومركز جوتة الثقافي الألماني، وفي عدة معاهد أخرى، كما أقام معرضاً خاصاً به في البحرين.

 

 

 

عرض في سينما مجمع السيف… فيلم العبقري The Genius  : ممتع للبعض فقط

منصورة عبدالأمير

maxresdefault

في 16 سبتمبر/ أيلول 1938 نشرت صحيفة النيويورك تايمز مقالاً رثت فيه الروائي الاميركي ثوماس كلايتون وولف، الذي توفي قبل يوم من نشر المقالة وذلك قبل إتمام عامه الثامن والثلاثين. المقالة وصفت وولف بأنه “كان أحد الأصوات الشابة الأكثر ثقة في الأدب الأميركي المعاصر”، وبأن صوته كان “نابضا بالحياة، مليئاً بالنغم، ولذا يصعب تصديق أن يسكت هذا الصوت فجأة”.

وجاء في المقال أيضا “إن وصف العبقرية خاص به، على الرغم من أنها كانت عبقرية غير منضبطة ولا يمكن توقع ما تأتي به. كان بداخله طاقة لا تنتهي، وقوة لا تعرف الكلل، وجوع لايمكن ادراكه للحياة وللتعبير، وقد يكون ذلك ما أخذه إلى المعالي ثم مزقه بشكل مساو”.

كان ذلك ثوماس وولف، كما وصفته الصحافة، وهو ذاته الذي أثار بكتبه الأربعة جدلا لم ينتهي، إذ أغضب عائلته وسكان مدينته على حد سواء بالوصف الذي وضعه لكل منهم في كتاب سيرته الذاتية الشهير  Look Homeward Angel .

بكتابه هذا، وبالكتاب الذي تلاه Of Time and The River خذل كثيرين، وبسيرته وحياته خذل أقرب الأشخاص إليه، ثم توفي وحيداً إلا من شقيقة آمنت به رغم كل ما فعله للأسرة، وناشر وقف إلى جانبه رغم نكرانه الجميل.

ثوماس وولف، الروائي الأميركي، أحد أبرع كتاب السيرة الذاتية في أميركا، والموهبة الكتابية الأهم في بدايات القرن العشرين، والمؤلف الذي تركت كتاباته أثرا هاما في مجال كتابة السيرة الذاتية وسار على نهجه كثيرون، موهبته وحياته القصيرة، هما موضوع الفيلم البريطاني الأميركي The Genius  (العبقري)، الذي تعرضه شركة البحرين للسينما، حالياً، في سينما مجمع السيف، وهو بالمناسبة الفيلم الذي لا يلقى اقبالا كبيرا من رواد السينما في البحرين وتكاد قاعة عرضه تخلو من أي أحد. يبدو وضع الفيلم أفضل في دور العرض في بريطانيا، حيث يعرض منذ بدايات شهر يونيو/ حزيران حتى الآن، وتتجاوز أرباحه المليار دولار.

يتناول فيلم السيرة الذاتية علاقة الكاتب (الجنوب أميركي) ثوماس وولف مع الناشر (النيويوركي) ماكسويل بيركنز، وهو أحد أشهر وأهم الناشرين في الفترة التي تدور فيها أحداث الفيلم وهي بدايات القرن العشرين، حيث قام بطباعة ونشر أعمال لأهم كتاب تلك الفترة وعلى أرسهم ارنست همنجواي وسكوت فيتزجيرالد. كذلك يتطرق الفيلم للعلاقة الرومانسية التي تجمع وولف بألين بيرنستين، التي كانت أول من دعم  وولف وآمن بموهبته.

وبحسب الفيلم فإن وولف (يقوم بدوره جود لو) الذي لم يكن قادرا على بيع أي  من كتاباته، للمسرح أو لأي ناشر، وذلك بسبب طولها، وجد ضالته المنشودة، بعد ثلاثة أعوام من البحث عمن يؤمن به، وعام واحد من التجول في أوربا، وجدها في الناشر ماكسويل بيركنز (يقوم بدوره كولين فيرث)، وفي مصممة المشاهد التي تعمل في نقابة المسرح حينها ألين بيرنستين (نيكول كيدمان).

بيرنستين، التي كانت تكبره بثمانية عشر عاما، والتي كانت متزوجة وأم لطفلين، كانت أول من آمن به، ربما لما حملته له من مشاعر حينها، جعلتها تترك عائلتها، وتعيش معه علاقة “عاصفة” استمرت خمسة أعوام، قدمت له خلالها من الدعم المادي والمعنوي الكثير حتى كتب روايتيه الأوليين…. ثم هجرها.

أما بيركنز فكان أول ناشر يؤمن بموهبة وعبقرية وولف، يقبل رواياته الطويلة جدا، يعيد تحريرها، لتتحول إلى ما أصبح بعدها، اثنتين من أهم روايات السيرة الذاتية في تاريخ الأدب الأميركي. علاقة خاصة تجمع بين وولف وبيركنز، يجد الأول في الثاني الفرصة التي ستعرف الناس بكتاباته، الإيمان الذي لم يجده لا في المسرح ولا لدى أي ناشر، فيما يجد بيركنز في وولف الإبن الذين لم ينجبه. هذا الإيمان الذي جعل العلاقة ذات طابع رومانسي، وجعل بيرنستين، التي كانت حينها على علاقة بوولف، تحمل مشاعر غيرة عنيفة من بيركنز، تقودها إلى أن ترفع في وجهه مسدسا، وذلك في لحظة انهيار عاطفي، جراء هجر وولف لها. هذا الإيمان هو ما أنتج روايتيين من أعظم ما أنتجه الأدب الإميركي وهما روايتي Look Homeward Angle  ورواية Of Time and The River ، حققتا نجاحا لا يوصف، ثم …. هجر وولف بيركنز وفضل دار نشر أخرى ستدفع له مبلغا أكبر.

عودة إلى الفيلم، فإن هاتين العلاقتين بالإضافة إلى قراءات سريعة وخاطفة من كتابات وولف، هما ما يركز عليه الفيلم وكاتبه جون لوغان، وهما سبب رئيسي في اضفاء طابع مسرحي على الفيلم. نتحدث هنا عن فيلم سيرة ذاتية لكاتب لم يعش طويلا، لم تحفل حياته بالكثير، لقصرها، ولفرط أنانيته، جاء التركيز فيه على شخصية وولف كما في كتاب سيرته تماما حين قرر ناشرها بيركنز التركيز على شخصية وولف أو يوجين كما أسمى وولف نفسه في الكتاب.

الفيلم إذن لن يحوي الكثير من الأحداث، سيظل فيلما يسرد قليلا من التفاصيل، يركز على علاقة وولف ببيركنز، ويمر سريعا على علاقة وولف مع بيرنستين، لكنه سيظل بطيئا في إيقاعه. لن يكون فيلما لمحبي النمط المعتاد من أفلام السينما، سيكون ذا طابع مسرحي بسبب حواراته وربما سبب أداء جود لو الذي بدا مسرحيا مفتعلا نوعا ما.  لن يكون في الفيلم مشهد ذروة، في الواقع يمكن أن يكون مشهد الذروة هذا مختلفا من شخص لآخر.  قد يكون مشهد عودة وولف من أوروبا بعد عام من اطلاق ورواج كتابه الأول، واستقبال بيركنز له في الميناء، هو المشهد الأهم في الفيلم. على الأقل لأنه المشهد الذي علق عليه وولف في نهاية الفيلم وفي الواقع، واعتبره اللحظة الأهم والأجمل في علاقته مع بيركنز، وذلك في رسالة كتبها قبيل وفاته في المستشفى واستلمها بيركنز بعد موت وولف. وربما يكون المشهد الأهم ذلك الذي جمع وولف ببيرنستين، وهي التي تنكر لكل ما فعلته له وهجرها. في المشهد تخبر بيرنستين وولف بأنها لم تعد في حاجة لوجوده في حياتها، يلاحظ هو لأول مرة كم أنانيته وحجم خذلانه للآخرين، وهو في الواقع أهم ما يميز حياة هذا الكاتب القصيرة.

الفيلم مختلف عن أفلام السينما، لا صخب ولا إثارة ولا مشاهد حميمة ولا أي من مكونات الوصفات السينمائية. ومن وجهة نظري، فإن المشاهد، لن يكون له موقفا محايدا من هذا الفيلم، إما أن يحبه تماما أو يكرهه تماماً.  وفي الواقع، فإن من سيحب هذا الفيلم ربما يكونون أولئك المهتمين أو الذين على علاقة بعالم كتابة السير الذاتية، ربما!!.

هوليوود… تحتكرنا!!

منصورة عبدالأمير

اعترض أحد نقاد السينما على اهتمامي، الذي وصفه بالمفرط، بسينما هوليوود. قال لي، ذات رسالة هاتفية، تشجعين احتكار هوليوود لأذواق ووعي جمهور السينما بتركيزك على أفلامها. بالطبع لا أفعل ذلك، هكذا أجبت، لكنها تعليمات، غير مباشرة، من المسئولين في الصحيفة، أو تصور، لعله غير صحيح تماما، بالتركيز على ما تعرضه دور السينما “المحلية”، والإهتمام بفكرة أن القارئ سيكون مهتما أكثر بقراءة مقال يتحدث عن فيلم يمكنه الوصول إليه بسهولة. لذا وأمام تركيز شركات السينما في البحرين على أفلام هوليوود وهي السينما الرائجة اليوم، ربما في العالم كله، فإنني أجد نفسي مجبرة على الاستجابة لما أعتقده رغبة قراءي.

نعم، أتفق مع الناقد في أن سينما هوليوود لا تقدم الكثير لمشاهدها المهتم والمطلع. يمكن لها تقديم جرعة عالية من الإثارة والترفيه والتسلية والمتعة، لكن لا أظن أن صناع السينما في هوليوود يسعون لتعريف جمهور السينما بجماليات الصورة والمشهد وغير ذلك ولا أظنهم يكترثون بالأسس الفنية التي قامت عليها السينما في بداياتها، وكانت أسس قوية هدفها الأول تقديم جرعة جمالية وتوعوية عبر الصور لذلك كانت بدايات السينما توثيقية، إخبارية، وربما ترويجية أو ما يسمى بسينما البروباغاندا.

لكن انصراف هوليوود عن الهدف الأول للسينما لا يعني أن لا تقدم أفلامها أي شيء لجمهورها، إذ وعلى أقل تقدير، فإنه وعلى مستوى التقنية، يمكن لأفلام هوليوود أن ترفع ذائقة الجمهور البصرية بكل اهتمامها المفرط بتقنيات الصورة، يمكن لها أيضا أن تمرر رسائل توعوية، ايجابية أو سلبية، عبر أفلامها.

لا ألوم سينما هوليوود كما يفعل الناقد الذي عارضني، لإهتمامها المفرط بالصناعة، السينما على أية حال تحولت إلى سلعة منذ بداياتها، تحديدا بعد عقد واحد منذ ظهور أول الأفلام، إذ وإنه وبمجرد أن لمس صناع السينما الأوائل اقبال الجمهور على الأفلام الأولى، بدأت الأمور تأخذ منحى تجاري وبدأ التفكير يتوجه نحو تقديم المزيد عبر شاشة السينما، ونحو تأسيس صناعة تعود بالأرباح على جميع الأطراف الداخلة في صناعة أي فيلم وتقديمه في شكله الإبداعي الأخير.

السينما الأميركية دخلت على هذه الساحة الربحية للأفلام منذ البدايات، وبحلول عام 1910 أصبح للأفلام الأميركية الحصة الأكبر من اقبال الجمهور على دور العرض في استراليا وفي أوروبا، مع الأخذ بعين الإعتبار أن الحديث يومها لم يكن عن هوليوود بل عن الأفلام الأميركية. ثم جاء المخرجون الأميركان الذين أدخلوا تجديدات هامة على المجال السينمائي، أفلاما ودور عرض، وهي التي عززت الإقبال الجماهيري على السينما ودعمت صناعة الأفلام. المهم في الأمر أن هوليوود كانت هي من استلم زمام الأمور منذ البدايات، وتمكنت باقتدار، مالي وتسويقي، من انتزاع البساط من تحت قدمي بريطانيا وغيرها من الدول الأوربية التي أسست لهذه الصناعة، حتى اصبحت في فترة ما هي المحتكرة لجمهور السينما عالمياً. دول كثيرة وعت لضرورة تقديم أفلام تنافس هوليوود فجاءت الأفلام الأوربية التي لم تتمكن بداية من ضبط الوصفة السنيمائية التجارية لكنها شيئا فشيئا أثبتت وجودها أمام أفلام هوليوود، أصبحت منافسة لها وربما تغلبت عليها. لا ننسى الأفلام الإيرانية أيضا وهي التي تحتل الصدارة في الإبداع، قصة وفلسفة وصورة وان جاءت بتقنيات وميزانيات بسيطة.

اليوم نجد أن هوليوود غير قادرة على الاحتفاظ بألقها، إذ إن افراطها في التركيز على الناحية التجارية، جعل أفلامها في العقود الأخيرة تبدو مبتذلة خاوية لا تتقصد سوى الإثارة، في مقابل أفلام أوربية وأسيوية وشرق أوسطية بدأت تقدم العميق في الطرح والجميل في الأداء والإتقان والإبداع وحتى السحر في الصورة رغم تفاوت التقنيات والميزانيات المخصصة للأفلام.

هوليوود لا يمكن لها أن تحتكر أذواق الجمهور ولا وعيهم إن أدركوا أن المتعة والترفيه يمكن الحصول عليهما من أفلام أخرى، ولكن هل يعني أن يسعى الجمهور العادي للحصول على نسخ تلك الأفلام من أي مصدر ممكن. هل يعني أن يوجد لدينا قاعدة جديدة من جمهور السينما المثقف الواعي الذي لا يقبل بأي وجبة تقدم له على  الشاشة. الطموح كذلك، عزيزي الناقد، لكن الواقع لا يزال يطبق خناقه على قلمي لأركز أولا على هوليوود. فماذا تقولون؟