أبدع، تأمل، مرض، تعلم، ثم أبدع الفنان كمال الصوص: لوحاتي تعبيرية وبالتأمل هزمت السرطان

الحد – منصورة عبدالأمير

هل يمكن أن يكون الفن وسيلة للشفاء من مرض مزمن؟ هل هو الفن بحد ذاته أم هي روح الفنان بكل دفق الحياة الذي لا ينتهي فيها، هي ما يمكن لها أن تحارب أي داء وإن كان ورما خبيثاً يأكل الدماغ؟ ربما كان ذلك ممكناً، وربما كانت سيرة حياة الفنان والمهندس البحريني كمال الصوص خير شاهد على ذلك.

الفنان الصوص الذي اقام آخر معارضه الشخصية في جمعية البحرين للفنون التشكيلية عام 2010، فنان يروي عبر حياته الشخصية حكاية مختلفة، فيها من الإلهام الكثير، إلهام وتجربة لا يمكن أن ينجزهما سوى من يحمل روح فنان.

إلتقيته في مرسمه في الحد، ودار بيننا حوار حول انقطاعه عن الفن والكتابة، ثم عودته، عن رحلة مرضه، ثم تشافيه عبر التأمل وعبر اتباع نظام حياتي مختلف.

بمجرد دخولي مرسمه لفتت انتباهي لوحة لفتاة في ريعان شبابها، فيها من الحياة بقدر ما فيها من الألم، تتلون بالأحمر والأبيض والأخضر، وإن غلب عليها الأحمر بشكل ملفت. سألته إن كانت تلك شخصية حقيقية، أخبرني أن اسم تلك اللوحة “رحلة الياسمين” وأنها لوحة تعبيرية مثل جميع لوحاته، يقول “أنا لا أرسم الأشياء بنقلها مباشرة من الواقع، لكنني أتخيلها فكرة ثم أنفذها على الورق” ويضيف”لقد رسمت عمتي موزة بعد وفاتها بسنوات. لم أكن أتذكر وجهها، في الواقع وجهها يأخذني لطفولتي. لكنني حين أردت رسمها تمثلت حنانها وحبها لنا فيما كنا صغاراً، في ذهني، أولا، ثم رسمتها” ثم يوضح “لذلك لم تكن اللوحة وجها طبق الأصل من عمتي موزة لكنها كانت لوحة معبرة عن روحها”.

ويشير إلى لوحات أخرى قائلا “إنظري إلى هذه الأم الصينية مع طفلها، شاهدت صورة لها على التلفزيون، ظلت الصورة بداخلي، ثم تفاعلت حتى وصلت للشكل الذي ترينه في اللوحة. انظري للوحة الدعاء تلك وللوحة السيدة مريم، هل تعرفين أن هذه اللوحة بالذات كانت تعبيراً عن حلم شهدته عام 1967. كان عمري حينها 16 عاماً وفي ليلة القدر حلمت بسيدة تشبه هذه السيدة في اللوحة، أخبرت أمي فقالت هذه ماريا أو السيدة مريم”.

وعودة إلى لوحة “الياسمين”، أخبرني الصوص أن الفتاة في اللوحة هي ياسمين، ابنة اخته، المصابة بلوكيميا الدم، والتي تمكن منها المرض، يقول “75 في المائة من اللوحة متأثر بشكل ياسمين ووجهها لكن ما تبقى هو تعبير عن إحساسي. حتى الألوان اخترتها معبرة عن احساسي، فالأحمر هو دمها الملوث باللوكيميا أما الأخضر والأبيض فهما الأمل”.

لعله ذات الأمل الذي يسكن روح الفنان، ولعلها ذات الرغبة العارمة في الحياة التي سكنته حين أخبره الأطباء أنه لم يتبقى من عمره سوى ثلاثة أشهر. مهلة ثلاثة أشهر كانت كفيلة بنقل الصوص من حياة إلى أخرى، وثلاثة أيام عاشها معتزلا الحياة، بعد تأكيد الأطباء تمكن الورم منه، جعلته يتخذ القرار الأهم.

الفن.. الإنقطاع.. والعودة

سألت الصوص أولا عن سيرته كفنان، متى بدأت ولم انقطعت ومتى أستأنفها.

  • كنت ارسم الأشياء منذ طفولتي، وكما أخبرتك أرسمها بشكل تعبيري. بعد تخرجي من الجامعة التحقت بالعمل في شركة أرامكو السعودية، كان ذلك في السبعينات، وحينها لم تكن الأجواء هناك مشجعة على الفن. تلا ذلك انشغالي بالزواج ثم العمل مع شركة لبنانية عالمية، كان العمل يتطلب السفر الكثير. لم أكن لأركز على الكتابة أو الرسم بالطبع مع كل ذلك التنقل. انقطعت عن الفن لمدة 40 عاماً لكنني حين انتقلت للعمل في البحرين وتأقلمت مع أجواءها عدت للفن مرة أخرى، أخرجت 55 لوحة من لوحاتي القديمة وقدمتها في معرض “الرجوع إلى الماضي” الذي أقيم في جميعة البحرين للفنون التشكيلية. كانت جميع لوحات المعرض بالأبيض والأسود، وطغى عليها الشكل التكعيبي وهو الطاغي على جميع أعمالي منذ بداياتي في الرسم، وحتى قبل أن أتخصص في الهندسة”

يشير الصوص إلى أن نجاح المعرض وتمديده من أسبوعين إلى ثلاثة، منحه دفعة جديدة، وجعله يقرر العودة إلى الفن وإلى الكتابة بقوة. الكتابة التي يهواها منذ صغره.

الإلهام في جبل لبنان فقط

يقول الصوص “منذ صغري كنت اكتب الشعر، ومنذ البداية لم يكن الإلهام يأتيني إلا حين أكون في أعلى جبل لبنان. هناك كتبت الكثير من الأشعار، وأظن أن أشعاري تشبه لوحاتي”.

من بين نصوص الصوص «أنتِ، الخلق الموعود، الحب، إليك، أمي، الليل والنهار، شقاء الإنسان، لبنان، بسمتك، الأمهات الثماني، يا رب، قبلتك، يا والدي، حواء».

من الشعر انتقل الصوص لكتابة مختلفة فجاءت مؤلفاته الثلاث “تعلمت فتأملت فحمدت: الإيمان خير علاج” وثانيهما «تأملات شعرية وفنية»، وصدرا عام 2013، ثم جاء الثالث بعنوان “استدامة.. الوقاية خير علاج”، وجميع الكتب صادرة  عن دار ضفاف ببيروت.

في الكتاب الأول سرد تجربته مع المرض موضحا كيف تجاوز مرحلة الخطر وكيف واجه الورم العنيد وسيطر عليه ثم هزمه وتعايش معه ولا يزال كذلك، أما الكتاب الثاني “تأملات شعرية وفنية” فضم 27 نصا مع مجموعة من أعماله الفنية باللونين بالأبيض والأسود.

في الكتاب الثالث قدم الصوص تفصيلا لخطوات مواجهته للمرض عبر ايمانه القوية ولجوءه للتأمل وللتغذية السليمة.

بالتأمل غلبت الورم

درس الصوص التأمل في أميركا، وحينها يقول “شعرت بأنني انسان اخر، لم أعد قادرا على أن أغضب من أي أحد، ولا لأي سبب”.  لعل هذا التأثيرات هي ما أخذته، كما أكد لي، في رحلته التي واجه فيها السرطان بشجاعة حتتى قهره.

يقول الصوص “بدأ الأمر بضعف حاد في النظر، لم أتمكن من حله لدى أطباء العيون أو غيرهم،  ثم تبين إصابتي بورم في المخ. كان ذلك منذ 13 عاما من الآن”

“كنت اعمل في ميناء الشيخ خليفة حينها، أخبرني الأطباء أن ما تبقى لي من حياتي لا يتجاوز الشهور الثلاثة وأنه علي أن أجرى جراحة دماغية عاجلة، تصل نسبة الخطورة فيها إلى  80%، بل إن علي أن أوقع ورقة أؤكد فيها أنني مسئول عن نتيجة العملية”.

“يومها كنت في لبنان وكان علي أن أتخذ قراراً. لثلاثة أيام أصابني كدر شديد، وفقدت خلال هذه الأيام الثلاثة 5 كيلوغرامات من وزني. بالطبع لم يكن المرض هو سبب فقداني لهذه الكيلوغرامات لكنها كانت الأمور السلبية التي كنت افكر فيها. حينها قلت إذا استمر الأمر كذلك فسوف أتحول إلى هيكل عظمي خلال شهر”.

“بعد انقضاء الأيام الثلاثة، قررت ألا أجرى العملية  وأن أعيش حياتي بطريقة مختلفة. كنت على قناعة بأن الطبيب ليس هو من يحدد متى أموت. عدت يومها إلى التأمل وقررت ممارسته مرتين يومياً، كما قررت اتباع نظام غذائي صحي صارم”

يواصل الصوص “استمر الحال كذلك لسبعة شهور، وحين راجعت طبيبي بعدها، كانت المفاجأة هي توقف الورم عن النمو. أضحك الآن حين أتذكر اصرار الأطباء على فترة الثلاثة شهور المتبقية من حياتي. لقد كان هذا الأمر منذ ثلاثة عشر عاماً. لا أزال أحمل الروم في رأسي لكنه ورم متوقف عن النمو”.

تعايش الصوص مع الورم وسيطر عليه وشل حركته. لم يكن ذلك ليحدث لولا روح الفنان التي تسكن جسده، ولولا ذلك الثبات والعزيمة اللذان منحهما له إيمانه القوي بالله، ثم التأمل وأخيرا ما أشار إليه بالعادات الغذائية السليمة.

يشار إلى أن الفنان كمال الصوص بحريني الجنسية مواليد بيروت لبنان عام  1949، يعمل في مجال الهندسة الميكانيكية، مارس الرسم والكتابة منذ الطفولة، ودرس الهندسة الميكانيكية وعمل بها طوال حياته، تلقى دروساً إضافية في الرسم والفن في عدة معاهد وجامعات منها الجامعة الأمريكية، والجامعة اللبنانية، ومركز كيندي الثقافي في بيروت. هو عضو في جمعية المهندسين البحرينية، وجمعية البحرين للفنون التشكيلية في البحرين، وجمعية البحرين لمكافحة السرطان ومعهد التأمل التجاوزي في لبنان وجمعية التأمل البحرينية والنادي الثقافي العربي بيروت. شارك الصوص في عدة معارض فنية في السبعينات منها في الجامعة الأمريكية، ومركز كيندي الثقافي، ومركز جوتة الثقافي الألماني، وفي عدة معاهد أخرى، كما أقام معرضاً خاصاً به في البحرين.

 

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s