فيلم “سبتمبر شيراز” … الثورة الإيرانية من جديد!!

منصورة عبدالأمير

Septembers-of-Shiraz

تمارس الأفلام السينمائية دوراً توثيقيا هاماً، حين تسرد  قصصاً جرت أحداثها خلال فترات تحول تاريخي أو سياسي، عاشها مجتمع ما. في الواقع يتحول الفيلم السينمائي حينها إلى فيلم توثيقي هام يقدم شهادة حية على مراحل التحول التاريخي أو السياسي تلك.

هذا الإندماج الحاصل بين عملية التوثيق والعملية الفنية المتمثلة في صناعة فيلم سينمائي، لا يعني وجوب التزام صانعي الفيلم بالحيادية في طرحهم، وهي الأمر اللازم لعملية التوثيق، فالأساس هنا هو تقديم عمل فني، والعمل فني بكل أنواعه لا يعرف الحياد. الفن في الواقع هو تعبير عن موقف صانعه من قضية إنسانية ما.

في المقابل، فإن هذا الاندماج يستلزم قطعاً غوص مقدمي أي عملية فنية توثيقية في أعماق الشأن التاريخي أو السياسي موضع السرد أو التحقيق، وتقديمه على الشاشة بشكل كاف ومستوف، على الأخص حين يتم مناقشة واستعراض ذلك الشأن بعد أعوام طويلة، قد يصل تعدادها إلى سبع وثلاثون عاماً.

هذا هو تماما ما فعله فيلم (سبتمبر شيراز)  Septembers of Shiraz  الذي عرض في دور السينما في أميركا في شهر يونيو/ حزيران 2016، والذي جاء ليسرد، اليوم، وبعد 37 عاماً،  جزءً من التاريخ السياسي المعاصر لإيران. وعلى وجه التحديد، يتتبع الفيلم ما حدث في أعقاب انتصار ثورة عام 1979 في هذا البلد، وهي الثورة التي نقلت إيران من النظام الملكي إلى جمهورية اسلامية. يوثق الفيلم تلك الفترة عبر قصة أبطالها عائلة يهودية ثرية تدفع ثمناً غالياً على يد الحرس الثوري الإيراني، الجهة التي بدت الأكثر نفوذا وقوة وتسلطاً و… انتهاكاً للقانون والحرمات.

الفيلم الذي أخرجه الاسترالي ويني بلير (شاهدنا له مسبقاً The Sapphires)، مقتبس من رواية تحمل الإسم نفسه، كتبتها الإيرانية- الأميركية داليا سوفير، ونشرت عام 2007. الرواية التي تعد الأولى لسوفير، حظيت بإحتفاء كبير ونالت عددا من الجوائز، وهي بحسب أحد التقارير، الرواية الأولى التي تسرد أحداثاً جرت في داخل طهران (ما بعد الثورة). وتنقل سوفير عبر هذه الرواية أحداثا حقيقية عاشتها مع والديها إسحاق أمين وزوجته فرناز، وذلك في أعقاب انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

يبدأ الفيلم في منزل رجل الأعمال الإيراني اليهودي، اسحاق أمين (يقوم بدوره أدريان برودي) الذي يرحب بضيوف حفله المقام لتوديع إبن العائلة برويز (البريطاني جيمي وورد) الذي يسافر إلى أميركا للإلتحاق بمدرسة داخلية.  بعدها تنقلنا المشاهد لنتعرف أكثر على الوضع الإجتماعي السياسي للأسرة اليهودية الثرية التي يملك والدها مصنعاً للألماس وهو مصنع ذي صيت كبير يجعل أسرة الشاه وزوجته يفضلون التعامل معه لجودة احجار مصنعه.

هذه الأسرة اليهودية تفضل البقاء في إيران، التي أصبحت إسلامية بعد الثورة، والتي لم يعد لأسر مثل أسرة اسحاق أمين، مكان للعيش فيها، بعد كثير من المحضورات التي فرضت من قبل الحكومة الإسلامية، وبعد فوضى عارمة تعم البلد، تمارس على يد الشعب الإيراني ويفرضها الحرس الثوري.

يعتقل إسحاق أمين من قبل هذا الحرس الثوري، ويتهم بالتعامل مع الموساد، رغم إصراره على أن زياراته لإسرائيل، وهي التي لم تكن تشكل مخالفة لقانون البلد، كانت بهدف الإلتقاء بعائلة له هناك. لكن الحرس الثوري، الذي يعتقله من مكتبه وينقله لمبنى المخابرات على دراجة نارية بعد وضع قناع على وجهه، والضابط محسن (الممثل الاسرائيلي من اصول عربية علون ابو تبول) الذي يتولى التحقيق معه فيما يغطي وجهه بقناع، لا يعون ذلك. ما لديهم هو تاجر ألماس يهودي، يسافر إلى إسرائيل بشكل مستمر، وتكتب زوجته فرناز (سلمى حايك) مقالات يجدون فيها ترويجاً لأسلوب حياة غربية “فاسقة”، وهي أفعال تكفي لإصدار حكم بالإعدام ضده، ولتعريضه لوجبات تعذيب جسدي ونفسي متكررة ومنتهكة لأبسط الحقوق الإنسانية.

وهكذا يعلنها الفيلم: إنها ثورة إسلامية، تحتقر اتباع أي دين آخر، وهو بلد يعج بفوضى كثيرة، يحرق شعبه دور السينما، ويعلقون جثث انصار النظام السابق في الساحات العامة. إنه أيضا حرس ثوري يتشكل من “حاقدين” على النظام السابق، وشباب فاسد وجد ضالته في هذا التشكيل الجديد، ليمارس من خلاله كل أشكال العنف والنهب والإعتداء على الأشخاص وعلى ممتلكاتهم الخاصة.

نموذج لهذه الفئة من الشباب تتمثل في مهدي (الإيراني الأميركي أنتوني عزيزي)، إبن حبيبة (تقوم بدورها الممثلة الإيرانية الأميركية شهرت اغداشلو) الذي يلتقطه اسحاق وزوجته من الشارع وينقذانهما من الفقر، حين يسمحان لحبيبة بالعمل لديهما خادمة، ولإبنها في أن يعمل في منصب مهم في مصنع اسحاق حين يكبر ويصبح شابا. لكن هذا الإبن الناكر للجميل، الذي ينظم إلى الحرس الثوري، يقرر سلب المصنع، بعد اعتقال اسحاق من قبل الحرس الثوري.

وليست تلك هي الخسارة الوحيدة التي يمنى بها اسحاق (اليهودي)، لكنه يخسر كل رصيده البنكي في محاولة منه لشراء حريته، وذلك حين يقنع الضابط محسن ، برغبته بالتبرع بكامل رصيده البنكي لصالح الثورة، في مقابل الإفراج عنه. بالطبع يضطر اسحاق بعدها للهرب من البلاد، مضحياً بآخر قطع ألماس يملكها، يقدمها للمهربين الذين سيقتادونه لخارج إيران عبر الحدود التركية.

في الفيلم كثير من التفاصيل التي توضح همجية وعنف الثورة وانصارها، وعلى رأسهم الحرس الثوري، وقسوة المعاناة التي عاشها “اليهودي” اسحاق في ظل النظام الإسلامي. التفاصيل المتعلقة بالثورة تفتح شهية المشاهد للبحث والتحقق مما أشار له الفيلم، ولمعرفة ما حدث فعلا في أعقاب انتصار تلك الثورة. ربما، تكون هذه إحدى الحسنات القليلة للفيلم، حين يستحث في عقل المشاهد الرغبة في البحث تلك، لمعرفة إن كان هذا الإنطباع الذي ينقله فيلم تموله شركات انتاج اسرائيلة، صحيحاً أم مبالغا فيه، أم قليلا في شأن تلك الثورة.

لكن الجزء السيئ في الفيلم والذي يتناقض مع العبارة الأخيرة التي تبرز على الشاشة بعد إنتهاء الفيلم، هو ذلك الجزء المتباكي على اليهودي في كل مكان، وهو الجزء الذي يبدو مبتذلا لكثرة تكراره ووروده في كثير من الأفلام السينمائية التي يصنعها يهود، منتجون أو مخرجون، والتي تتباكى على اليهود، الذين ذاقوا كل أصناف العذاب على يد كل الأنظمة وكل شعوب الأرض.

وعودة إلى العبارة في نهاية الفيلم، فهي تفيد بأن الفيلم “مهدى لضحايا الإضطهاد في جميع أنحاء العالم”. حقيقة ستبدو عبارة تدعو للتهكم على فيلم يبالغ في عملية التباكي “اليهودي” المعاد والمكررر بشكل فج ومبتذل. بل تصل حدة التباكي تلك إلى أن يضطر الفيلم للمبالغة في اظهار مظلومية اليهودي حين يضمن في أحد مشاهده غرفة تشبه غرف الغاز النازية الشهيرة، لكنها هنا تستخدم لإعدام أنصار النظام السابق بالرصاص. بدا الأمر  مبتذلا للغاية، وبدا المشهد الذي تقدم عبره تلك الغرفة، سطحيا رغم محاولات أدريان برودي تقديم ما بوسعه لتوضيح كم الرعب والألم اللذين عايشاهما فيما يشاهد أصدقائه وشركاءه في الزنزانة يقتادون إلى مصيرهم في تلك الغرفة أمام ناظريه بل ويسمع أصوات موتهم. بلاشك أدريان ممثل على درجة عالية من التمكن، لكنه أخفق هذه المرة بسبب ابتذال المشهد ومحتواه.

أدريان بشكل عام قدم أداءا رائعاً، وكذلك فعلت سلمى حايك لولا تصنعها في افتعال اللكنة الايرانية، وهو أمر لم تكن بحاجة إليه، خصوصا مع تواجد ممثلين من أصول إيرانية مثل شهرت أغداشلو وأنتوني عزيزي، كان أولى بهما أن يتحدثا بلكنة ايرانية، لم تكن ذات أهمية في الفيلم.

الفيلم ليس سيئا، سيأخذك للحظات جيدة من الأكشن والدراما، وسيمتعك بأداء رائع من أدريان برودي وشهرت أغداشلوا وغيرهم من الممثلين، وسيفتح في ذهنك نافذة لكثير من الأسئلة وستجد نفسك مرغما على الرجوع لملفات إيران ما بعد  عام 1979.

لكن كل تلك اللحظات الجيدة، لن تصمد أمام ابتذال التباكي اليهودي، الذي يمارس عبر السينما، والذي لا يبدو وكأنه سينتهي أو يتوقف يوماً!.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s