تُعرض سيرته الذاتية في فيلم “سنودن” بالسيتي سنتر ادوارد سنودن … خائن لبلاده أم بطل قومي شجاع

منصورة عبدالأمير

background-twitter

أشعل فيلم Snowden ، المعروض حالياً في سينما مجمع السيتي سنتر، جدلا لا يزال محتدما بداخلي، ولا يزال كذلك، مثاره ما يمكن أن أصف به بطل القصة الحقيقة التي يرويها الفيلم، ادوارد سنودن. هذا الجدل، في الواقع، ليس مختصا بي، لكنه شغل ولا يزال يشغل كثيرون منذ أن ظهر سنودن على صفحات صحيفتي الغارديان والواشنطن بوست يوم 21 يونيو/ حزيران 2013، كمسرب لمعلومات هامة صنفت بأنها سرية للغاية من وكالة الأمن القومي، حيث يعمل، تتعلق ببرنامج التجسس “بريسم” الذي تستخدمه الوكالة للتجسس على خصوصيات الأفراد … في جميع أنحاء العالم، بهدف حماية الأمن القومي لأميركا.

ربما يحتاج كل من يشغله هذا الجدل، لأن يتعرف عن قرب على ما حقيقة ما فعله موظف وكالة الأمن القومي، والعميل السابق بوكالة المخابرات المركزية (السي اي ايه)، هذا، وعلى ما يمكن أن يكون لذلك من تأثير على حياتنا جميعاً.

المخرج والمنتج والسيناريست الأميركي “الثائر، المتمرد دائماً” أوليفر ستون، تبرع للقيام بهذه المهمة، في فيلم Snowden وهو فيلم اثارة سياسي، يسرد السيرة الذاتية لإدوارد سنودن، يخرجه ستون ويشارك في كتابة نصه السينمائي. ستون استقى مادته تلك من كتابين، هما The Snowden Files  الذي وضعه الصحافي البريطاني لوك هاردنغ، وحصل هذا الكتاب على إشادة قوية من صحيفة الغارديان التي كانت أول من نشر تسريبات سنودن. كذلك استقى ستون مادة فيلمه من كتاب Time of the Octopus  الذي وضعه الروسي اناتولي كوشيرينا، محامي سنودن.

يتتبع الفيلم تفاصيل دقيقة للجانب الوظيفي من حياة سنودن، ولجزء بسيط من حياته الشخصية، مركزاً على تلك التفاصيل المتعلقة بتمكن سنودن من الوصول إلى مصادر معلوماته التي بثها للصحافة والمتعلقة بتجسس وكالة الأمن القومي على الحياة الخاصة لملايين الأشخاص في جميع أرجاء العالم، بحجة حفظ الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية، ومن ثم للعالم.

متعة التفاصيل ليس في سردها بل في مشاهدتها على الشاشة في فيلم لم يخلو من إثارة ومتعة رغم مادته السياسية و.. التقنية إلى حد ما. الفضل في ذلك يعود لمخرج متمكن من تقديم الأفلام السياسية طوال تاريخه المهني، حاصداً الجوائز عن عدد منها، وكذلك للفنان جوزيف غوردون لفيت الذي ابدع في أداء الدور وتمكن من نقل حالة التوتر المصحوب بالإصرار على إتمام المهمة، والخوف الممتزج بشجاعة نادرة. غوردون ممثل جيد على أية حال تألق في عدد من الأفلام مثل Inception, The Dark Night Rises, Sin City وهو هنا يبرز بشكل اسثنائي في فيلم بدا هو محوره الأساس.

لكن المتعة الأكبر حقيقة ستكون في الجدل الذي ستعيشه بداخلك فيما تتابع ما يفعله سنودن، وحتى بعد إنتهاء الفيلم, سيتمثل هذا الجدل في عدم قدرتك على تقرير ما إذا كان سنودن بطلا أم خائناً، شجاعاً في تسريبه لمعلومات بهذه السرية وعلى هذه الدرجة من الخطورة والأهمية، أم متمرداً منتهكاً لقوانين السرية التي يلتزم بها أي موظف في العالم، ناهيك عن موظف يعمل في وكالة الأمن القومي. هل هو مسرب لمعلومات هامة للعالم بأسره، أم إنه متمرد، هل هو وطني مخلص للأسس التي بنيت عليها الديمقراطية الأميركية والتي يؤمن بها كثير من الأميركان، المثقفون على وجه الخصوص، أم خائن لبلاده ولديمقراطيتها، مهما بدت تلك النسخة المعمول بها من تلك الديمقراطية، مشوهة و.. مزيفة.

سيثار بداخلك جدل آخر ايضا حول الخط الفاصل بين حق الحكومات في مراقبة الحشود بهدف الحفاظ على الأمن القومي وبين حق الأفراد في الحصول على خصوصيتهم على مختلف وسائل التوصل، ستتسائل إن كان للتطور التكنولوجي الهائل الذي نعيشه تأثيرات سالبة على الديمقراطية.

الطريف أنك بقليل من البحث ستعرف أن الجدل لا يدور في أذهان مشاهدي الفيلم في جميع أنحاء العالم، وحسب، لكنه أيضا جدل يدور لدى صناع الفيلم أنفسهم. أوليفر ستون مخرج الفيلم وكاتب نصه، يقول في أحد لقاءاته، معلقاً على عدم تحمس أي  شركة أميركية لإنتاج الفيلم، ليرسو أخيرا على شركة ألمانية “إنه أمر غريب حقاً أن تصنع فيلماً عن رجل أميركي، ولا تكون قادرا على تمويل الفيلم في أميركا  (…) يقولون أن لدينا حرية تعبير، ولكن الواقع هو أن افكارنا ممولة، وموجهة، وكذلك اعلامنا. هذه البلاد تتعامل مع هذا الأمر بشدة، إذ لا يسمح بتوجيه الانتقادات عند مستويات محددة. يمكنك أن تصنع فيلما عن قادة الحقوق المدنية، ممن حلوا، ولكن ليس من السهل أبدا أن تصنع فيلما عن الأحياء منهم”.

نموذج ستون هذا الرافض لسياسات بلاده، الجرئ في اعلان معارضته ورفضه ذاك، ليس وحيداً. في أحد مشاهد الفيلم يقول صحفي الغارديان غلين غرينوالد (يقوم بدوره الممثل زاكري كوينتو) الذي كان مسئولا عن نشر المعلومات المسربة من قبل سنودن، وهو أيضا من ساعد سنودن على الهرب من هونج كونج. يقول غلين لسنودن “أنت لست وحدك” في إشارة إلى أولئك الذين لا يقبلون بسياسات بلادهم.

نعم لم يكن سنودن وحيداً، صحف كبرى نشرت قصته، صحافيون بارزون عرًضوا مهنتهم للخطر حين نشروا قصته تلك، آخرون ساعدوه  على الوصول إلى ملجئ آمن، وبعدها كان هناك مخرج شجاع كأوليفر ستون ينتقد سياسات بلده بهذه الصراحة وبهذه الجرأة، وممثلون لا يقلون شجاعة عن مخرج فيلمهم، يقدمون أداءا مميزاً يجعل مشاهدة الفيلم متعة خاصة، وبطل فيلم هو جوزيف غوردون ليفيت يتبرع بأجره عن الفيلم كاملا من أجل تسهيل الحوار حول علاقة التكنولوجيا بالديمقراطية.

إنها حقا نماذج مشرفة … لكن في الجانب الآخر، لا تتجاوز أرباح الفيلم على شباك التذاكر الأميركية، 20 مليون دولار، وهي نصف ميزانية الفيلم البالغة 40 مليون دولار. لم يعجب الفيلم المشاهدين الأميركان، وربما، ربما أقول، كانت تلك هي الحالة التي يرفض فيها العقل أن يستثار بداخله وعي مختلف بحقائق الأمور، وعي يهدد حالة السكينة التي يعيشها العقل وهو يسلم بأن الحالة القائمة هي المثلى، مهما كانت عيوبها ونقائصها. يبدو ذلك أكثر راحة للكثيرين، من مواجهة الأوضاع القائمة، وتحريك المياه الراكده والاضطرار للتمرد على أي خطأ بهدف تصحيحه… أقول ربما!!

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s