أطلقت أخيرا كتاب “انستغرامياتي” حبيب تشارك في مهرجان الشعر العربي بتونس

منصورة عبدالأمير

تشارك الشاعرة والاعلامية البحرينية بروين حبيب في مهرجان الشعر العربي المقام حاليا في مدينة المهدية في تونس (26-30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016). وتعد حبيب أول شاعرة خليجية تشارك في المهرجان الذي يختتم اليوم ويستضيف نخبة من أهم شعراء العالم العربي من بينهم  الشاعر العراقي شاكر لعيبي والشاعر المغربي ياسين عدنان والتونسي منصف الوهايبي والفلسطيني غسان زقطان والأردني راشد عيسى، والناقد السور ي صبحي حديد. المهرجان الذي يقام برعاية من وزير الثقافة التونسي  محمد زين العابدين ويكرم الشاعر التونسي محمد بنيس.

وتقدم حبيب في المهرجان ورقة نقدية بعنوان “لماذا الشعر الآن”، كما تشارك في أمسية شعرية عربية أدارها تلقي فيها بعضا من قصائدها إلى جانب شعراء من تونس ولبنان والمغرب ودولة الامارات العربية المتحدة.

وكانت بروين قد أطلقت أخيرا كتاب “أنستغرامياتي” الذي تم تدشينه خلال معرض الشارقة الدولي للكتاب (2-12 نوفمبر 2016).

وبحسب حبيب، فإن الكتاب الصادر عن دار مداد، يوثق “كل تلك اللحظات الجميلة المقتضبة” التي شاركتها الشاعرة متابعيها عبر موقع التواصل  الاجتماعي “انستغرام”، مضيفة بأنها أخرجت تلك اللحظات من “شكلها الإلكتروني و عالمها الإفتراضي” لتسكنها في كتاب”.

وعن اللحظات الانستغرامية تلك تقول “يومياً، أتقاسم معهم (تقصد متابعيها على الإنستغرام) فنجان قهوتي، و أبدأ بسرد الحكايات المحاكة بمغزل الفنون و الشعر و الأدب. من دبي إلى البحرين، و منهما إلى كل بقعة سافرت إليها و ارتشفت رحيقها، بين القارات”.

وقالت عبر مقدمة كتابها المعنونة بـ “حكاية انستغرامياتي”:  “فكرت جليا حين فتحت حسابا لي هل سأكتفي بنشر صوري كما يفعل الناس؟ هل سأنشر ما آكل و ما أشرب و ماذا اشتريت؟ أم أن الأفق يمكن أن يكون أفقا أوسع من تلك التفاصيل التي تهم جمهورا عريضا من الناس؟ فكّرت هل يمكن أن أنشر ماذا أقرأ؟ و أي كتاب يرافقني في سفراتي؟ و أي المقاطع التي تستهويني؟ و ما هي إلاّ كبسة واحدة لأعرف أن بيد المثقف أن يصنع العجائب بتوجهه. بإمكاننا أن نخلق جمهورا غبيا، و بإمكاننا أن نخلق جمهورا راقيا لأنفسنا، و هذا ما كان عليّ فعله”.

حبيب التي وصفت انستغرام بأنه “متحف إلكتروني يمكن لأي شخص أن يدخله. و يمكن لأي شخص أن يؤثثه و يفتحه لجمهوره”، تعترف بأنها كانت واعية بأن دخولها للإنستغرام وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي يشكل “إختبار كبير،  وسط هذا المطر الذي يحمل أوراقا بحجم غابات منتوفة، وبقايا قاذورات الكلام”، ولذا “فتحت صفحتي إنستغرام وجعلتها ملجأ لمن يريد أن يحتمي من تلك العاصفة التي تضرب الأدمغة وتصيبها بالأضرار”.

وواصلت “فتحت متحفي الصغير لجمهور “الفولوورز” لأخبرهم بمقولاتي الخاصة، و كيف أترجم الحياة في جمل بسيطة، ولعلي أدركت منذ اكتشفت فضاء الصورة هذا، عمق الصورة في حد ذاتها وسلطتها على أذهان الناس، لهذا أدرجت معها “حلو الكلام”

شيء من شعري، وشيء من أشعار غيري، شيء من رؤاي وآخر من رؤى غيري”.

 

حول علاقتها بالصورة، قالت “تختصر الصورة ندواتي، ورشاتي  التي أقوم بها، أفكاري القادمة لبرنامجي،  نصوصا أكتبها، نصوصا أصادفها خلال قراءاتي فأتقاسمها مع الجميع، ويصبح الأمر واجبا يوميا يشبه صلة الرّحم عبر هاتفي الذكي بتقنية كسرت مشاغل الحياة التي تبعدنا يوميا عن بعضنا بعضا”.

بروين وصفت موقعها على الانستغرام بمتحفها الصغير، وجاء كتابها ليوجه دعوة لجمهوره لزيارة هذا المتحف وللإطلاع على تجربتها الإيجابية جدا مع “الإنستغرام”، وليكون، كما تشير “عتبة لمنح كل مصور عربي أمل لإستعادة أهمية مكانته”.

ومن الشهادات التي وردت بشأن الكتاب، والتي تعتز بها حبيب كثيرا، ما قاله الروائي الجزائري واسيني الاعرج عن الكتاب إذ وصفه بأنه “تجربة شديدة الحساسية. فيها الكثير من بروين”، مضيفا بأنها، بتجميع مختاراتها في الانستغرام، “تؤكد بروين على شيء واحد هو الرغبة السريعة في عدم ترك اللحظة الجميلة تفلت لأنها لا تنتظر، والشد عليها بقوة، بالأظافر والعيون والأحاسيس، لأنها معرضة بسرعة للتلف، وكأنها شبيه الحياة”.

أما الناقد الدكتور صلاح فضل فوجد في الكتاب “صيغةاصيلة في جماليات التواصل الجماعي تثري المعرفة وتزيد بهجة الحياة”، في حين قالت الفنانة سميحة أيوب “لم يكن لدي انستغرام صفحتك اغرتني بل نصبت لي أفخاخ الدهشة والبهجة”.

أخيرا قالت الروائية لينا هويان الحسن “كأننا عبر الكلمات نريد أن نوثق لعالم لا نثق فيه، لحظات منفلته هاربة مجنونة آنية. لهذا بروين حبيب وسعت الكلمة تشعبت على أناملها بحيث تحول تلك اللحظات إلى نثريات تلتقط المشهد وتمنحه بصيرة شعرية”.

في معرض يكشف تواصلا عميقا بين تجربتيهما ويستمر حتى 10 ديسمبر يوسف: ألهمتني مقالة عمرها ثلاثون عاماً، وقاسم: يقين البهائم يجعلنا مطمئنين

المقشع – منصورة عبدالأمير

20161129_172227000_iOS

“يا يأس، اخرج المعتوهين بلوثة الأمل من غيهم، واخسف بهم الأرض (…) اكسر شوكة في أحداق المأخوذين بدسائس المستقبل وأشراك الانتظار (…) قل للمشغولين بخشبة النجاة أن البحر ليس هناك، وأن الشواطئ أسلاك شائكة للقاطن والمسافر”.

الكلمات أعلاه، وإن بدت مشوبة بكثير من اليأس والغيظ، إلا أنها في واقع الأمر جزء من نص “دعاء الأمل” الذي كتبه الشاعر والأديب البحريني قاسم حداد، ونشرته صحيفة «الوطن» الكويتية عام  1989.

تلك الكلمات، والصحيفة التي وصلت نسخة منها ليد الفنان والكاتب البحريني عباس يوسف، تحولا إلى مصدر إلهام للفنان، ظل متوقداً حياً طوال ما يقرب من ثلاثين عاماً.

مساء الثلاثاء (الموافق 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016) جاءت ترجمة يوسف لتلك الكلمات ولذلك الإلهام عبر تحية لونية واهداء فني خاص قدمه الفنان لصديقه الشاعر عبر خمسة وثلاثين عملا فنياً احتضنتها قاعة معرض البحرين للفنون التشكيلية.

أنجز الفنان بعض تلك الأعمال المختلفة في أحجامها، المتنوعة في اشتغالها على الورق أو على قماش الكانفاس، عام 2013، فيما تم إنجاز معظمها في فرنسا بين عامي 2015 و2016، لتمثل قوام تحيته للشاعر حداد.

هذا التحية المعنونة بـ “دعاء الأمل” والمهداة إلى قاسم حداد و”دروبة المضاءة بالمنارات”، هي واحدة من “عطاياه المدهشة” لأصدقائه، وذلك بحسب تعبير الكاتب والمترجم البحريني أمين صالح.

يوسف: ظلت معي حتى حان وقتها

منفتحاً على نصين لحداد، مشتغلا أولا وبدأب طويل في نفَسه وفي استلهامه، على النص المنشور عام 1989، حمل المعرض عنوانه “دعاء الأمل”، استلهم الفنان يوسف لوحاته التي عرض منها 35 لوحة فقط، والتي كشفت عن حجم تواصل إنساني وفني مميز ومختلف بين تجربتي عباس وحداد.

هذا النوع من التواصل بين تجارب يوسف وأصدقائه من المبدعين، ليس جديداً، كشفه الفنان عبر معارض قدم فيها تحايا لأصدقائه من المبدعين والفنانين، وذلك عبر اللون والشكل المجرد والأهم من ذلك عبر الحرف العربي بكل تشكيلاته وتموجاته وجمالياته. بدأها بـ “البحر عند ما يسهو.. تحية إلى أمين صالح”، ثم “تحية إلى علي الشرقاوي”، وبعدها “كليم اللون.. تحية إلى المرحوم ناصر اليوسف”، فــ”تحية إلى جبار الغضبان”، ومن ثم “التحية إلى محمود درويش”، وصولا إلى “تحية إلى عبدالإله العرب”. وهاهو يوم يقدم تحيته السابعة إلى حداد وإلى مقال العام  1989، الذي احتفظ به يوسف على لوحة في مرسمه منذ نشره، وظل ملهما له منذ ذلك العام، حتى قرر تحويله لأعمال فنية وتحية لونية خاصة جدا إلى واحد من المبدعين ممن يتشارك معهم مساحة إنسانية وفنية إبداعية خاصة جدا.

سألت يوسف عن سبب تأخر تحيته لحداد، رغم وجود النص، ورغم حضور الإلهام والمساحة الإبداعية المشتركة، فقال “تأخرت كثيرا وليس هناك سبب ما، إلا أنني إنتبهت فجأة إلى أن هذا النص الذي يحاكي الواقع، ظل معي منذ عام 1989، لم يكن مخبئا في الأدراج، بل حاضراً على لوحة في مرسمي، كما إنني اشتغلت على تسعة أعمال مستلهمة منه في عام 2013، ثم خبأته”

خبأ يوسف المشروع، وتتالت مشاريع أخرى، وهكذا كما يشير، أصبح “دعاء الأمل” ضمن مشاريعة المؤجلة.

في عام 2015 جاء نص آخر لحداد هو نص “إبدأ بنفسك”، فشكل مصدرا آخر للإلهام ليوسف، حينها، كما يشير “راجعت المشروع ووضعت تخطيطات جديدة لتحيتي لقاسم حداد، حاولت مباغتته بالأمر لكنه  للأسف عرف بالأمر”.

تأخرت تحية حداد لكن يوسف يقول “جاءت في وقتها”.

20161129_172224000_iOS

أسرني قاسم مرتين

ألهمه نصا حداد فجاء معرضا متعدد الإشتغالات، أسأل يوسف عن أي أنواع من النصوص تلك التي تلهمه وتظل ملهمة طيلة سنوات، وهل يقتضي الأمر أن ينتجها مبدع و”صديق” بحجم قاسم حداد وأمين صالح وعبدالإله العرب وعبدالجبار الغضبان وعلي الشرقاوي، فيقول “الشخص وعلاقتي به أمور مهمة في تقديري، ثم إن القرب الإنساني مع مبدع لا بد أن يقربك من نصوصه فما بالك إذا كان البعد الإنساني لدى هذا الصديق مرتفع دائما في حدته وفي منجزه الإبداعي، بالتأكيد ستؤسر  مرتين، مرة بشخصه ومرة بمنجزه الإبداعي… وفي الواقع فإن هذا هو دائما ما أؤخذ إليه”.

ولا ينفي يوسف إمكانية أن يلهمه نص ينتجه مبدع “أقل حجما” من أصدقائه، لكن “لا يمكن أن أقرر بالطبع ما إذا كنت سأقدم لهذا المبدع تحية لونية، ربما سأوجه له تحية اسبوعية”.

يوجه يوسف تحايا لونية، لكثير من المبدعين، بشكل أسبوعي، هي عبارة عن لوحة تشكيلية يعبر بها عن حجم التواصل والتقاطع بين تجربته وتجربة المبدع موضع التحية. يوجه الفنان تحيته تلك عبر حساباته على مواقع التواصل الأجتماعي كما يطلع اصدقائه عليها عبر قائمة بريد الكترونية طويلة.

قاسم حداد: عباس يفعل ذلك

“أن توجِّه تحيةً إلى قاسم حداد يعني أن توجِّه تحيةً إلى الشعر في أبهى تجلياته وأزهى صوره، إلى الكينونة الإنسانية في أسطع حضورها، إلى النبالة والسخاء في التعامل مع المحيط، إلى المخيَّلة النافرة التي لا سائس لها وتستعصي على الترويض، إلى المعاني المتناثرة في فضاء النص كالشهب ولا تقدر عليها فخاخ التأويل، إلى الكلمات المجنَّحة كالغرابة، إلى العطايا المدهشة، إلى الشيء ونقيضه، إلى العذوبة والدماثة، إلى صداقة الخبز والطريق التي لا تذبل، إلى الحب ولا شيء غير الحب”.

هكذا كتب المترجم والروائي البحريني أمين صالح، عن تحية الفنان يوسف للأديب حداد، في الكتيب المصاحب للمعرض، وحين سألت الأديب حداد عن تلك التحية، كيف وجدها، وهل لمس ذلك التواصل بين تجربتيهما، هو ويوسف، قال “عباس يحقق جانباً من أحلامي كشاعر محب ومولع بالتشكيل، أنا فعلا أحلم أن أكون رساما وتشكيليا”.

وأضاف “عمل الفنانين التشكيلين مع النصوص الأدبية، هي خطوة بالغة الأهمية في الثقافة العربية لأنها تفتح الآفاق للشعراء والكتاب والأدباء وتردم الفجوة بين الكاتب العربي وبين الفنون البصرية الأخرى، وهذا أمر مهم جدا فالرسم هو أحد الفنون البصرية التي تغذي الصورة الشاعرية لدى الشاعر، فأي صورة ذهنية شعرية أساسها الحقيقي الأول مادي وبصري”.

عن تفاعله مع استلهام يوسف لنصه، قال ” أفهم تحية عباس يوسف من هذا الجانب وهو الحوار العميق مع النصوص. كما إنه من المهم عندي أن أي فنان يتعامل مع نصوصي، يتعامل معها بحرية كاملة لا بقدسية وأن يظهرها كما أحب. أنا اظهرتها كما أحب في النص المكتوب لكن أحب أن أراها بشكل آخر في الفن الثاني.. وعباس يفعل ذلك”.

نصي ليس ملهماً!!!

حول شكل وماهية النص الملهم قال “دائما يقال أن الشاعر راعي، الشاعر رامبو كرس هذا المفهوم، وهو مفهوم قديم، إذ إن تحديق الشعراء القوي في الواقع يجعلهم قادرين على استكشاف أو رؤية المستقبل بوضوح أكثر. هذه هي جوهرية في الشعر بشكل عام وهو ما يجعلنا الآن كقراء ما زلنا نعجب بالنصوص الاغريقية والنصوص الشعرية القديمة وهذه خصيصة شعرية في الحقيقة”.

وعن نص “دعاء الأمل” والتفاتة يوسف له طيلة هذه السنوات، قال حداد “هذا النص عمره 30 عاماً ولا يزال يوسف محتفظاً بالقصاصة ويشعر وكأن النص مكتوب الآن، وأنا أشعر بأنه ما زال صالح للحظتنا الآن عبر كل هذه السنوات، ليس لأن النص ملهم، لكن النص يبقى حياً بل لأن حياتنا العربية لا تتغير بل تصبح أسوأ، ولذا لا يتغير كلامنا عن الأمل واليأس، وذلك بسبب جمود حياتنا وتدهورها ورجوعنا إلى الخلف، ما يجعل النصوص قادرة على الحضور، وهذا أمر مؤسف”.

يأتي مبعث الأسف الذي تحدث عنه حداد، أعلاه في أن “كل محاولات الشعر والإبداع والأدب كي يوقظ الإطمئنان السلبي عند الإنسان ويجعله قادر على تغيير حياته، لا تحدث”.

ويوضح “ليس أمرا مؤسفا بالطبع أن يتمكن نص أدبي من الحضور طوال سنوات، لكن السلبي هو أن حياتنا لا تتغير. كل تضحيات الأجيال وأحلام الشعراء والشباب المأخوذ بالتغيير، كل هذه التضحيات لا تفعل شيء ايجابي في حياتنا لأن لا أحد يصغي للإبداع خصوصا في الثقافة العربية، حيث يسقط الإبداع والأدب والفنون دائما من قعر القفة، ليصبح موضع شك وتهميش وحصار للأسف”

ويضيف”لو كنا نقرأ التاريخ بشكل جيد لأستطعنا أن نتطور.. لا يحدث في ثقافتنا واستيعابنا قراءة التاريخ كدروس متراكمة فلا يحدث لدينا تراكم نوعي. نحن نعبر على التاريخ ككائنات غير عاقلة وغير عاطفية كأنما يحدث في الواقع لا يخدشنا”.

نحن شعوب مذعورة

20161130_105345000_iOS

يوضح حداد بأن “العنف الشعري في نص دعاء الأمل صادر من الغيظ المكبوت عند الشاعر بأنه يكاد الإنسان العربي يستسلم لمشاريع الأمل التي يجري الترويج لها باعتبارها حقائق وهي في الحقيقة مشاريع تيئيس وليست مشاريع أمل لذلك أرى بضرورة الشك في كل مشروع عربي معاصر يجري الترويج له”

الشك، كما يشير حداد “هو الطريق الصحيح لطرح الأسئلة لكي لا نقبل الواقع بأجوبة جاهزة. نحن محرومون من الشك ومن طرح اسئلتنا الحرة، ومطالبون بأن نقبل بالواقع كأجوبة منتهية وأن نخضع لها كمشاريع أمل. هذا هو الخلل وهذا هو الذي لا يجعل لدينا تاريخ تراكم نوعي ودروس. نحن شعوب مؤجلة تذهب في الفراغ”.

موضحاً “الشك ليست مصادرة للمشاريع الحقيقية، بل هو عدم القبول بيقين البهائم الذي يجعلنا مطمئنين إلى أن كل شيء على ما يرام، في حين أنه ليس هناك سبب للإطمئنان، فنحن في الواقع محاصرين، مذعورين، والإنسان المعذور والمحاصر والمحروم، لا يبنى حضارة، ولا يبني مجتمع ولا  يشارك في التنمية وكل حقوقه الصغيرة مهددة ومحاصرة”.

هذا غير لائق

حول البديل الذي يمكن ان يطرحه المثقف العربي غير القادر على التناغم مع هذه المشاريع، قال “البديل هو اعطاء الكائنات العربية الحريات والعدالة الاجتماعية. لا يكفى الكلام بوصفه ديمقراطيةـ هذا ضجيج وهذه ديمقراطية القرون الوسطى التي تعطي العبد حقا في أن يتكلم. الديمقراطية الآن تعني العدالة الاجتماعية وتعني الكف عن ظلم الإنسان وعن مصادرة حرياته الصغيرة. الآن نحن مسموح لنا أن نقول كل شيء لكن ليس مسموح لنا بأن نتمتع بكل شيء”.

وعن مشروعه الشخصي قال “قلت مرة بأنني أكتب شعرا لأنني خائف، أنا لست مطمئن لأي شيء، والشعر هو حصني وأسئلتي. سلاحي الحقيقي هو الأسئلة، والشك في اليقين المهيمن” ثم قال “مطلوب منا أن نعجب بالمشاريع، بل أن نروج ونسوق لها. هذا غير لائق بالإنسان أن يطالب بأن يقبل الأجوبة بدون أسئلة.. لا يليق”

صالح: تحايا نادرة تليق بقاسم

الروائي والمترجم البحريني أمين صالح، صديق مشترك لحداد ويوسف، وهو من قدم تحية عباس في الكتيب المصاحب للمعرض/ التحية بمقالة بعنوان “العطايا المدهشة”، كان حاضرا معرض يوسف، وخلال حديثه للوسط، أثنى على الأعمال المقدمة فيه قال إنها “جميلة جدا” و”تليق بتجربة قاسم  وأسمه”.

صالح وصف التحايا اللونية التي يقدمها الفنان يوسف لأصدقائه من المبدعين، بأنها “أمر نادر جداً، وغير موجود في الساحة الثقافية أو الفنية”. قال أن يوسف “بدأ هذا الأمر كنوع من التقدير والامتنان والاحترام لتجارب آخرين يشعر أن هناك تفاعل بينه وبينهم، ليس فقط على المستوى الفني بل على المستوى الإنساني أيضا”.

أمين الذي كان أول من تلقى تحايا يوسف اللونية عام 2002، وذلك عبر معرض “البحر عند ما يسهو… تحية لأمين صالح” أكد بأن تحايا عباس “تُشعر الفنان الآخر بأن ما ينتجه وما يبدعه غير منسي وغير مهمل، وهذا نوع من التقدير يشعر باعتزازه” مضيفا بأن “هذه البادرة التي يقوم بها عباس لا نجدها لأن الواقع الثقافي لدينا واقع محكوم بكثير من الغيرة الشريرة والحسد والنفاق وبأمور مرضية غير صحية نادرا ما نجد تحية حقيقية بين الفنانين”.

حول ماهية وشكل النص الملهم، أفاد صالح بأن  “النص الإبداعي يمكن أن يظل ملهماً إعتماداً على العلاقة الشعورية واللاشعورية بين الشخص والنتاج نفسه” مؤكداً بأنه “ليس شرطا أن يكون النص قديما او حديثا، فهناك أعمال كثيرة تظل راسخة في الذهن (…) وإذا عدنا إليها بعد وقت طويل تظل محتفظة بقيمتها التاريخية” مؤكداً بأن نص حداد الذي ظل ملهما ليوسف طوال ثلاثين عاماً “بالتأكيد حافظ على شيء معين في العلاقة بينه وبين الفنان إلى حد أنه احتفظ به في ذهنه طوال هذه الفترة”، مضيفا بأن “لا شيء يمكنه أن يقيد إلهام النص أو يحدده، لأن كل ما نقرأه أو نشاهده يظل في اللاوعي، وتظهر تأثيراته في منتوجاتنا”.

يشار إلى أن يوسف أقام العديد من المعارض الشخصية، وشارك في الكثير من المعارض والفعاليات العربية والدولية، وقد تم اقتناء أعماله الفنية من قِبل أكثر من مؤسسة فنية وثقافية ومتحف، من بينها: وزارة الثقافة والفنون والتراث في دولة قطر، متحف البحرين الوطني، وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، المتحف الوطني البريطاني في العاصمة (لندن)، متحف الشارقة الوطني، في دولة الإمارات العربية المتحدة، المجمَّع الثقافي في إمارة أبوظبي، المجلس الوطني للثقافة والآداب في دولة الكويت، المتحف الوطني الأردني في العاصمة (عمَّان)، تحف الفن العربي المعاصر، في دولة قطر، المتحف الوطني في سورية وغيرها.

 

 

خلال ندوة “مصادر الكتابة الروائية” ضمن فعاليات “الشارقة للكتاب” … الروائي واسيني الأعرج: جملة الأمير عبدالقادر الجزائري لامبراطور فرنسا قتلتني

الشارقة – منصورة عبدالأمير

1

أكد الروائي الجزائري واسيني الأعرج أنه لا يتوجب على الروائي الافصاح عن مصادر إلهامه لعدم أهمية ذلك الأمر للقارئ في أحيان كثيرة، إلا أنه أشار إلى ضرورة سيطرة الكاتب على المساحة التي ينشىء فيها نصه.

جاء ذلك خلال ندوة حملت عنوان “ابتكارات مصادر الكتابة الروائية” أقيمت   ضمن البرنامج الثقافي المصاحب لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، في دورته الخامسة والثلاثين التي أقيمت في الفترة (2-12 نوفمبر/تشرين الثاني 2016).  ناقشت الندوة تنوع مصادر الكتابة الروائية بين واقعية وخيالية؛ وشارك فيها إلى جانب الأعرج، كل من الشاعر والروائي والصحافي الصربي فلاديسلاف باياج، والأديب الإماراتي ناصر الظاهري.

 واسيني الأعرج:   السيطرة  على مساحة النص

رداً على سؤال حول ما إذا كان بإمكان الروائي الكشف عن مصادر إلهامه، أم لا، قال  الأعرج أن “الكاتب يكتب بالدرجة الأولى من حقيقة موضوعية إما إن تكون على مستوى ذاتي أي مرتبط بالتجربة الشخصية  أو ان تكون مرتبطة بقراءاته المختلفة، لكن كل هذا ليس مهما وقد لا تكون له قيمة كبيرة، إلا في كون أن الكاتب حينما يكتب في مساحة عليه أولا أن يسيطر عليها، وأن يمتلك المكان الذي ينشئ فيه نصه”.

واستشهد الأعرج على ذلك بتجربته الشخصية في كتابة روايته “الأمير” التي تتحدث عن سيرة الأميرة عبدالقادر الجزائري، مشيراً إلى أنه حين قرر وضع كتاب عن الأمير عبدالقادر، إطلع على الكثير من الكتب التاريخية التي أرّخت للشخصية، وقال “الأمير عبد القادر الجزائري من الشخصيات الاستثنائية التي عاشت في القرن التاسع عشر، وإهتم بها الكتاب والنقاد والمفكرون والساسة والعسكريون وهو ما خلّف العديد من الكتب”، مضيفاً “قرأت حوالي 400 كتاب ووثيقه، لدرجة أنني أصبحت في عزلة عن محيطي” مرجعاً إقباله ذاك إلى “أنني كنت اتطلع إلى كتابة شيء ما عن عبد القادر الجزائري لكن لم أكن أعرف من اين أتناول الأمير”.

 الأعرج وجد الكثير من الكتابات حول “الأمير” من مؤرخين وساسة وعسكريين عرب وفرنسيين، لكنه اكتشف “أن الكتابات مكرورة عن بعضها البعض”، وهنا وجد الروائي الجزائري نفسه “نزعت قبعة الكاتب وإرتديت قبعة المؤرخ” مبررا توجهه ذاك “كنت أريد أن أسيطر على المساحة التي أريد أن أنشئ فيها النص”.

يقول الأعرج “بدأت أقرأ ولم أجد شيئاً يقنعني. كنت على قناعة بأن كتابي لن يكون له قيمة إذا كنت سأضيف وثيقة مكرروة أخرى حول (الأمير)”

 عبارة أخذتني وأخرى أعادتني

الفكرة التي بنى عليها الأعرج كتابه هي كما يفيد “كيف أؤنسن (الأمير) الذي كان أسطورة. أردت أن أنزل هذه الشخصية من الأعالي. أردت أن أعيد إنتاج  المستند التاريخي وهو المستند الأساسي لروايتي”.

مر الأعرج خلال مرحلة البحث تلك، بمرحلة توقف فيها عن الكتابة لمدة ستة أشهر، كان ذلك رد فعل سلبي لتفاصيل وجدها في إحدى الوثائق أخذته بعيدا عن شخصية “الأمير” وأبعدته عنها، يقول “وجدت في احدى الوثائق عبارة قالها (الأمير) لإمبراطور فرنسا، وذلك بعد الصلح الذي تم بينهما. وهي عبارة أعجبتني كثيرا لأنني وجدت الأمير يمتلك الدبلوماسية الكافية، وقال فيها “سيدي الإمبراطور، طلبت مني ألا ارفع سلاحا، وأنا لن أرفع سلاحا ضد فرنسا ولكن لا أضمن الأجيال القادمة” هذه الوثيقة اعجبتني كثيرا. لكن وثيقة ثانية ضمت جملة أخرى قالها الأمير للإمبراطور ردا منه على عتاب الأخير له حين قال “يا سلطان، وعدتني أن لا يحمل الجزائريون سلاحا ضد فرنسا، وهاهو ابنك محيي الدين يهرب الى تونس ويشترك في ثورة الفلاحين حاملا السلاح ضدنا، فكيف تبرر هذا”، فقال الأمير جملة قتلتني وقصمت ظهري إذ قال “لا هو إبني ولا أنا ابوه”.

هنا يشير الأعرج “وضعت القلم، وتوقفت عن كتابة الرواية، حتى وصلني كتاب من صديق فرنسي بعنوان “الأقدام السوداء”، ضم رسالة كتبها قس جزائري عاصر (الأمير) وارسلها إلى الإمبراطور الفرنسي إنذاك”.

يقول الأعرج “هذه الرسالة وهذا الكتاب أخذاني إيجابا كما اخرجتني عبارة (الأمير) سلبا. في الرسالة كتب القس للامبراطور متحدثا عن (الأمير) الذي كان حينها سجيناً في فرنسا “يا سيدي الامبراطور أنتم لا تعرفون هذا الرجل، أنا عاشرته، استمع لي لأحكي لك عنه ثم قرر ما تريد ان تفعله معه”. ونحت صورة من أجمل الصور عن هذه الشخصية، صورة مدهشة لرجل متسامح، محب للناس، شجاع، مناضل”.

ويكشف الأعرج “حينها تغير موقفي من الأمير وعدت لكتابة الرواية، إذ فهمت لماذا تبرأ الأمير من إبنه، فالأمير لا يزال عقله في ذلك الوقت عقل العربي الذي اعطى وعدا على نفسه، وحين خان ابنه الوعد، جاءت كلمته تلك”.

الرواية، كما يؤكد واسيني الأعرج هي اجابته حول السؤال عما إذا كان مآل البشرية هو صدام الحضارات والأديان، إذ يقول “أنا مع فكرة الحوار ولا يمكن إلا أن أكون كذلك، وكنت أود أن أجيب بنص إبداعي وليس بعبارة سياسية، فبدأت أكتب الرواية وجعلتها حول العلاقة بين الأمير والقس”.

 وختم الأعرج كلامه بالتأكيد على أنه “على الكاتب، خصوصا في الرواية التاريخية، ألا يكتفي بالمظهر الخارجي وأن يذهب بعيدا عما هو ظاهر ويجعل الشخصيات تتكلم” مضيفا بأن “ردة فعل القراء مهمة في العمل التحويلي، وأن المادة التاريخية إذا لم تمر  بالمصنع الذاتي للكاتب، يظل الكلام معمما مكروراً”.

فلاديسلاف باياج:   لا تكتبوا سوى الجديد

بعدها انطلق الكاتب الصربي فلاديسلاف باياج للحديث عن مصادر الكتابة الروائية لديه، مستشهداً بوقائع من تجربته الشخصية ككاتب. ولباياج عدة روايات، أهمها رواية “حمام بلقانيا” Hamam Balkanija الفائزة بجائزة بالكانيكا الدولية لأحسن كتاب في البلقان لعام 2007-2008.

بداية أشار باياج إلى أنه أعتمد المصادر الثلاث في كتاباته، مستشهداً برواية (كتاب البامبو) The Book of Bamboo  (1989) التي كتبها منذ 25 عاماً والتي أشار إلى أن مصدره الأساس فيها كان اهتمامه بالإطلاع على مختلف الثقافات والأديان، على الأخص مذهب “الزن” في البوذية، الذي كان محور روايته تلك.

ويوضح باياج “اطلعت على الكثير من المصادر حول هذا المذهب ولكني لم أرغب في كتابة الرواية لأنني أعرف الكثير حول موضوعها، بل لأنني وجدت أن علي أن أكتبها فقط إذا كان لدي شيء جديد لأقوله”، مفيداً “بشكل عام على الكتّاب ألا يكتبوا ما لم يكن لديهم شيء جديد ليضيفوه إلى العالم”.

باياج يقول أنه نفذ ذلك في روايته تلك والتي كانت الرواية الأولى له، وهو يؤكد أن هذه الرواية لا تزال ذات شعبية عالية حتى اليوم، وبعد ما يقرب من عشرين عاما من كتابتها، مضيفا بأن “هذه أعظم أمنية يحملها أي كاتب وهو أن يرى كتبه حية فيما لا يزال على قيد الحياة”.

… صِلوا الواقع بالخيال

في رواياته الأخرى، ومعظمها تاريخية، أعتمد باياج على وقائع تاريخية، لكن نقلها عبر الخيال، مادا صلة وجسرا بين الواقع والخيال، مفيداً بأن  “هذه إحدى اكثر الطرق شيوعا في كتابة الرواية المعاصرة”.

 وتطرق باياج إلى واحدة من رواياته التي صنفت على أساس أنها رواية سيرة ذاتيه،  حيث يروي فيها حياة إحدى الشخصيات الصربية التي عاشت في القرن التاسع عشر، ولم يكن قادراً على انقاذ بلاده الأمر الذي اضطره للسفر إلى الولايات المتحدة الأميركية والإقامة فيها التي لم تكن كما هي عليه اليوم. وقال  انه أحد مؤسسي الولايات المتحدة الأميركية التي نعرفها اليوم.

وقال انه في مثل هذه الكتاب لم يلجئ لإستخدام الخيال، لأن سيرة الشخصية كانت ثرية للغاية، مشيرا بأن تلك الرواية حولت إلى فيلم.

وأستشهد باياج أخيرا برواية “حمام بلقانيا” وهي أكثر رواياته ترجمة إلى لغات أخرى، إذ يقول “مصادري في هذه الرواية مختلفة، أهمها تاريخية من أرشيف المكتبات حول الحكم العثماني للبلقان في القرن السادش عشر وحين كان العثمانيون يحكمون البلقان واجزاء اخرى من العالم” مضيفا “عندما ندرس التاريخ تتكشف لنا العديد من الأشياء ونفهم اسباب ما يجري حولنا”.

ثم أشار باياج إلى أن النصف الأول من روايته يدور في فترة تاريخية سابقة، فيما تجري أحداث النصف الثاني من الرواية في العصر الحديث معتمدا في هذا الجزء على خبرته الشخصية.

وختم باياج حديثه عن مصادر الكتابة الروائية مستشهدا بروايته الأخيرة مشيرا إلى أن اعتمد في جزء منها خبرته الشخصية وذلك حين نقل عبره التاريخ الحديث لبلاده “التي كانت تسمى يوغسلافيا ولكنها الآن صربيا” موضحا بأن الرواية تسرد تاريخ بلاده “منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم، عبر تاريخ عائلة وتاريخ بلد لم يعد موجودا الآن”.

ويضيف “مصدر الرواية الرئيسي  هو حياتي وحياة عائلتي. وأنا أخبركم بهذا الأمر لأوضح لكم كيف  يمكن نقل التجربة الشخصية وتحويلها لشيء احترافي”.

ثم يختم حديثه قائلا “لا أدري إذا كانت روايتي جيدة أو انه يمكن اطلاق رواية عليها، لكني استخدمت فيها كم كبير من حياتي الشخصية لدرجة أني لم أعد بعدها قادرا على أن أحدد ما إذا كنت اتخيل أو استخدم حقائق عن حياتي. حاولت أن اكتشف من خلال مصادري الشخصية حدود الفعل، والشعور الخاص بذلك الفعل، فحين نتذكر أحداثا من التاريخ،  نجد أنها حقائق، ولكن حين ننقلها من الذاكرة  نصبح غير  واثقين ما إذا كانت تلك الوقائع قد حدثت بالفعل. كان هذا سؤالي الأساس في الكتاب هل نتذكر فعلا ما حدث أم نتخيل وقائع حياتنا الخاصة”.

ناصر الظاهري: مرتكزات الكتابة أربعة

الورقة الأخيرة قدمها الأديب الإماراتي ناصر الظاهري، وأشار عبرها إلى أن الكاتب والروائي لديهم عادة مكونات أساسية تقوم على مرتكزات أربع، أولها أن الكاتب طفل مشاغب كلما كبر، وثانيها القراءات الأولى التي تبني لدى الكاتب المخزون الثقافي والمعرفي، أما الثالث فهو الأسفار الخارجية التي تعد رحلة إلى الدهشة واكتشاف متعة الأشياء، وهناك السفر الداخلي وهو الأصعب بالنسبة للكاتب، حيث يفرض عليه طرح العديد من الأسئلة على نفسه التي من شأنها أن تحفزه للكتابة، في حين أن المرتكز الرابع يتمثل في الشخوص التي يمر بها الكاتب وتؤثر في حياته.

مؤلف رواية  جيسون بورن Jason Bourne الكاتب ايريك فان لاستبادر: لا علاقة للفيلم بما جاء في كتابي

الشارقة – منصورة عبدالأمير

2

قال الروائي الأميركي إيريك فان لاستبادر بأن أعظم اللحظات في حياة أي روائي هي تلك اللحظات التي يعرف فيها أن كتابته، غيرت حياة بعض الأشخاص، مشيراً إلى أن ذلك هو أحد أهم أسباب حبه للكتابة.

وقال مخترع شخصية “جيسون برون” Jason Bourne التي اشتهرت عبر الفيلم الهوليوودي الذي يحمل الاسم نفسه ويقوم ببطولته مات دايمون، أن الفيلم القائم على كتابه لا يحمل شبها على الإطلاق بما كتبه سوى في الخمس دقائق الأولى من الفيلم.

جاء ذلك خلال ندوة استضافت الكاتب الأميركي الشهير، أقيمت تحت عنوان “تحويل الكتب إلى أفلام في هوليوود”  وذلك على هامش فعاليات الدورة الـ 35 لمعرض الشارقة الدولي للكتاب (2-12 نوفمبر/تشرين الثاني 2016).

ويعد لاستبادر، أحد أبرز مؤلفي الروايات في أميركا، و وهو على قائمة الكتّاب الأكثر مبيعاً في العالم، إذ بيعت عشرات الملايين من النسخ من مؤلفاته حول العالم، كما ترجمت مؤلفاته إلى لغات عدة.  ويشتهر لاستبادر بأنه مؤلف عدد من الروايات التي استندت عليها أفلام هوليوودية شهيرة،  أهمها روايتي “النينجا” و”جيسون بورن”.

جميعهم رفضوا “النينجا”

51vKbJ7MEBL

عن “النينجا” The Ninja  التي حققت نجاحا غير مسبوق وقت اطلاقها عام 1979، ونقلت لاستبادر إلى قائمة الكتاب الأكثر مبيعا في العالم، قال “كان أمر طباعة هذا الكتاب صعب للغاية، عرضنا الرواية على ما يصل إلى 18 دار نشر. جميعهم رفضوها، لأنهم وجدوا موضوعها غريباً”.

وواصل “أخيرا وصلنا إلى دار نشر صغيرة هي إم ايفانز اند كو M Evans & Co. ، حيث أحبوا الرواية، لكن وكيل اعمالي أخبرني بأنهم لم يطبعوا أي قصة خيالية من قبل، وبأن روايتي ستكون أول رواية خيالية يطبعوها. ترددت بداية لكن حين التقيتهم، أخبروني بأنهم سينظمون حملة اعلانية ضخمة للكتاب، فوافقت.  نجحت الحملة الاعلانية وحقق الكتاب نجاحاً غير مسبوق، بل إن الناشر اعطاني مبلغ 200 ألف دولار وكان ذلك مبلغا ضخما في عام 1979 وهو رقم غير مسبوق”.

عن اختياره للنينجا كموضوع لكتابته، رغم غرابته في ذلك الوقت، قال “نشأت على قراءة كتب الخيال العلمي وقصص الجواسيس، ولذا كان أمر الكتابة في هذا المجال أسهل بالنسبة لي، أما اختياري للنينجا فجاء بعد زيارتي لأحد المعارض في اليابان، هناك سمعتهم يتحدثون عن فن النينجا، وحينها تعرفت على هذا الفن ووجدته فنا مذهلا، فاشتغل خيالي مباشرة، وقفزت في ذهني فكرة مثيرة حول نقل النينجا إلى نيويورك ومانهاتن، وجعلها تحدث فوضى في الشوارع الأمريكية”.

قضى لاستبادر شهور الصيف منكباً على تأليف كتاب “النينجا” ذاك، وبعد انتهاء الصيف سلم مسودته لوكيل أعماله الذي لم يكن لديه أدنى فكرة عن ماهية الكتاب، فعاد ليحدثه بعد اسبوع وليخبره ان كتابه ذاك سيحقق نجاحا هائلا. يقول لاستبادر “طلبت أن أقوم بعمل بعض التغييرات على الكتاب لكن وكيل اعمالي رفض وقال كلا سيحقق الكتاب مبيعات عالية، وبالفعل صدر الكتاب وتربع على عرش قائمة الكتب الأكثر مبيعاً عدة مرات”.

أنا.. لودلم.. وأفلام “بورن”

jason_bourne_ver3_xlg

في الوقت الذي حقق فيه لاستبادر نجاحه المذهل ذاك، كان هناك كاتب آخر ينافسه في تصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعا. كان ذلك روبرت لودلم مؤلف كتاب The Bourne Identity . كان وكيل أعمال الإثنين (لاستبادر ولودلم) واحداً، جمعهما في حفلة ما في منزله عام 1980 وحدث لقاء تطور إلى صداقة إمتدت حتى آخر عمر لودلم الذي فارق الحياة عام 2002.

ويتذكر لاستبادر “أخبرني وكيل أعمالي ان لودلم يود لقائي، فاستغربت إذ لم يكن لودلم من النوع الذي يحب التعرف على الناس والاختلاط بهم خصوصا اذا كانوا كتّاباً يحققون مبيعات كما يحقق هو. في ذلك اليوم وجدته جالسا لوحده، تعرفنا وتحدثنا طويلا عن أمور كثيرة وعن تشابه شخصيات كتبنا. اكتشفنا حينها أننا نتشارك ذات النظرة، ونؤمن بنظرية المؤامرة ونؤمن بأن الحكومات تتآمر كثيرا واتضح بأننا محقان بهذا الشأن”. وأضاف: “منذ ذلك اللقاء أصبحنا صديقين. لم تكن صداقتنا عادية ولم نلتقى مرة أخرى ابدا، تحدثنا على الهاتف مرات قليلة ولكنا كنا دائما قريبين لبعض. حين توفي عام 2002 اتصل بي الوصي على اعماله وطلب منى مواصلة ما كتبه لودلم في سلسلة “بورن”، وتقديم جزء جديد من السلسلة”

وواصل “كان الوصي على أعمال لودلم واثق انني قادر على فعل ذلك على اعتبار وجود أشياء مشتركة كثيرة بيننا. في البداية لم أكن متأكداً أنني سأوافق، ولكن بعد تفكير وجدت الفكرة التي يمكن أن أبدأ منها، بالطبع لم يكن لودلم مقررا ان يكتب جزءا  ثانيا لبورن ايدنتيني ولكن بعد النجاح الكبير الذي حققه الكتاب، كتب بورن سبرميسي The Bourne Supremacy  ثم جاء بعده The Bourne Ultimatum ، لكنني حين أردت كتابة جزء جديد من الفيلم وجدت أنني يجب أن اتخلص من بعض شخصيات لودلم، مثل زوجة جيسون بورن وأطفاله، حتى أستطيع مواصلة العمل على الشخصية”.

هوليوود أفسدت رواياتي

الجزء الجديد من السلسلة الذي كتبه لاستبادر، كان تحت عنوان Jason Bourne ، وعن درجة اختلاف الفيلم عما جاء في الرواية، قال “الدقائق الخمس الأولى فقط في أفلام بورن تشبه ما جاء في الكتب، أما الباقي فلا علاقة له بها. جزء من السبب يعود إلى أن الكتب تم شراءها في الثمانينات وكان الوضع السياسي مختلفا حينها، ولكن هناك سبب يعود إلى أن كتّاب السيناريو في هوليوود لا يحبون ان يعيدوا كتابة عمل شخص آخر، واذا فعلوا ذلك فانهم يفسدون العمل”.

ويضيف “الأمر الغريب بأنه لا يوجد شخص واحد اعرفه اشتكى من هذا الأمر، اشتكى البعض من ان الفيلم الأحدث لا علاقة له بكتابي، وانهم منزعجين من الأمر لأنهم يعتقدون أن كتابي افضل من الفيلم لكن الحقيقة هي أن الفيلم لا يشبه كتابي بل إنهم لم يقوموا حتى بالاقتباس من كتابي”.

عن شخصيات رواياته، قال “شخصيات رواياتي تفعل كل ما لم أكن قادرا على فعله في حياتي، وتعطيني شعورا أفضل مع نفسي”.

لا صيغة للرواية

1

أما عن الأعمدة الرئيسية للكتابة والصيغة الأفضل لكتابة رواية إثارة وتشويق، فقال “أكره كلمة صيغة لأنها تجعل العملية تبدو ميكانيكية وهي ليست كذلك. الكثير من الناس يشعرون بالضياع عند بداية الكتابة ولا يعرفون كيف يبدأوا، وينطبق هذا الأمر على أي رواية من اي نوع وليس روايات التشويق والاثارة فقط. لكن الأمر الذي أود التأكيد عليه هو أن الشخصية الرئيسية في أي رواية أو عمل يجب ألا تكون كاملة منذ البداية. يجب ان يكون هناك جزء هام مفقود من الشخصية. وان يعتبر الكاتب كتابه بمثابة رحلة تقوم بها الشخصية وتنقلها من حالة عدم الاكتمال لأن تكون مكتملة لدى القارئ، وتجعله يشعر بالإمتلاء وبأنه عرف شيئا جديداً”.

وضرب على ذلك مثالا من كتابه Black Heart  (1983) إذ قال “الشخصية في هذا الكتاب هي شخصية لاجئ كمبودي، والقصة تتحدث عن غزو أميركا غير القانوني لكمبوديا. بعد ستة أشهر من تداول الكتاب، تلقيت رسائل كثيرة من القراء، بعضها ممن قاتلوا في فيتنام ولم يكن يعرفوا لماذا كانوا هناك ولكن بعد قراءة كتابي فهموا كل شيء. كانت تلك اعظم اللحظات في حياتي وحلم لأي روائي ان يعرف انه غير حياة بعض الاشخاص، وذلك أيضا أحد  اسباب حبي للكتابة”.

جون لينين تنبأ بمقتله

وعرج لاستبادر على علاقته بمغني البيتلز الشهير جون لينين، وتذكر حادثة جمعته بلينين وصديقه التون جون، وكان ذلك في ربيع عام 1974 حيث التقى الثلاثة في قلعة جون في فرنسا. في تلك الجلسة أبدى التون اعجابه بأغنية جديدة للينين وأخبره أنها ستحقق نجاحا كبيراً وستصل إلى المركز الأول. لم يصدق لينين، فتراهن معه إلتون على أن يغينها في حفلته التي سيقيمها في نوفمبر من ذلك العام في سكواير غاردن، إن صدق حدسه وصعدت إلى المركز الأول.

كسب إلتون الرهان، وحضرت معهما الحفلة التي سيغني فيها لينين، وبعد أن انتهى إلتون من فقرته، وفي فترة الاستراحة التي يفترض ان يغني بعدها لينين، ذهبت إلى الحمام، وهناك سمعت شخص مريض جدا في احد الحمامات، وقلقت على الشخص بالداخل، وكنت أريد أن أعرف من هو، فانتظرت لحين خروجه من الحمام لأجد انه لينين  نفسه وحين سألته عن شحوب لونه قال لي انه خائف من الصعود على المسرح لأنه لم يفعل ذلك منذ مدة، طمأنته  وارتقى المسرح وقدم اداءا مذهلا.

حال خروجنا من المسرح، وصعودنا السيارة من باب خلفي، تجمع حول سيارتنا مجموعة من الفتية وبدأوا يتسلقون السيارة التي كانت تسير ببطء ويضربون الزجاج بأيديهم وكانت السيارة تهتز بسبب ذلك.كان الأمر مرعبا، وكان جون مرتعبا للغاية، وجدت بعدها أن جون كان يحمل خوفا دائما من أنه سيقتل وكان هذا أحد الأسباب التي جعلته يتوقف عن تقديم العروض إذ كان يخشى أن يطلق عليه أحد النار وهو على المسرح  أو يطعنه. كان الأمر بالنسبة لي مزعجاً، أعرف أن هناك أشخاص كثيرون لديهم موهبة موسيقيةلكن شخصياتهم لا تطاق لكن أن يحدث هذا مع جون لينين فهذا أمر صعب بالنسبة لي لأن جون هو المغني الاسطوري بالنسبة لي.

تروج لحقوق الطفل الاعلامية عبر الأفلام والورش المخرجة ومنتجة الأفلام فردوس بلبلية: فاجأتني جودة أفلام “الشارقة السينمائي للطفل”

الوسط – منصورة عبدالأمير

فردوس بلبلية

عضو لجنة تحكيم مهرجان الشارقة السينمائي الدولى للطفل فردوس بلبلية هي مخرجة ومنتجة أفلام مستقلة حصلت أفلامها على الكثير من الجوائز من مختلف مهرجانات الأفلام في جميع أرجاء العالم. هي أيضا مدرّبة تقدم الكثير من المشاريع التطويرية والورش التدريبية التي تسعى من خلالها للترويج لحقوق الطفل والمرأة ولدعم الشباب الأفريقي وتوعيته بحقوقه. هي أحد المساهمين في تأسيس ميثاق أفريقيا الجنوبية حول حقوق الطفل، ورئيسة مجلس ادارة محطة  ABC الإذاعية الخاصة بالأطفال، التي أطلقتها عام 2010 من نيجيريا. بالإضافة إلى ذلك، تترأس بلبلية مجلس إدارة المركز الدولى لأفلام الأطفال والناشئة.

ومن أبرز الأفلام التي قدمتها بلبلية عبر مؤسستها الانتاجية فيلم “مدينة صغيرة تدعى ديسنت” A Small Town Called Descent  وهو فيلم روائي طويل، انتجته بلبلية عبر مؤسستها الانتاجية Moments Entertainment   عام 2012 وحصل على جائزة أفضل فيلم روائي في مهرجان بان افريكان للأفلام Pan African Film Festival الذي يقام في لوس انجلوس وغيرها من الجوائز الهامة.

“فضاءات” الوسط التقت فردوس بلبلية على هامش مشاركتها كعضو في لجنة تحكيم مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للطفل، وحاورتها حول الأفلام المشاركة في المهرجان وحول جهودها في دعم حقوق الإنسان في بلادها جنوب افريقيا.

  • ما هي الآلية التي تعتمدها لجنة التحكيم في تقييم الأفلام المشاركة في المهرجان، إذ توجد لجنة تحكيم واحدة معنية بتقييم جميع فئات الأفلام المشاركة، فهل تم اعتماد معايير واحدة لتقييم جميع الأفلام المشاركة، على اختلاف فئاتها ومستوياتها؟

الأمر صعب وقد تطلب منا الأمر وقتاً طويلا، فنحن نحكم مختلف انواع الافلام الروائية والوثائقية والقصيرة وأفلام التحريك. الأمر الجيد هو أنه تم إرسال بعض الأفلام لنا مسبقا. ما سهل الأمر هو أن جودة الأفلام كانت عالية ومدهشة. حقيقة لم أتوقع أن يقبل صناع الأفلام على المشاركة في مهرجان يقيم دورته الرابعة فقط. اعتقد ان ما فعله هذا المهرجان في وقت قصير جدا هو حرصه على تقديم أفلام ذات مستوى وجودة عاليين، ما جعل صناع الأفلام ذات المستوى العالي يقبلون على المشاركة فيه، كما رفع عدد الأفلام الراغبة في المشاركة عاماً بعد عام حتى وصل الى 500 فيلم في هذا العام، تم قبول 126 فيلم منها فقط. القواعد والمعايير الأساسية موجودة، لكن فيما يتعلق بالمحتوى، فبالطبع سيكون معيار تقييم المحتوى المقدم من قبل الصغار مختلفاً عن سواه قليلا، على الرغم من انك تبحث دائما عن الجودة العالية وعن القيمة الانتاجية والقصة والسرد والمحتوى الابداعي، ومدى تمكن صناع الأفلام من رواية قصصهم باستخدام هذا الوسيط وهو امر مهم للغاية ثم هنالك التكنولوجيا وفيما إذا تم استخدامها في حال الحاجة إليها، وبالشكل المناسب للقصة، وبعد التمكن من توظيفها بشكل صحيح.

  • كيف وجدتي الأفلام المشاركة في هذه الدورة من المهرجان، بشكل عام؟

هذه اول مشاركة لي في مهرجان الشارقة واعتقد ان جودة الأفلام عالية جدا في جميع الفئات المشاركة، واستمتعت بمشاهدتها كثيراً. أنا أحضر الكثير من المهرجانات سنوياً واشاهد الكثير من الأفلام من أوروبا واميركا الجنوبية وآسيا ومن دول كثيرة، ويمكنني القول أن الأفلام المشاركة في مهرجان الشارقة للطفل هي بنفس مستوى الأفلام التي شاهدتها في مختلف المهرجانات. هناك فارق بسيط بين تلك الأفلام والأفلام التي يقدمها مخرجون من المنطقة العربية، ولكنها جميعاً أفلام ذات مستوى مثير للاعجاب.

  • ماذا عن الموضوعات التي تناولها صناع السينما في أفلامهم مع العلم بأنها مقدمة لمهرجان سينمائي خاص بالطفل.

الأمر المثير للإهتمام هو أن معظم الأفلام القادمة من منطقة الشرق الأوسط تناقش قضية ما تأتي في نطاق الموضوعات التي تهم المنطقة، وقد انتقل التركيز الآن من القضية الفلسطينية إلى سوريا.   كذلك هناك الأفلام التي تناقش موضوعات وقضايا تعلم الأطفال كيف يتعاملون مع حياتهم، على الأخص الأفلام التي تناقش أوضاع اللاجئين. اعتقد ان هذه الأفلام تشكلة نقلة في المنطقة، تتعلق بمن يحكي قصتك وأين تحكيها، ففي الغالب يأتي اشخاص من الخارج ليرووا قصص الصغار بدلا عنهم. لكن الصغار الآن يروون قصصهم بأنفسهم دون حاجة إلى طرف ثالث يتولى الأمر، وهذه مساحة مهمة تستحق البحث فيها.

  • لكن هذه الأفلام،هل هي موجهة للأطفال، أم إنها تتحدث عنهم، بشكل عام هل يتحدث المهرجان بلسان الأطفال ولهم أم عنهم؟

اعتقد ان المهرجان يحاول ان يبنى جمهورا من الاطفال، و يوجه افلامه للاطفال لكن ليس بشكل تعليمي ولكنه يسعى إلى تقديم أفلام تناسب مستوى الأطفال، ربما تكون أعلى بقليل لكنها تأخذهم إلى مساحات جديدة وتفتح لهم نوافذ أخرى. المهرجان يسعى لخلق هذه القاعدة من جمهور الأطفال ليس عبر الأفلام فقط، لكنه يعمل ايضا على تنظيم ورش لتفكيك هذه الأفلام، تعلم الصغار كيف ينظروا لما وراء الصورة فيعرفوا كيف جاءت هذه الأفلام. اعتقد ان النية لدى منظمو المهرجان هي ان تكون الافلام موجهة للاطفال ويبدو ذلك واضحا في الطريقة التي تم عمل هذه الأفلام بها. عموماً فإن قضية المحتوى المقدم للاطفال هي قضية يتم مناقشتها منذ 20 عاماً. وفي كثير من الأوقات نميل لأن نقدم فيلما عن الأطفال وعن أوضاعهم وحياتهم ولكن الفيلم بعدها لا يوجه للأطفال وقد لا يناسب مستواهم، قد لا يتم التركيز على الطفل وقد لا يتم تمكينه في القصة. لو اخذنا فيلم “أنا سامي” على سبيل المثال، وطرحنا السؤال التالي هل يحكي الفيلم حقا قصة سامي أم أن هناك شخص بالغ يتحكم في سرد القصة. أعتقد أن الفيلم رائع في اداءه ومبني بشكل جيد، لكن إذا قسنا تأثيره على مشاهديه من الصغار والكبار فسنجدأنه أشد تأثيرا على الكبار. هذا هو التحدي وهو أن يكون لدينا رواة قصص، يعلمون جيداً كيف يحكون قصة الفيلم ولمن يحكوها وعلى أي مستوى يقدموها.   أيضا هناك قضية أخرى تتعلق بالأفلام الموجهة للأطفال وهي أن تطور ونمو الاطفال مختلف من منطقة لاخرى في العالم، فما يناسب الطفل في جنوب افريقيا قد لا يناسب الطفل من نفس العمر في انجلترا، لأن الأخير له قدرة اكبر على الوصول الى الاعلام والتكنولوجيا.

  • بشكل عام، هل وجدت فرق في مستوى الأفلام القادمة إلى المهرجان من المنطقة العربية وتلك القادمة من جميع انحاء العالم، على الأقل فيما يتعلق بالقيمة الانتاجية لهذه الأفلام؟

نعم هناك فجوة اعتقد انها حدثت بسبب القدرة على الحصول على التدريب أو التمويل اللازمين، ولكني لن أقول أن مخرج افلام ما افضل من الآخر في أدواته لكن سأقول في الموارد التي يحصل عليها، فكلما كانت الموارد افضل كلما كان الفيلم افضل فيما يتعلق بقيمته الانتاجية، لكن فيما يتعلق برواية القصص فهذا لا يكلف مالا، ان تكون قادرا على الكتابة يعني ان تكون قادرا على ان تقدم قصة جيدة. التحدي المتعلق بالموارد المادية يضمن توفير كاميرا افضل مثلا او طاقم عمل اكثر تخصصا. وهناك ايضا تحدي آخر يواجه صناع أفلام الأطفال هنا وهو، أنه لا يتم انتاج عدد كافي من أفلام الأطفال كما يحدث في الدول الاسكندنافية، وفي ألمانيا وهولندا مثلا. هؤلاء يولون أفلام الأطفال عناية خاصة منذ عقود  وهم رواة قصص رائعون ولديهم الصيغة الصحيحة فيما يتعلق بالمحتوى المقدم للاطفال.

  • بعيدا عن المهرجان، لديك سبعة افلام روائية، وتعملين على فيلمين جديدين. حدثيني عن هذين الفيلمين

  • descent

اعمل على سلسلة أفلام أقدمها تحت عنوان “افريقيا مانديلا” Mandella’s Africa  وهي تتحدث عن نيلسون مانديلا في الوقت الذي كان لا يزال ناشطاً سياسي وشاباً ومتحمساً، يؤمن بأن الطريقة الوحيدة لمقاومة حكومة التمييز العنصري هي عبر الكفاح المسلح، ولذا سافر الى بعض الدول الأفريقية عام 1962 للحصول على دعم لذلك. الفيلم يقتفي اثره منذ مغادرته جنوب افريقيا حتى زيارته للسودان ولمصر والجزائر وتونس وإلى 16 دولة افريقيا وأخيرا إلى انجلترا.

ومن أجل تصوير هذا الفيلم اطلعنا على مذكراته، ونحن الوحيدون الذين تمكنا من الإطلاع على هذه المذكرات، وقد ورد في هذه المذكرات اعجابه بقوة مصر العسكرية، التي غيرت نظرته للأفارقة بشكل كامل، إذ يقول إن حالة العزلة والنبذ التي يعيشها الأفارقة في جنوب افريقيا جعلته يعتقد أن أنهم لا يملكون القدرة على مقاومة ذلك الوضع لكن كل ذلك تغير حين زار مصر ووجد هذه القوة التي لا تقل عن قوة جيش جنوب افريقيا الأبيض.

كذلك أعمل على فيلم آخر بعنوان Liberation  “التحرير”، وهو مبنى على قصة حقيقية لدبلوماسي زار جنوب افريقيا خلال فترة الحكم العنصري، وخلال ذلك تعرض لحادث سيارة اصابه بتلف في الدماغ واضطره للعودة الى ايطاليا. المثير في قصته هو انها حدثت في وقت تشكل جنوب افريقيا الجديدة وتحررها، وحين عاد إليها بعد 15 عاماً، اكتشف ان كل شيء كان يعرفه  عن جنوب افريقيا لم يعد موجوداً.

  • هل تحرصين على أن تكون افلامك ذات طابع تعليمي، بحيث يتناسب ذلك مع الجهود التي تقومين بها في جعل الأفارقة يؤمنون بثراء قارتهم وبقدراتهم، أم إنها أفلام ذات طابع فني بحت يتناسب مع المهرجانات والعروض الخاصة.

أفلامي موجهة للجميع، ولا أقدم أفلام مهرجانات، ربما قدمت فيلما واحدا من هذا النوع وهو فيلم “صرخة الحب” Cry of Love  الذي يناقش قضية العنف ضد الأطفال في بعض الدول الأفريقية. من أجل تصوير هذا الفيلم سافرنا الى خمس دول أفريقيا للبحث في هذه القضية.  بالإضافة إلى ذلك لدي افلام اخرى تتحدث عن قضايا قاسية في المجتمع الأفريقي لكننا نحاول عرضها بطريقة ممتعة قليلا، وذلك عن طريق ادخال بعض الفقرات الفنية والموسيقية. وبالفعل عرضنا أفلامنا هذه في عدد من الجامعات والمعاهد ولقيت قبولا كبيراً. ويأتي ذلك ضمن جهودي لدعم حقوق الإنسان في افريقيا.

  • ماذا عن جهودك الأخرى لدعم الشباب، هل قدمت أي أفلام ضمن برنامجك الدعم للشباب في أفريقيا؟

نعم أنا أعمل في مجال دعم الشباب والأطفال منذ بداية التسعينات وقبل استقلال جنوب افريقيا. كنت اقدم ورش تدريبية للأطفال على الأخص في المناطق التي لا يلتحق فيها الاطفال بالمدارس. بالإضافة إلى ذلك اقدم ورش للشباب ليتمكنوا من ايجاد حلول لبعض قضاياهم بطريقة ايجابية، اعرفهم بحقوقهم وبالكيفية التي يتمكنوا من خلالها من مساعدة الآخرين في مجتمعاتهم. عندما بدأنا مؤسسة الأطفال والإعلام لأفريقيا روجنا لموضوع أن الحقوق الاعلامية للأطفال تعادل في اهميتها الحقوق الاخرى، وأن أطفالنا من حقهم الوصول الى التكنولوجيا كالأطفال في المجتمعات الأخرى، وأن الطفل الذي لا يملك اليوم قدرة على الوصول الى التكنولوجيا، لن يكون قادرا على التعلم.

في ندوة “التجريب الأدبي” على هامش “الشارقة للكتاب” الروائي الفلسطيني ابراهيم نصر الله: “براري الحمى” نقلتني لما بعد الحداثة  

الوسط – منصورة عبدالأمير

قال الروائي والشاعر الفلسطيني ابراهيم نصر الله، إنه في الوقت الذي كان العالم العربي منقسماً في آرائه حول روايته “براري الحمى” وفيما إذا كانت ستدرج ضمن أدب الحداثة أم لا، كان العالم الغربي قد أكد اعتباره العمل رواية ما بعد الحداثة، بسبب لغتها العالية جدا، وحدثها الأشبه بالأسطورة.

جاء ذلك خلال ندوة “قضايا التجريب الأدبي” التي أقيمت ضمن البرنامج الثقافي لمعرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الخامسة والثلاثين (2-12 نوفمبر/تشرين الثاني 2016)، وشارك فيها إلى جانب نصر الله، الناقد والباحث والقاص الإماراتي سلطان العميمي.

بداية قال نصر الله إن التجريب “فعل يعتبر في حد ذاته جزءاً أساسياً من العملية الإبداعية الفنية: وإن التجريب في الرواية ليس سوى “محاولة للمساهمة في هذا الفن”،  مشيراً إلى أنه لا شيء يقلقه كالتكرار.

التكرار هو ما أرجع إليه نصر الله وجود كتاب “فقير” وصفه بأنه “أشبه ما يكون بتلك المستنقعات الصغيرة التي يتركها النهر على جانبيه فما تلبث ان تجف وتتلاشى وتتعفن ولا يقترب منها اي كائن حي” في مقابل كتاب جيد وهو كما يشير “الكتاب الغني بشكله وبمضامينه وبعلاقاته،  ولهذا نعود إليه مرة تلو مرة”.

براري الحمى… البدايات

وعى نصر الله كرهه للتكرار، حين كتب روايته “براري الحمى” التي تأثر فيها بالمسرح، وخاصة المسرح الأغريقي، وبمسرح العبث بشكل أساسي.

هذه الرواية نقلت نصر الله إلى مصاف كتاب مع بعد الحداثة عالمياً، يقول “حينما صدرت هذه الرواية انقسم القراء والنقاد حولها، فكان السؤال هل يمكن أن تكون اللغة بهذه المستوى، وأن يكون عدد الضمائر في أول ثماني صفحات فيها أربعة ضمائر فقط داخل العمل”.

ويضيف “كانت هذه المسألة مغامرة كبيرة، لكن فيما يعد حتى من كانوا متحفظين على الرواية غيروا آرائهم وبدأوا يميلون لما قدمته بشكل فني. كما أنه وفي الوقت الذي كان فيه العالم العربي يبحث فيما إذا كان العمل يعتبر رواية حداثة أم لا، كان العالم الغربي قد أكد أن العمل يعتبر رواية ما بعد الحداثة، وذلك لكون اللغة  فيه عالية جداً، كما كان الحدث فيه أشبه ما يكون بالأسطورة”.

مفيداً بأن مضامين الرواية تفرض الأشكال الملائمة لها، إذ “حين تقترب من البرية والمناطق البكر والغابات والصحارى تتوالد الأساطير، وحينما تقترب من المدن تتوالد الكوابيس إلى حد بعيد”، مدللا على ذلك بإختفاء لغة “براري الحمى” من روايته التالية “طيور الأثر”، مرجعاً السبب إلى كون “بطلها طفل وأحداثها تدور في جو متقشف تماما”.

شرفة الهذيان تنوع الأشكال

كذلك أكد الروائي الفلسطيني ضرورة تنويع أشكال الكتابة في الرواية، مساويا أهمية ذلك بالوعي المطلوب بالمضامين، وقال “في روايتي “شرفة الهذيان” حاولت استغلال كل الفنون والأشكال، فأحد فصول الرواية عبارة عن سيناريو، وفصل آخر هو حوار مسرحي وآخر قصيدة وآخر سرد وهناك الصورة الفوتوغرافية والصورة السينمائية والخبر الصحفي”.

وعن أهمية الشكل بالنسبة للمضمون، تحدث نصر الله عن روايته “حارس المدينة الضائعة” التي “تتحدث عن شخصية مسحوقة، وغائبة عن حاضرها” مشيرا إلى أن الرواية “تكشف أن هذه الشخصية تدرك الجزئيات وتغيب عنها الكليات”.

 أما في رواية “طفل الممحاة” فكانت الشخصية، كما يشير “أكثر انسحاقاً، وهي شخصية جندي عربي يذهب ضمن أحد الجيوش العربية لتحرير فلسطين”.

ويوضح بأنه حين بدأ الكتابة عن هذه الشخصية الغائبة، لم يرضى عنها “لأني أحسست أن الشكل غير ملائم للشخصية، واتخذت فيها مسار السيرة الذاتية التي اعتبرها بنية ماحية، تسير وتنسى المحطة التي قبلها”.

ويكمل “هذا البناء هو أدق بناء يعبر عن الشخصية وعن الرواية، على عكس بناء رواية “مجرد اثنين فقط” التي تدور أحداثها في مذبحة لا اسم لها وكل شخصياتها بدون اسماء، والتي تقوم فيها الشخصيات بإستحضار الماضي لتكون قوية به ولكي تتكثف وتحتشد لتقاوم لحظة الإبادة”.

ثم يفيد “اصبح تيار الوعي في رأيي وأنا أكتب هذه الرواية ليس التيار القائم على التمزق كما في الرواية الغربية بل على استحضار الماضي للتسلح به ولتقوية الروح  به”.

تجربتي الفريدة

التجربة الفريدة بالنسبة لنصر الله هي رواية “شرفة رجل الثلج” التي كتبها بخمسة أشكال، يقول “كل مرة أعيد تركيب الرواية من جديد فأكتشف أنه مع كل تغيير في الشكل تتغير المضامين أو تتعمق، مع أني لا أضيف أي شيء للبطل او للأحداث”.

وعن  روايته  “أرواح كليمنجارو” التي صاحب فيها أطفال فلسطينيين فقدوا بعض أطرافهم في رحلة إلى قمة جبل كليمنجارو، قال “هذه رحلة إنسانية كبرى وملحمة سطرها أطفال فلسيطينيون ببهاء شديد. لم أتوقع أني سأكتب عمل روائي عن الرحلة، ظننت أنه قد يكون كتاب عن أدب الرحلات. لكني اكتشفت بعدها أن الرحلة أوسع من أن تكون ضمن أدب الرحلات او أدب السيرة”.

ويوضح “استخدمت بناء أدب الرحلات لألعب مجموعة من التقنيات في داخل هذا العمل الذي اعتقد لم يسبق لي ان قمت بمثله من قبل”

ثم أكمل “في لحظة ما أحسست أن الرواية تسير ضمن مسار الرحلة، ثم إكتشفت أنه لا بد أن يحدث ذلك التحول وتنتقل الرحلة من المسار المادي للمسار المجازي الذي يرفعها إلى أفق آخر وبعد آخر”.

فتحت أبواب شعر جديدة

عن استخدامه التجريب في الشعر فقال بأنه كانت له ثلاثة دواوين قائمة على القصيدة المتوسطة، ثم توجه إلى القصيدة الدرامية الطويلة، قبل أن يحدث تحول وصفه بالتحول الغريب في تجربته الشعرية بدا واضحا في ديوانه “عواصف القلب” وأحدث صدمة لدى قرائه، يقول “اتجهت من القصيدة ذات الألف بيت إلى القصيدة ذات الأربعة أو الثلاثة أبيات. هذا الديوان، وبرغم الانتقادات التي وجهت إليه في بداية الأمر، فتح باباً واسعاً في اتجاه القصائد العربية القصيرة جداً، حيث صدرت بعده مباشرةً مجموعة كبيرة من الدواوين المشابهة له، وقد  كان حجمه صغير جداً (9 × 13 سم)، وكان هذا الحجم لا يستخدم عادةً، ولكن بدأنا بعد ذلك نرى كثير من الدواوين تصدر بهذه القطع”.

وأشار نصر الله إلى أنه بعد ذلك توجه إلى القصيدة السيرية وذلك في ديوان “الأم والأبن”، وفي ديوان “مرايا الملائكة” الذي كتب كل قصائده عن الشهيدة إيمان حجو الطفلة التي لم يتجاوز عمرها الأربعة أشهر”.

العميمي: قصة من ثلاث كلمات

من جانبه قال سلطان العميمي أن “مفهوم التجريب يمتد إلى فضاءات شاسعة على صعيد الشكل وجوانب اخرى في الاجناس الأدبية واللغة وبناء النص وبناء الجنس الادبي نفسه”

ولكي لا يقع الكاتب الذي يبحث في التجريب في التكرار، وجب عليه، بحسب العميمي “الوعي بما كُتب من أشكال أدبية سابقة”.

وحول محاولته في التجريب أكد أن لديه محاولتين في التجريب، الأولى على صعيد الرواية حيث تعددت أصوات الرواة فيها، بينما الثانية على صعيد القصة القصيرة وذلك في كتابه الأخير “غربان أنيقة”.

وأشار العميمي إلى أن محاولات التجريب في القصة القصيرة بدأت من خلال اختصارها إلى حوالي التسعة أسطر، ومن ثم إلى سطر واحد، حتى وصلت في بعض الأحيان إلى ثلاث كلمات، وكشف عن أنه كتب قصة قصيرة من ثلاث كلمات وأنه لم ينشرها حيث يقول نصها “اشتعلت لتطفئ اشتعالها” وقال: “تركت تأويلها للقارئ”.

 

خلال مشاركته في فعاليات “الشارقة الدولي للكتاب” الفنان عزت العلايلي: تنبأت بنكسة 67 وتابعني عبدالناصر فأصابني الغرور

الوسط – منصورة عبدالأمير

2

أكد الفنان المصري عزت العلايلي أن الفن مسؤولية وأن الفنانين مسؤولون عن بناء مجتمعاتهم وعن التحدث بصدق وأمانة عما يهدد مجتمعاتهم، ليس بشعارات لا قيمة لها وإنما بفكر موحد.  وقال العلايلي بأنه مواطن مصري عربي يعيش حياته بكل تناقضاتها، وإنه لا يمكن أن يجزم أنه لم يندم على دور واحد في حياته.

من جانبها أكدت الكاتبة والباحثة الكويتية أمل عبدالله، أنها لم تشق طريقها في الفن لأنها لم تكن تملك موهبة فنية، على عكس شقيقتها الفنانة سعاد عبدالله، لكنها أشارت إلى أنها سعيدة بإنجازاتها في مجال البحث والكتابة.

جاء ذلك خلال جلسة حملت عنوان “مشاهير من الفنون العربية” نظمتها هيئة الشارقة للكتاب، على هامش فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الـخامسة والثلاثين والتي تقام في الفترة 2-12 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، وتمت بمشاركة كل من الفنان عزت العلايلي والكاتبة الكويتية أمل عبدالله.

العلايلي: وهبي والريحاني وشكوكو اسساني

بداية تحدث العلايلي عن بداياته مع الفن، مشيرا إلى أنه نشأ وهو يتفرج على مسرحيات يوسف وهبي ونجيب الريحاني، حيث كان والده يصطحبه إلى مسرحياتهما. واستذكر قائلا “عندما كنت في سن الثامنة اصطحبني والدي إلى المسرح القومي، حيث شاهدت معه واحدة من مسرحيات يوسف وهبي، ففتنت بها. وما أن خرجنا من المسرح حتى تداعت في ذهني صورة وهبي وخشبة المسرح وتصفيق الجمهور”.

أما في مسرح الريحاني، فحاول العلايلي أن يجلس في الصفوف الأمامية، حين اصطحبه والده، وحين علم أن هذه الصفوف محجوزة للوزراء اصابه استغراب حول اهمية تواجد الوزارء في المسرح، لكنه كما أشار “بعد أن تداعت الأيام، عرفت أن قيمة الفنان عالية جداً، لدرجة أن الوزراء يأتون لمتابعة ما يقدمه من فن” مؤكداً بأن الريحاني كان في أغلب رواياته ناقداً للشارع والسياسة المصريين في ذلك الوقت”.

ويتذكر العلايلي كيف استهوته تجربة الفنانين فكان يقدم مونولوجات شكوكو التي كان يحفظها عن ظهر قلب لأبناء الحي في منزل اسرته، مستغلا فترة غياب والديه”.

الفوضى التي كان عزت يحدثها في المنزل لم تغضب والده الذي استشعر عشقه للفن، بل دفعه لصقل موهبته تلك بالدراسة، حيث التحق بمعهد الفنون المسرحية، وتخرج منه بتفوق.

يسقط الإستعمار هي البدايات

عن أول ظهور له في السينما قال العلايلي “كان عمري 12 عاما حين اخبرني احد زملائي ووالده يعمل في السينما، بأن هناك حاجة لثلاثة فتية ليمثلوا مع الفنان حسين صدقي في رواية بعنوان “يسقط الاستعمار” وان التصوير في استوديو شبرا. غلبني الحماس وذهبت إلى هناك دون معرفة والداي، وكنت احمل في جيبي 35 قرشا. بقيت طوال اليوم، ونفذت النقود التي احملها وكنت منهكاً وجائعا ووالدي لا يعرفان عني شيئاً، لكنني أصررت على البقاء وتصوير المشهد حتى الثالثة فجرا”.

وأضاف “هذه الحادثة جعلتني أعيش أجواء السينما والتصوير، وأكدت لدي شغفي بالسينما، وزادت اصراري على ان اكون ممثلا، ولذا حين جاءت دعوة أبي لي لدخول معهد السينما بعد سنوات، لاقت صدى كبير”.

أبو سيف احترمني وشاهين زجرني

3

أما عن عمله مع المخرج صلاح أبوسيف، فتذكر العلايلي “بعد تخرجي من معهد الفنون المسرحية مباشرة، طلبني المخرج صلاح أبو سيف، حيث قابلته في استوديو مصر، آنذاك أذكر أنه قابلني بكل احترام وأنا شاب صغير. وأطلعني على دوري في مسرحية “زقاق السيد البلطي” وكان دور طبيب يعالج ابن الفنان فريد الأطرش.  وقد شحن المخرج همتي لدرجة شعرت معها أنني بطل الفيلم”.

أما مع يوسف شاهين فكانت الحكاية مختلفة قليلا إذ يتذكر “في صباح أحد الأيام فوجئت بشخص يدق باب بيتي وحين استعلمت عمن الطارق قال لي “افتح يا ولد”، استغربت عمن يكون هذا الشخص وحين فتحت الباب فوجئت بيوسف شاهين الذي زجرني وقال لي “لماذا لا تأتي حين ارسل لك”، ثم عرض علي أن أشارك معه في فيلم “الأرض”. وافقت بالطبع وحضرت كتابة الفيلم وتعرفت على السيناريست حسن فؤاد، والروائي عبد الرحمن الشرقاوي.  مثلنا الفيلم بكل ما فيه من الام وأوجاع ومصاعب، ثم سافرت مع الفيلم إلى مهرجان كان السينمائي، وهناك وجدت العالم الحقيقي للسينما، وانبهرت كثيرا، كما التقيت هناك بناقد فرنسي كبير، قال لي أنه شاهد الفيلم، وأن لدي مستقبل كبير، وطلب مني المحافظة على نفسي، وأن أكون مسؤول عن الكلمة التي سأقولها يوما ما. بقيت هذه الكلمة في ذهني حتى بعد نجاح الفيلم وحتى التقيت هذا الناقد مرة اخرى”.

رحلة اليوم مع عبدالناصر

بعدها تطرق العلايلي للحديث عن تجربته مع المسرح، حيث قال “بعد تخرجي تم تعييني في التلفزيون مخرج ارضية Floor Manager .  لم يعجبني الأمر فقررت ترك العمل، وحين هممت بالمغادرة قابلتني رئيسة البرامج الثقافية وادخلتني الى مجال البرامج الثقافية”.

ويضيف “هناك قدمت برامج ثقافية مهمة جدا من بينها برنامج “رحلة اليوم” الذي كنا نتناول من خلاله في كل اسبوع محافظة من المحافظات بالتفصيل، وقد بلغني يوماً أن الرئيس جمال عبد الناصر يتابع هذه الحلقات التي كانت تبث أيام الخميس، ولذلك سعدت كثيرا واصابني الغرور”.

الطريق الى مسرح التلفزيون

عند هذه المرحلة، كما يتذكر العلايلي “قررت تقديم اعمال مسرحية خصوصا فاتفقت مع رشوان توفيق واحمد توفيق ان نقدم مسرح تلفزيون ونقدم من خلاله مسرحيات عالمية يشاهدها الناس. عرضت الأمر على الوزير آنذاك فطلب مني تقديم دراسة شاملة عن الأمر، وانتدبني الى لندن لعمل دراسة عن مسارحها. قمت بعمل الدراسة فعلا، وتم الترتيب لتأسيس هذا المسرح الذي حقق نجاحا كبيرا، حيث كان قادراً على استقطاب الجمهور على الرغم من ارتفاع تكلفة التذاكر أكثر من مرة، وقال: “على خشبه هذه المسرح قدمت الكثير من الأعمال مع الزملاء عادل إمام وسعيد صالح، وصلاح السعدني، ومديحه حمدي، ومحمود مرسي وسناء يونس، وقدمنا العديد من الأعمال الكلاسيكية التي نجحت كثيراً مثل “انا وهو وهي” و”غلفدان هانم” وغيرها”. وتابع: “نجاح مسرح التلفزيون قادني إلى أن اطلع على الروايات، واذكر أنني قرأت يوماً على الصفحة الأخيرة في جريدة أخبار اليوم رواية “ثورة فلاح” بقلم محمد التابعي وهو كان اكبر صحفي في مصر، وقد أعجبتني كثيراً، وقمت بإعادة كتابتها للمسرح، بعد الاستئذان من مؤلفها،  فاعجب بها كثيرا، وتم اختيار حسن كمال لإخراجها، واستطاعت أن تحقق نجاخ باهر”.

تبنأت بالنكسة فلم يصدقوني

نجاحه العلايلي في الكتابة دفعه للمزيد، إذ يتذكر”من خلال قراءاتي السياسية في فترة الستينات كتبت حلقات تحت عنوان “اعرف عدوك” تناولت من خلالها تاريخ الحركة الصهيونية منذ مؤتمر بازل عام 1901 حتى ذلك الوقت. وقال: “اعددت 22 حلقة، وقدمتها للتلفزيون عام 1966. تنبأت في هذه الحلقات بنكسة 1967، حينها لم يصدقني أحد، ولم يصدق قولي الا بعد وقوعها، وحينها مثلت حلقاتي في التلفزيون بعد النكسة”.

القادم فنياً … أفضل

حول التحولات الكثيرة في الفن، وهبوط مستواه، قال العلايلي “العالم كله يتحول الى مفاهيم وسياسات جديدة، وهناك غليان بين القبول والرفض لبعض السياسات والاتجاهات على الأرضية الثقافية، كما إن ما يحدث الآن من تقلبات في العالم العربي أمر محير جدا للكتّاب واصحاب القلم، يكتبوا لمن ومن يستوعب ومتى يكتبوا وحول أي موضوع”.

وواصل مؤكداً “سنعبر هذه المرحلة الى مرحلة جديدة، انا لست متشائماً فحين اتحدث مع الأدباء والمفكرين الشباب اجد لديهم فكر ناضج جدا وواثق أن انتاجهم القادم من كتب ومسرحيات وافلام سيكون افضل”.

وحول الإبتذال في الفن من قبل السينما المصري قال “سأشارك بعد عودتي من الإمارات في اجتماع لدراسة هذا الأمر. وفي الواقع الموضوع يلاقى اهتماما على مستوى الرئاسة المصرية”

وواصل “البيت العربي بيت  غالي، ونحن نصدر للبيت العربي من البيت المصري، وغير صحيح ان يكون هذا مستوى البيت المصري والعربي”.

تحياتي للعراق الحبيب

أخيرا تحدث العلايلي عن تجربته في فيلم “القادسية” الذي صوره في العراق. وقال: “هذه البلد زرتها في وقت عظيم واعتبرها عظيمه، ولي اخواء اعزاء واصدقاء حتى هذه اللحظة. العراق بلد له قواعد ثقافية وعلمية عالية، وبه فنانين على مستوى عالي. سعدت بوجودي  في العراق الحبيب، التي قضيت فيها مع سعاد حسني نحو 8 أشهر هي من أمتع الأوقات ولم أشعر بها أبدا لشدة كرم الشعب العراقي. تحياتي الى العراق والى شعبها والى ارض بغداد الحبيبة التي اشتقت لها كثيراً”.

امل عبدالله: أنا مثقفة الفريج

من جانبها، تناولت الكاتبة أمل عبد الله في مداخلتها رحلتها الطويلة مع الأدب والفن. وقالت “بدايتي كانت بسيطة تشبه أي فتاة في الخليج، حيث نشأت في بيت بسيط  أقرب منه إلى الفقر، لكن الاسر كانت متعففة ومليئة بالتقاليد والقيم والعادات والموروث والفلكلور وتهتم بالموروث الشعبي والأمثال والحكايات، وهذا كون لدي حصيلة معرفية جيدة وحصيلة البحث والتقصي، إلا أن حياتنا تغيرت بعد أن تيتمنا، حيث اوكلت مهمة الرعاية إلى خالة والدتي التي كانت ميسورة الحال بعد أن تخلت عنا أسرة والدي، وفي هذا الجو تربينا ونشأنا وتعلمنا وكبرنا. لأنني الكبيرة بين اخواتي، وإذ لم يكن لدينا اشقاء، بدأت العمل في سن مبكرة، عملت بالصدفة، ودرست بالصدفة وعملت في الإعلام بالصدفة، لا تتركوا  الصدف لأنها افضل من اي تعليم  وافضل من الف ميعاد”

وعن عملها الأول كموظفة قالت “كان بيتنا خلف وزارة الصحة والعامة، ومدير الصحة كان جارنا، ذهبت إليه وطلبت مقابلته وكان يسميني مثقفة الفريج. طلبت منه ان اعمل موظفة “كيتب” في وزارة الصحة، فاشتغلت بنفس اليوم في قسم البحث الاجتماعي. بعدها التحقت بالعمل في الاذاعة الشعبية واستمر مشواري فيها بين الدراسة والعمل حتى حصلت على شهادة عالية”.

أنا لست موهوبة

4

عن عملها في الفن، قالت عبدالله “لم افلح في الفن، لانه لم تكن لدي موهبة” مشيرة إلى أن شقيقتها سعاد كانت أكثر موهبة منها. وعن بدايات دخولهما المجال الفني تتذكر “في يوم من الايام جاءت الفنانة عودة المهنة وهي سيدة المسرح الفولكلوري وقالت لي ان محمد النشمي يطلب فتيات ليشاركنه في فرقة مسرحية جديدة، والنشمي كان رجل المسرح المرتجل منذ عام 1942 ولكن في عام 1965 كون فرقة مسرحية واراد ان يجمع لها بنات. اخذت سعاد وبعض صديقاتها وذهبنا الى النشمي، فأعطاني دور البطولة في مسرحية “حظه يكسر الصخر” لأنني الأكبر، وكان هذا اول عمل مسجل في تلفزيون الكويت كمسرحية درامية”.

وتتذكر عبدالله بأنها لم تنجح في الدور مضيفة بأنها على العكس من سعاد التي شقت طريقها في الفن بسبب موهبتها “تراجعت أنا، وشققت طريقي في البحث والكتابة ولدي الآن 12 اصدار وأنا مهتمة بالبحث في الفنون والأدب والفولكلور، وأنا سعيدة جدا بمشواري وبكل ما انجزته وسأنجز الكثير لو تبقى لي من الصحة والعمر واللياقة في الكتابة”.

وحول تحديات المجتمع المغلق في فترة الستينات قالت “كانت التحديات التي تواجه المرأة الخليجية كثيرة لكن والدتي كانت سيدة واعية وقوية حتى انني كنت اقرأ لها الصحيفة واشرح لها بعض المفردات السياسية”.

وأضافت “كذلك فإن شخصية الفرد تفرض احترامها، فأنا وسعاد بدأنا وكان هناك اخريات لكن اين هن الآن. نحن اعتمدنا على سلوكياتنا واخلاقنا وجهدنا ولم نعتمد على شيء اخر ولذلك بقينا”.

في ندوة بملتقى الفجيرة الاعلامي حول دور الاعلام في الترويج للقراءة كتّاب واعلاميون: كي لا يكون الكلام عن الكتاب مدعاة لليأس

الفجيرة – منصورة عبدالأمير

_MG_1366

قال الناقد اللبناني عبدة وازن أن الاتجاه نحو صناعة القراءة هو ما يمكن أن ينقذ العالم العربي مما أسماه بـ”مجاعة قراءة”، تشبه تلك المجاعة التي عرفتها أوربا حين كان الحصول على الكتب أمراً صعب المنال.

من جانب آخر وجه الروائي والكاتب التونسي كمال الرياحي أصابع اللوم في انحسار دور القراءة وتراجع صورة الكتّاب في العالم العربي إلى الدراما العربية التي لا تنفك تقدم صورة هزلية ساخرة للكاتب. فيما أشارت الشاعرة البحرينية بروين حبيب أن الإعلامي المثقف قد يخذل مشاهديه أحياناً لأنه داخل في لعبة تلفزيونية لها اشتراطاتها ومواصفاتها.

تلك الآراء والمزيد منها جاءت خلال جلسة ناقشت “الإعلام الثقافي العربي ودوره في القراءة” وذلك ضمن  جلسات ملتقى الفجيرة الإعلامي في دورته السابعة التي أقيمت على مدى يومي 24 و 25 أكتوبر/تشرين الأول 2016 في إمارة الفجيرة.

أدارت الجلسة الاعلامية في قناة الام بي سي فاديا الطويل، فيما شارك فيها كل من الشاعر والناقد اللبناني عبدة وازن، الروائي والكاتب والناقد الاعلامي التونسي كمال الرياحي، الصحفي والكاتب ومنتج البرامج الإذاعية والتلفزيونية السوداني جمال الدين عنقرة، والشاعرة والباحثة الأكاديمية في الحقلين الثقافي والأدبي بروين حبيب.

عبدة وازن: لا يوجد قرّاء “فيسبوكيين”

بداية تساءل عبدة وازن عن كيف يمكن للصحافة في العالم العربي أن تشجع على القراءة وهي التي تعاني من أزمة وانحسار كبيرين في نسب قرائها وفي عدد صفحاتها واقبال المعلنين عليها، وفي عالم ترتفع فيه نسب الأمية بشكل فاضح، وتتحدث عنه أرقام اليونسكو  بشكل “يدعو الى الكثير من اليأس فيما يتعلق بعدد الساعات التي يقرأ فيها المواطن العربي او نسبة ترجمة الكتب إزاء حركة الترجمة في العالم”.

وأكد وازن أن “الصحافة الورقية تعاني من مشكلات كثيرة جدا في العالم بأجمعه، خصوصا أمام زحف الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى ان كثير من الصحف الاجنبية والعربية بدأت تتحول إلى مواقع الكترونية”.

وازن الذي وجد أن الحديث الآن يدور حول “القراءة الافتراضية والقارئ الافتراضي”، أستنكر تباهي “كثير من الكتّاب بعدد قرائهم ومتابعيهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي” متسائلا عما إذا يمكن اعتبار هؤلاء “قراء حقيقيون بل هل يمكن تسميتهم قراء اصلا؟ ووفق اي معايير؟”.

IMG_3786

ثم استدرك “اللافت ان معظم هؤلاء الكتاب ليس لديهم قراء ورقيون.  وقد يسأل سائل ما دام القراء الافتراضيون يبلغون أرقاما هائلة على شبكات التواصل  الاجتماعي، فلم لا يقبلون على شراء اعمال كتابهم الافتراضيين”.

لكنه عاد ليؤكد “جميلة هي حقا صفة القارئ الافتراضي. أليس كل قارئ اصلا قارئاً افتراضيا. يكتب الكاتب وفي باله قارئ يجهله تاركا له حريته في قبول النص او رفضه او تهذيبه على طريقته ووفق مزاجه. القراءة فعل افتراضي أولا وأخيرا  والنص مادة خام وعلى القارئ ان يتكيف معها”

ثم أوضح “القارئ الافتراضي هنا يختلف عن القارئ الافتراضي الذي عممه الفيس بوك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي” مشيرا إلى أن قارئ الفيس بوك “هو قارئ مهم وغير موجود في آن. قارئ وليس قارئاً بل لعله لا يحمل من القارئ سوى اسمه. انه القارئ العابر غالبا، لا تعنيه القراءة الا بصفتها تلصصاً ومواكبة سريعة للأخبار والوقائع. هذا القارئ نادرا ما يسعى إلى شراء الكتب والتوسع في القراءة او التمعن او التعمق والتفسير والتأويل، والقراءة التي يمارسها تمثل خطرا على مفهوم القراءة الحقيقية”.

ويواصل تساءلاته “لا أدري كيف يتباهى الكتاب الفيسوكيون وبعضهم من المشاهير والبارزين بقراءهم الافتراضيين هؤلاءـ بل كيف يعدونهم قراء لهم وهم لا يلتفتون إلى اعمالهم المطبوعة الا نادرا”.

أيها القارئ المخادع!

وعما يفترض أن تكون عليه علاقة الكاتب بقراءه، أوضح قائلا “القارئ لا تنتهي علاقته بالنص ما ان يغلق الكتاب. النص لا يغادر القارئ بل لعله يبدأ في لحظة اغلاق الكتاب. هذا هو التواطؤ الحقيقي بين الاثنين، واحدهما يفكر بالآخر من دون ان يعرفه في الواقع”.

ثم قال “الكاتب مريض والقارئ هو ممرضه. هذا تشبيه بليغ ويمكن قلبه بسهولة، القارئ مريض والكاتب هو ممرضه.    الكاتب لا يكتب جيدا اذا لم يفكر بهذا القارئ، والقارئ رقيب ولكن بالمعنى الصالح للرقابة”.

وأكمل مقارناً حال القراء التقليديين بقراء الإنترنت “بضعة كتّاب أضحوا كتّابا “فيسبوكيين” وهم على علاقة بقرائهم الافتراضيين يرضخون لاذواقهم وامزجتهم حينا ويرضخونهم حينا لأذواقهم وامزجتهم. هذا ضرب من التواطؤ في الكتابة والقراءة، لكنه ليس التواطؤ الذي طالما قام بين الكاتب والقارئ. هذا القارئ الذي يوصف مبدئيا بالمشارك او المتعاون وقد خاطبه الشاعر الفرنسي بودلير في ديوان “أزهار الشر” قائلا “ايها القارئ المخادع. يا شبيهي. يا اخي”. القارئ اذن هو صنو الكاتب، والعلاقة بينهما أعمق من أن تُحصر في آلية”.

وأكمل منتقداً قراء الإنترنت “لا اتخيل القراء الفيسبوكيين ذوي فهم وحصافة، مثلهم مثل الكتّاب الفيسبوكيين الكثر الذين يكفي ان نقرأ  لهم جملة حتى تدرك انهم غير حقيقيين. كم كان جريئا ذلك الكاتب الفرنسي الذي تحدث عن القراء “الحمير” الذين يجعلون الكاتب يقرف من الكتابة، ولكن لا يمكن تجاهل الكتاب الفيسبوكيين الذين يجعلون القراء يقرفون من الكتابة. الأذواق متبادلة هنا، الكاتب السيئ يجد قارئه السيئ بسرعةـ والقارئ السيئ يقع على كاتبه السيئ بسهولة. الواحد ينادي الآخرـ والاثنان ينتظر واحدهما الآخر”.

وأكد وازن “ما يجب ان نعترف به هو ان الكتاب لم يبقى قادرا على الدفاع عن نفسه خصوصا في عالمنا العربي وعن حضارته العريقة حيال الحضارات العصرية المزيفة بدءا من حضارة المرئي والمسموع والسوشيال ميديا وانتهاءا بحضارة اللهو او المتعة التي تسم عصرنا الراهن”.

ثم قال “يستحيل طبعا ان تستعيد القراءة ما افقدته اياها تدريجيا حضارة العصر الالكترونية، وان تستعيد رواجها وجمهورها”

وقال وازن “الكتاب سر من اسرار  الكائن واختراعه هو من اجمل ما اخترعته البشرية، ويكفي ان يستعرض القارئ التاريخ الطويل الذي اجتازه الكتاب ليتبين اي موقع احتل في قلب الحضارات المتعاقبة. تاريخ الكتاب هو تاريخ الانسان نفسه.

مجاعة القراءة … قادمة

وأكمل وازن “في حقبة من الحقبات التاريخية التي عرفتها اوروبا كان يدور كلام عن مجاعة القراءة حين ذاك كان الكتاب بمثابة الوليف الروحي والفكري وكان الجوع إليه كثير جداً، لكن التطور الذي شهدته الحقبات اللاحقة خفف من وطأة هذا الجوع” ثم تساءل “هل ستحل مجاعة قراءة مرة أخرى في مراحلنا المقبلة؟”

لكنه اكمل مقترحاً بعض الحلول “من الممكن وقف هذا التراجع. تحتاج القراءة الى أن تغزو من جديد مرحلة الطفولة والمراهقة وأن تعمم على المدارس والجامعات والنوادي والجمعيات الأهلية. تحتاج القراءة الى ان تعود كما كانت من قبل، هواية الهوايات ومدعاة للثقافة والمتعة في الوقت نفسه. يحتاج الكاتب الى ان يحافظ على المتعة كي يرضى غروره ويواجه المتعة السهلة  والعابرة التي تتيحها شبكات التواصل الاجتماعي، وكي لا يكون الكلام عن الكتاب مدعاة لليأس”.

ومن حلوله الأخرى “التربية على القراءة وهذه مسئولية الاهل والمدرسة والدولة” موضحاً “لم نتمكن من خلال برامجنا التربوية ان نواكب ما حدث في الغرب وهو عدم تغييب القراءة عن المناهج الحديثة”.

كما اقترح الإهتمام بأدب الطفل والفتيان، معللا عزوف الجيل الجديد عن قراءة الكتب العربية واقبالهم على القراءة بلغات اخرى إلى عدم تطور أدب الطفل والفتيان لدينا بشكل يواكب ما هو حاصل في الغرب.

كذلك اقترح وازن “الإهتمام بما يسمى بصناعة القراءة، وهي تبدأ من الكاتب اولا ثم الناشر فالموزع والمكتبة. ليس لدينا سياسة نشر تهتم بالقارئ كما ينبغي، كثير من المؤسسات تنظر للأمر على انه هم تجاري اكثر من كونه  معرفي”

آخر حلول وازن دارت حول ضرورة الترويج للقراءة اعلامياً، موضح فكرته باستعراض ما يحدث في بلد مثل فرنسا من ترويج “هائل” للقراءة “الناشرون هناك لديهم اهتمام كبير بما يسمى بموسم العطلة الصيفية، فهو موسم هائل للقراءة حتى المجلات الفرنسية تخصص مساحة للقراءة الصيفية. احدى المجلات روجت للقراءة على الشاطئ، بل إنهم يقيمون مهرجانات قرائية في موسم الصيف مثل مهرجان القراءة تحت الشجر وغيرها من العناوين”.

الرياحي: اقتصاد النفط سبب حرماني

IMG_3793

ثاني أوراق الجلسة قدمها الاعلامي والكاتب التونسي كمال الرياحي الذي بدأ الحديث مستعرضا تجربته التلفزيونية من خلال برنامج “بيت الخيال” وهو برنامج ثقافي قائم على تشجيع القراءة يعرض على الفضائية التونسية.

يقول الرياحي “حين اشاهد مشاريع التشجيع على القراءة تذكرني بعبارة ترسخت في ذهني منذ سنوات وهي اقتصاد النفط. القراءة واقتصاديات النفط”.

وأكمل موضحاً “حينما كنت طفلا في الأرياف التونسية كانت القراءة هي متعتي الوحيدة ولكن كان يتهددها اقتصاد النفط ليس بالمعنى الحرفي الذي قد يبتادر الى اذهانكم انما كنا نعيش على ضو ءالقناديل النفطية وكانت امي تطفئ القنديل ليلا.  هذا المشهد الدرامي الذي ادركت من خلاله كيف يتم الاعتداء على متعتي الوحيدة وهي القراءة، جعلني اختلق لنفسي محاولة للعب مع النفط، ومع هذا القدر، ففي الفترة التي ينقطع فيها القنديل، كنت احاول تخيل ما سيحدث في الرواية وكنت اكتب في الظلام تلك الافكار حول تطور الشخصيات والاحداث، ومع الضوء الالهي، كنت أركض للكتاب كي اقارن ما تخيلته بما حدث في الرواية. فاذا بي بعد مدة وانا انظر الى تاريخي البعيد اقول ان امي كانت اول مدربة في الكتابة لانها دربتني على الكتابة دون ان تدري”.

وعن أسباب انصراف الأجيال الجديدة عن القراءة، وجه الرياحي اللوم للكتّاب الذين يعيشون خارج عصرهم ولا يطورون آلياتهم بما يتواكب مع هذا العصر، متسائلا “من يقرأ الآن لجمال الغيطاني في مصر”، ثم مؤكداً “لا يمكن ان ندفع الناس للقراءة لكتّاب غير معاصرين في افكارهم واحيانا رجعيين” مضيفاً بتهكم “هل يقرأ الكتّاب أصلا حتى نطالب القرّاء بالمزيد من القراءة”.

العربي الفاشل والتركي الجذاب

الرياحي أكد على أنه “بما اننا خربنا مشهدنا الثقافي فعلينا ان نصبر عليه اذا اردنا فعلا ان نصلحه. لا وصفة سحرية تغير شعوب كاملة، لأننا نحتاج لأن تكون لدينا ارادة قوية في الاعلام، علينا أن نحبب الناس في صورة الكتّاب أولا، ولنبدأ بالدراما العربية التي ينبغي ان تعاد صورة الكاتب العربي فيها، وهي صورة سلبية جدا فالكاتب دائما مجنون ومعلول، وفاشل عاطفيا، وعادة ما يسند دور الكاتب إلى ممثل كوميدي، زيادة في التنكيل بصورة الكاتب”.

ومقارناً الدراما العربية بالتركية، أضاف “شاهدت مسلسلا تركياً جعل بطله كاتباً وقدمه في صورة جميلة بل جعل جميع الفتيات في المسلسل معجبات به”.

ثم أضاف “هذا ما جعل تركيا تقدم صاحب جائزة نوبل في الأدب وتتقدم بأدبها، وهو ما يجعل أطفالنا يستثنون خيار الكتابة حين يسئلون عما يحلمون به من مهنة في  المستقبل”.

أخيرا شدد كمال على دور الأسرة في تشجيع القراءة متسائلا “هل عند ما يكبر الطفل يجد ان هناك مكتبة في البيت، لا تقل للطفل اقرأ بل اقرأ بجانبي. اجعل الكتابة بالنسبة للطفل لعبة. دع الطفل يقرأ عبر الانترنت ويتواصل مع كاتبه عبر الانترنت، لا بد لنا ان نعلم اطفالنا كيف يحبون الكتب بطرق غير تقليدية وان يمارسوا لعبهم بالكتب ليكتشفوا بعدها انها كثر من لعبة وانهم تورطوا شيئا فشيئا”.

جمال الدين عنقرة: إنها مسئوليتنا

IMG_3828.JPG

بعدها انتقل الحديث للصحفي والكاتب السوداين جمال الدين عنقرة الذي اكد ان المسئولية في التشجيع على القراءة والترويج لها بين الأجيال الجديدة، هي مسئولية  “ينبغي ان نضطلع بها لنحول  شبكات التواصل الاجتماعي إلى وسائل مجدية في هذا الشأن وذلك بضخها  بمواد لها قيمة معرفية على شرط أن تكون جاذبة للجيل الجديد”.

وأكمل “الاصل هو ان نقرأ، لكن لا بد ان نبحث في  الوسيلة المناسبة لكل جيل. الجيل الناشئ له آلياته وأدواته، والأفيد أن نستثمر هذا الآليات والأدوات. الوسائل الالكترونية هي وسائل لا يمكن أن نتجاهلها وبالتالي علينا ان نشجع ابنائنا على القراءة عبرها”.

 بروين حبيب: ربما نخذل المشاهد أحياناً

الورقة الأخيرة قدمتها الشاعرة والباحثة الأكاديمية البحرينية بروين حبيب التي استعرضت تجربتها الاعلامية من خلال قناة دبي الفضائية وكيف أثرت وتأثرت هذا التجربة بالقراءة.

بروين أشارت إلى أن القراءة التي سحرتها منذ صغرها اوصلتها الى الشاشة التي وصلت من خلالها الى الناس، لكنها أكدت بأن وصولها ذاك لم يكن مبنياً على “فكرة النجومية على الشاشة فقط” ولا بفكرة “امرأة تضفي منظرا جميلا” لكن “كان لدي احلام جميلة، حين كنت أقرأ لأسماء كثيرة، وأحلم أن التقيهم”

واضافت “فكرة القراءة ألا نبقى خارج التاريخ، وهنا يجب أن أتأمل هذه العبارة، فيما أجد في إرشيفي 500 شخصية التقيتها، وأنا فخورة بهذا العدد”.

IMG_3857

وتحدثت حبيب عما أسمته بالخيار القاسي الذي اختارته حين قررت تقديم برنامج ثقافي “صعب جدا أن تحارب من اجل المادة الثقافية، لدينا خلل في الوطن العربي بين الثقافة والاعلام، مع ان كلاهما يحتاج الآخر”.

وقالت “كثيرا ما احبطتني تجربتي هذه، لكن كان لدي امل دائم” ثم اضافت “لا اقدم نفسي كدمية على الشاشة وارفض ان اكون فتاة اوتوكيو. أقدم صورة جميلة للمرأة”

وحول بعض الضغوط التي يتعرض لها الاعلامي المثقف، قالت “ربما نخذل المشاهدين أحياناً، لكننا ندخل في لعبة تلفزيونية لها شروطها، وهي لعبة تجعلني أدخل في حروب صغيرة وربما كبيرة أحياناً، فلكي اقدم واسيني الاعرج يجب ان احضر اديبة او شاعرة جميلة”.

ثم أشارت “أنا أدافع عن كثير من الأسماء التي تملك مشاريع لكن لا أحد يعرفها، مثل رجاء عالم، هدى بركات، وابراهيم الكوني”.

واضافت “القائمون على التلفزيونات ينظرون إليه على أنه أداة تسلية،  ولذا فإن أي فتاة جميلة أو صغيرة في السن، قد تصبح مذيعة. المذيعة اليوم هي المرأة الجميلة حتى لو كانت محقّنة بإبر بوتوكس، وقد تلقن في فاهها بالكثير من الكلمات عبر جهاز الأوتوكاد”.

الحلول التي طرحتها حبيب للعودة إلى القراءة هي كالتالي “يجب على كل مثقف أن يضع لنفسه وصفة سحرية يروج من خلالها للقراءة سواء عبر وسائل الاعلام او عبر شبكات التواصل الاجتماعي”.

كذلك أكدت بروين على ضرورة الإهتمام بالأدب الموجه للفتيان وعدم احداث قطيعة مع هذه الفئة، كما شددت على أهمية الاهتمام باللغة وتحبيب القارئ فيها، وألا يلجئ الكتاب لاستعراض قدراتهم اللغوية، بل ان يركزوا على أهمية وصولهم للقراء.

لم ينتهي “زمن الطيبين المكافحين”

نجحت مبادرة “تحدي القراءة العربي”، حققت دورتها الأولى كافة اهدافها. وليس الحديث هنا عن الزخم الاعلامي والترويجي للمبادرة لكن عن أرقام المشاركة “الطلابية” الواسعة التي حضيت بها المبادرة من جميع الدول العربية. أكثر من ثلاثة ملايين طالبة وطالب شاركوا في التحدي، في حين كان الرقم المتوقع لا يتجاوز المليون. هؤلاء ورغم انهم جاءوا من 54 جنسية مختلفة، إلا أن الجنسيات الأخرى هذه لا تمثل أكثر من 10% من مجمل عدد الطلبة العرب المشاركين.  قرأوا 150 مليون كتاب بدلا 50 مليون كتاب متوقع في عام واحد.

لا أصدق من الأرقام، ولذا فلا حديث إذن عن جيل لا يقرأ، هؤلاء طلبة وطالبات لا يتجاوز عمر أكبرهم الثامنة عشر. وهناك أرقام مذهلة، وكاشفة لكثير من الحقائق التي يجهلها البعض أو قد يحلو لهم ذلك. لا يمكن إذن إتهام هذا الجيل بأنه عازف عن القراءة، ملتهٍ بألعابه الإلكتروني ومواقع “الشات” وما شابه. هنالك نماذج مشرفة كثيرة، وهم شأنهم شأن أي جيل آخر يحملون اهتمامات متنوعة مختلفة، لا يتشابهون فيما بينهم. يقرأ بعضهم فيما يفضل بعضهم اللعب، تماما كأي جيل سبقهم.

محلياً، لن يكون منصفاً أن نطلق أي اتهامات على جيل اليوم، ليس بعد أن حلت الطالبة البحرينية ولاء عبدالهادي أحمد البقالي، في المرتبة الثالثة في تحدي القراءة العربي. ليس بعد أن شارك 18 ألف طالب وطالبة من البحرين في هذا التحدي. ليس بعد أن جاءت مدرسة “مدارس الإيمان – قسم البنات” ضمن التصفيات النهائية للمدارس الثلاثة الأولى. هذه المدرسة التي شاركت 118 طالبة من طالباتها البالغ مجمل عددهن 644 طالبة، في التحدي، اختيرت ضمن المدارس الثلاث الأوائل بسبب نمو مكتبتها بنسبة تزيد عن 25% نتيجة لمشروع التحدي هذا العام.

وإن كان البعض سينظر إلى الأمر من زاوية كون مدراس الإيمان، خاصة، تتبع ربما نظاما لا يشبه ذلك الموجود في المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم، فسأذكركم بأن ولاء البقالي طالبة بمدرسة جدحفص الثانوية للبنات وهي مدرسة حكومية تتبع انظمة وزارة التربية والتعليم.

الحديث إذن ليس عن أنظمة تعليمية تشجع أو تعيق، وإنما عن جيل لا يقل شأن عمن سبقه من أجيال، عن جيل ليس من الإنصاف أبدا إطلاق احكام جائرة عليه، من باب “راح زمن الطيبين” ومن باب الإنتقادات التي لا تنتهي والتي يوجهها كل جيل لمن تبعه، ليبقى محافظا على موقع قد يكون حصل عليه في أوجه، وربما لم يحصل عليه أبداً.

ولاء وطالبات مدارس الإيمان، لسن وحيدات في هذا الشغف بالقراءة، في هذا النهم على التهام الكتب.  كثير من أبناء هذا الجيل يحملون الشغف ذاته، ولا أبالغ إن قلت أن كثير ممن يقرأ هذا المقال سيستحضر صورة طالب أو طالبة من اسرته أو من اقاربه او معارفه ممن ينطبق عليه هذا الكلام. وبشكل شخصي، تلتهم ابنتي، طالبة الثانوية العامة، الكتب، بشكل غير معقول منذ  صغرها، وهي الآن تطالبني بعناوين غريبة لكتّاب لم أصل، أنا شخصيا، بعد لقراءتهم.

أجيال اليوم تقرأ بالعربية كما بالإنجليزية، على أجهزتهم الذكية كما على الورق. رفقا بهم ولنتوقف عن اساليب كسر الشخصية المعتادة لدينا في العالم العربي. لسنا الاسوأ ولسنا الأكثر رجعية وتخلفاً. نحن شعوب واعية ينقصها شيء من المبادرات والعزيمة الصادقتين … رسميا وأهلياً.

منصورة عبدالأمير

فاز الفيلم بجائزة أفضل وثائقي قصير بمهرجان الشارقة للطفل مازن شيراباياني: ابهرتني قوة أطفال اليزيدين فأوصلت قضيتهم للعالم في فيلم “ذياب”

منصورة عبدالأمير

مازن

لا تقرر الكوارث مستقبل البشر، أي مصير أسود يحيق بالفرد يمكن أن يفتح أفقا جديدا على مستقبل أفضل. ما يقرر ذلك هو الزاوية التي يقف منها الأفراد من مصائرهم. الصبي الكردي اليزيدي ذياب، البالغ من العمر 12 عاماً، يقدم دليلا حيا على صحة ذلك. هذا الفتى الذي يعيش في مخيم “أرباط” للاجئين بعد هجمات تنظيم داعش

 

على قريته في جبال “سنجار”، يحلم بأن يصبح مخرجاً وراوي قصص يحكي للعالم معاناة شعبه.

 

ولا يتوقف ذياب عند فكرة الحلم تلك، لكنه يحولها لواقع مسرحي ودرامي أو ربما لعب هادف مع أقرانه في المخيم. وفي الذكرى الأولى للإبادة الجماعية لقريته والقرى المحيطة، يخطط ذياب أن يترجم الحلم واقعاً حين يقرر تقديم عرض مسرحي ينقل الفاجعة التي حلت بقريته، على أمل أن يشاهدها العالم بأسره.

يتحول حلمه حقيقة، ويصل فيلمه إلى رواد كثير من المهرجانات في جميع أنحاء العالم، يأتي ذلك على يد مخرج بريطاني (من أصل كردي) هو مازن شيراباياني، ليأخذه إلى العالم بأسره، عارضا إياه في مهرجانات سينمائية مختلفة حاصدا به الجوائز والتكريمات، والأهم ناقلا عبره قصة ذياب، قريته، اليزيديين، والإرهاب وضحاياه.

شيراباياني جاء بالفيلم أخيرا ليعرضه من خلال مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للطفل الذي أقيمت دورته الرابعة في الفترة 23-28 اكتوبر/ تشرين الأول 2016، لينال ذلك الفيلم اعجاب جميع زوار المهرجان ولينال جائزة المهرجان لأفضل فيلم وثائقي قصير.

“الوسط” التقت شيراباياني على هامش فوزه الأخير، ليدور الحوار التالي:

  • كيف وصلت إلى قصة ذياب الذي يريد أن يقدم مسرحية ينقل من خلالها واقع اليزيدين إلى العالم. هل هي قصة حقيقية أم تم الترتيب لها بغرض تقديمها في فيلم وثائقي؟

كلا، لم يتم الترتيب لتقديم القصة، فأنا أعيش في لندن، وأردت أن أقدم فيلم وثائقي عن معاناة الأطفال في الشرق الأوسط خصوصا في المناطق التي وصل إليها تنظيم داعش، وذلك بمناسبة مرور الذكرى السنوية الأولى لحملات داعش الإرهابية على قرى اليزيديين. كنت أسعى لتقديم صورة ايجابية عن هؤلاء الأطفال ولعرض المحن التي مروا بها. بحثت طويلا عن فكرة جيدة لفعل ذلك، لكن الأمر كان صعبا جداً، حتى انتهى بي المطاف يوماً إلى مخيمات اللاجئين. وجدت المئات من المخيمات وكان علي ان اختار من بينها، بالصدفة كان مخيم “أرباط” من بينها، وهناك وحين استقصيت احوال الأطفال، أخبرني أحدهم عن صبي اسمه ذياب يقوم بتأليف الأفلام والمسرحيات. حين التقيت ذياب، وسمعت بقصته، وكيف يكتب ويخرج المسرحيات ويدير الممثلين وعن رغبته في ايصال صوته للعالم، قررت مساعدة هذا الطفل وتصوير ما يفعله واصدقائه في المخيم وايصاله للعالم. استغرقت عملية التجهيز والاعداد للتصوير ووضع فكرة الفيلم الوثائقي وكذلك الحصول على التراخيص، فترة تصل الى الستة شهور.  الفكرة كانت تتغير باستمرار، كان الأمر صعباً بالنسبة لي، لأنني أريد أن قادم صورة ايجابية لتجربة هذا الطفل وهي تجربة قاسية، كما إن هناك الكثير من الأمور غير المتوقعة فنحن لا نعرف إن كنا سنتمكن من العودة للمخيم في اليوم التالي أم لا، إذ قد يتم إزالته ويمكن للأمور أن تتغير في أي لحظة، ولكننا اصررنا على اتمام الأمر بأسرع ما يمكن.

بعدها قررت أن أصور ما يفعله ذياب وألا أتدخل في الأمر. شغلت الكاميرا واختفيت لأترك ذياب وأصدقائه يفعلون ما يريدون. لم أتحكم فيهم، على العكس كان ذياب هو من يتحكم بي في هذه المرحلة إذ كنت اتحرك معه هو وأصدقائه. تدخلي لم يأتي إلا في مرحلة ما بعد التصوير حين بدأت في السيطرة على العمل وبناء الفيلم وتطوير القصة وتقديم الفيلم الوثائقي بالشكل الذي أريده.

  • فهل كان ذياب قادراً حقاً على التحكم بكل العناصر الموجودة من ممثلين وهم أصدقائه في المخيم، وحتى مسيطرا على التفاصيل التي يريد نقلها للعالم؟

نعم، أولا هؤلاء الأطفال معتادون على هذا الأمر فهم يلعبون معا ويرتبون المسرح والمكان والأغاني والقصائد التي يكتبونها بأنفسهم. أعمارهم لا تتجاوز الأثني عشر عاما ولكنهم رتبوا كل شيء بطريقة مذهلة. أما ذياب فأعتقد أنه عبقري فهو يتحكم بكل شيء ويسيطر على الوضع بأكمله ويساعد باقي الأطفال، وهم جميعا يتصرفون على أساس أن هذا الأمر هو علاج نفسي لهم وأظن أنه علاج ناجع. عند ما التقيتهم وشاهدت ما لديهم وجدت أنني محظوظ جداً  فلدي مادة خام لفيلم وثائقي، وكل ما علي فعله كمخرج هو أن أحضر الكاميرا ثم اختفي. اختفيت في البداية ولكن حين ظهرت لم يكترث الأطفال لوجودي، فهم معتادون على الكاميرا وعلى وجود الآخرين، ولذا فإن أداءهم كان عفويا جدا. لقد أصبح لديهم خبرة.

  • هل مرت بك لحظات مؤلمة أثناء التصوير مع هؤلاء الأطفال، وكيف أثر موقفك المتعاطف ذاك على عملية التوثيق؟

كل اللحظات كانت مؤلمة، كنت أبكي أثناء التصوير حين أسمعهم يتحدثون عن ضياع مستقبلهم وحين أرى أنهم لا يملكون أي شيئ في ذلك المخيم. الأمر مؤثر جدا فأنت تتحدث عن أطفال فقدوا عوائلهم، وبعضهم شاهدوا كيف تسبي امهاتهم و اخواتهم ويؤخذوا كعبيد. هؤلاء الأطفال مروا بمصاعب كثيرة ظلوا لأسابيع طويلة على الجبال في البرد القارس وليس لديهم شيئا ليأكلوه.

هذه المجموعة التي يقودها ذياب وعددهم 15-20 طفل، لا يتجاوز عمر اكبرهم 12 عاماً، وتسمعهم يتحدثون عن ضياع مستقبلهم وعن ضرورة اعتنائهم بالأجيال القادمة. لذلك أردت تقديم الدعم لهم بتحقيق رغبتهم في رواية قصتهم وتقديمها في فيلم. وفي الحقيقة لم ألتق مسبقاً بأطفال على هذه الدرجة من القوة رغم كل ما مروا به من أمور تراجيدية. كنت أرى في أعينهم الكثير من الحزن لكنهم لا يستسلمون ويريدون أن يرووا قصتهم. أنا الآن اشعر بالمسئولية لفعل شيئ أكبر لهم. ما يعنيني الآن هو مستقبلهم إذا بقوا في هذه المخيمات. أعرف أنهم أقوياء لكن إلى متى سيظلون قادرين على الصمود. هل لا يزال ذياب يزال راغبا في صنع الأفلام، وهل لا يزال هؤلاء الأطفال في المخيم، وما الذي حدث للمخيم.  عاطفيا… الأمر متعب، ولكنه في نفس الوقت جعلني قويا وراغبا في أن أفعل شيئا لهم.

  • كيف تعتقد أنه يمكن للأفلام الوثائقية أن تقدم دعما لهؤلاء الأطفال الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين مع معرفة حقيقة ظروف المعيشة فيها؟

السبب الرئيسي الذي جعلني راغبا في صنع هذا الفيلم هو وجود هذا السؤال في ذهني، كيف يمكنني تقديم صورة أفضل للأطفال اللاجئين. هؤلاء كانت لديهم حياتهم، وفجأة جاءت الحروب وجاء الدمار وفقدوا كل شيء، وأصبحوا ينعتون باللاجئين أو المهاجرين أو أي أوصاف سلبية. هؤلاء يستحقون ان يتم الإعتراف بهم كبشر قبل اي شيء اخر. يستحقون أن يحصلوا على مستقبل أفضل وعلى طفولة أكثر سعادة. هذه مسئوليتنا جميعا، لذا وجدت أن أفضل ما يمكنني فعله هو أن أقدمهم بشكل ايجابي، وليس أفضل من الفن في عمل ذلك. هؤلاء الاطفال لا يعرف عنهم احد، والعالم بحاجة لأن يحمل وعيا كافيا بقضاياهم، وتتكفل  هذه الأفلام الوثائقية بعمل ذلك.  ذياب الذي كان يعيش حياة ميسورة قبل أن يتم الهجوم على قريته، يستحق أن يكون قادرا في يوم ما على صنع افلامه ورواية قصصه للعالم. لم لا؟!