فاشينستا!

عبّرت، منذ أسابيع قليلة، من خلال هذا المنبر، عن فخري واعتزازي بالفتية والفتيات الذين شاركوا في تحدي القراءة العربي، معلنين احتفاظهم برابط قوي مع عالم الكتب والثقافة رغم كل ما يحيط بهم من إغراءات توفرها لهم التقنية الحديثة بصورها الآخاذة الساحرة التي قد تكفيهم عن عالم الكلمات. هؤلاء قدموا للعالم صورة مختلفة، صورة تقول أن العرب يقرأون، أننا أمة غير جاهلة، أن أبنائنا الصغار لهم اهتمامات جادة كنظرائهم في جميع أرجاء العالم، وأننا، “قرائيا”، لا نعيش على الهامش، وأن الاحصاءات الشهيرة، “سيئة الصيت”، المتعلقة بأرقام القراءة لدينا، غير دقيقة، إذ  ربما اعتمدت عينات غير ممثلة للعالم العربي بشكل كامل أو دقيق أو سليم.

لكن، في مقابل فخري ذاك فيما أتابع تحدي القراءة وأتلمس آثاره وأحلل تداعياته وأرجع إلى أسسه، باغتني “فيديو”، على موقع التواصل الاجتماعي “الانستغرام”، يصور فتيات تكاد الواحدة منهن تلفظ آخر أنفاسها فيما يلاحقن “فاشينستا” تتبضع في مجمع تجاري بمعية حرس خاص “بودي غاردز”.

إنه عالم حر، مختلف التوجهات والأهواء والميول، ولذا لن  أتوقف عند ظاهرة الفاشينستات، ولن أتوقف عند ما يحدث من هرج ومرج على وسائل التواصل الاجتماعي على مواقع هؤلاء أو حولهن. لن أعلق أيضا على قضية فراغ حياة بعض أبناء وبنات هذا الجيل من نموذج مشرّف، ما يجعلهم يتعلقون بفاشينستا، ذات وجه وجسد جميلين، تهتم بأناقتها وجمالها، لكن لا شيء آخر ليُقتدى به، لا شيء مثمر يبنى الإنسان والمجتمعات، لا شيء يشير لمنجز “إنساني” على أي مستوى.

لن أتوقف أيضا عند قضية تحميل المسئولية للأسر التي لم تحسن تقديم الدعم النفسي والذهني والتربوي لأبناءها، ولم توفق لتوضيح المفاهيم وتقديم المثل لهم. ولن أتوقف أيضا عند مسئولية الاعلام وجنايته في هذا الشأن وهو الذي روج لتلك الصور الجوفاء وخلق منها نجوماً.

لكنني سأتوقف عند مسئوليتنا جميعا كمجتمع عربي خليجي، يزعم أنه يحمل من القيم العليا والثقافة النبيلة ونظم الحياة الراقية إنسانياً، أكثر من غيره. سواء كان ذلك صحيحا أم لا، فإنه يعني أننا نحمل مسئولية، “أكبر”، في تقديم جرعات غير اعتيادية من الدعم النفسي والاجتماعي والذهني والمفاهيمي والمبدئي، لأبنائنا.

لكل منا توجهاته الاجتماعية والدينية والثقافية، ولبعضنا اعتزازه المفرط بكل ما يفرزه الانفتاح على العالم، لكن هل نرتضي أن يفقد ابنائنا الاحساس بشيء من الجدية في حياتهم ليصل بهم الأمر لأن يكون مثلهم الأعلى فاشينستات.

نحتاج لأن نصدر للعالم صوراً مختلفة، تشبه صور تحدي القراءة، تشبه صورة المخترع السعودي الذي سجل العالم كوكبا بإسمه، تشبه صورة نساء تحدين واقعهن وصنعن مجتمعاتهن الصغيرة أو الكبيرة بإنجاز مهني أو إنساني شامل، تشبه صوراً عربية أخرى كثيرة لمبدعين في كل المجالات.

نحتاج لأن نفخر بثقافتنا أمام العالم، لأن نقول للعالم أننا نصدر لكم صورا مشرقة تساهم في رسم مستقبل أفضل للبشرية. نحتاج لأن نكون أجمل في أعيننا وفي أعين الآخرين، أجمل بإنجازاتنا وإبداعاتنا، في كل مجال يرتقي بالبشرية.

باختصار نحتاج لقوة ثقافة نبيلة. تسعدنا وتنقل السعادة للآخرين… السعادة بمعناها الإنساني الأعمق والأقرب لتحقيق مستقبل أفضل للبشرية.

منصورة عبدالأمير

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s