عن مشاركتها في معرض البحرين السنوي الفنانة فريال الأعظمي: يستفزني “درويش” فأترجم أشعاره فناً …ورماناً ووطنا

الجفير – منصورة عبدالأمير

لطالما استفز الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الفنانة التشكيلية العراقية فريال الأعظمي، بكلماته التي تحرك ذاكرتها وتطلق حنينها إلى الوطن الأم العراق، إلى صدر الأم وحنانها وإلى ذكريات الطفولة.

هذه المرة استفزها ببيته الشهير “وأحفر اسمي على جذع رمانة في حدائق بابل” الوارد في قصيدة “ليل يفيض من الجسد”، أطلق ذاكرتها وعاد بها إلى شتاءات طفولتها في حي الأعظمية ببغداد، وإلى طبق الرمان الذي تعده والدتها يومياً لتتناوله فريال في حديقة المنزل “كانت والدتي تحضر لنا الرمان يوميا لنتناوله في حديقة منزلنا بمجرد عودتنا من المدرسة في الشتاء خاصة. كل هذه الأمورلا تزال حاضرة في ذاكرتي”.

للرمان حكايته معها إذن ولدرويش الحكاية الأصل فهو الشاعر الذي يفتنها على الدوام، والذي تستفزها كل كلماته وأبياته، أما الرمان فهو كما تقول “الرمانة هي ثمرة الحياة والحب والأنوثة وهي مذكورة في جميع الكتب السماوية وهي تعني لي الوطن، لو بحثت عن الرمان ستجده محتفى به جميع الحضارات”.

هذه المرة تترجم الأعظمي كلمات درويش المحتفية بالوطن والرمان، في صورة عمل فني مختلف، يشكل مشاركتها في النسخة الثالثة والأربعين من معرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية (17 يناير/ كانون الثاني – 17 مارس/ آذار 2017). تأتي ترجمتها في صورة رمانيتين محفورتين بأناقة ودقة على خشب تلونه بالبرونز والذهبي ليبدو وكأن الرمانتين محفورتين على البرونز، ثم لتنثر بداخل إحدى هاتين الرمانيتين، وهي المحفورة على شكل قلب، حروفياتها المشكلة لما ألهمها هذا العمل.

تقول الأعظمي “نحتت هاتين القطعتين، على الأخص تلك التي تحوي شكل قلب، اقتباساً من صورة رمانة حقيقية، وكانت الفكرة بداية هي أن أنحت العمل على البرونز لكني وجدت أن قص البرونز وتشكيله يستغرق وقتاً طويلا مقارنة بالخشب الذي بدا كبرونز عند ما قمت بتلوينه”.

يقام معرضه “أركاديا” في البارح ويستمر حتى 10 فبراير الفنان اللبناني عبد القادري: أنهكتني صور الموت فباغتني مطر بيروت

العدلية – منصورة عبدالأمير

 

منذ أن عاد الفنان اللبناني عبد القادري إلى بيروت نهايات عام 2015، بعد تسعة أعوام قضاها في الكويت، ومنذ أن باغتته ذاكرته الأولى، التي تركها قبل مغادرته مدينته الأم، والتي تتمثل كما يصفها بعباراته في “رائحة أول المطر على الإسفلت في صباح شتائي” وفي “تسلق أغصان الياسمين والغاردينيا على جدران ومداخل البيوت الأرضية” وفي “انعكاسات أشعة الشمس على سفوح المدينة”.

مذ ذاك، وعلى الرغم من إلحاح صور الواقع العربي القاسي الذي ظل القادري مشغولاً بها لأكثر من عشرة أعوام، مترجما إياها عبر معارضه التي ركزت على ثيمات اجتماعية سياسية، إلا أن الفنان اللبناني قرر تغيير وجهة أعماله الفنية، والإنطلاق من زوايا كفيلة بأن تصنع من مآسي الواقع العربي وقسوته صوراً جديدة تشع بالأمل والحياة.

هكذا جاء معرضه الشخصي “أركاديا” المقام في “البارح للفنون” تحت رعاية وكيل وزارة الداخلية لشئون الجنسية والجوازات والإقامة الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة  (22 يناير/ كانون الثاني حتى 10 فبراير/ شباط 2017).

“أركاديا” الذي يتناول مأساة المهاجرين بحراً الهاربين من جحيم بلدانهم إلى شواطئ أكثر أمنا وحياة، يعرض أعمالاً تمتلئ بالحياة رغم الألم، وذلك في محاولة من الفنان لصنع صوراً مشرقة ولصياغة عالم جديد لنفسه ولشخوصه، ليرتاح ويحرر ذاكرته من صور الواقع القاسية التي تتّبعها طيلة أعوام، في جنة يصنعها هو في لوحاته فقط، يحرر فيها شخوصه، من قسوة ما شهدوه إن وصلوا، أو ليريح أرواح من لم يصل منهم. إنه معرض يصفه الفنان بأنه يمثل “فعل الوصول مجازياً” …. الوصول إلى “أركاديا”.

فضاءات “الوسط” إلتقت الفنان عبد القادري على هامش معرضه، لتحاوره حول أركاديا، رمزية الإسم، ومجاز الوصول، وحول نظرته للفن وحول الطبيعة التي أخذت بعض لوحاته للتصوف.

أركاديا/ الجنة ..بيروت/ الحياة  

سألته بداية عن عنوان معرضه المشتق من إسم المحافظة اليونانية “أركاديا”، عن رمزية الإسم والمدينة، وعن علاقتهما بثيمة المعرض، فأوضح قائلاً “أركاديا محافظة يونانية يعود تاريخها إلى العصور القديمة، وربما لا توجد اليوم في مكانها الجغرافي السابق لكن هذه المنطقة معروفة في الأساطير اليونانية، بأنها أرض إله البراري “الإله بان”. وفي فترة فنون عصر النهضة الأوروبية، احتفى مجموعة من فناني عصر النهضة بأركاديا كونها منطقة بكر وأهمهم الفنان بوسان، الذي قدم لوحة تحمل إسم أركاديا، وذلك احتفاءاً بهذه المنطقة باعتبارها أرض الميعاد التي لم تلوثها الحضارة، أو الأرض البكر التي لم تتشوه، والتي لم يتلوث سكانها بأي حضارة”.

أما فكرة المعرض فبدأت كما يروي عبدالقادري “بعمل كان يفترض أن يكون مكملا لأعمال آخر معرض قدمته في بيروت وهو معرض “رماد البحر” (2016) الذي كان يتحدث عن غرق المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط”

ويضيف “قدمت عملاً كبيراً جدا حول هذه المأساة وكنت وقتها خارج بيروت، أتعبني المعرض كثيراً بسبب ما شاهدته من مآس، فحين تشتغل على موضوع بهذه القسوة وتسمع قصص الآخرين وتشاهدها على مقاطع اليوتيوب، وتصبح محاطاً بقصص الموت طوال الوقت، فهو أمر متعب”. ولذا يشير عبدالقادري “بعد هذه المرحلة توقفت عن الانشغال بالموت”.

قرر القادري التوقف عن متابعة صور الموت، وهو الفنان المنشغل على الدوام بمتابعة الشأن العربي والإقليمي وبصراعاته الدخلية والخارجية وبكل صور العذاب والآلام فيه،  والمترجم لكل ما تحمله ذاكرته حول ذلك الواقع عبر ثيمات معارضه الفنية التي تنوعت بين صور التعذيب في سجن أبوغريب (عام 2006) وصولا إلى مأساة غرق المهاجرين وصور أشلائهم الملتقطة على السواحل اليونانية في “رماد البحر” (عام 2016). كان ذلك تأثير العودة إلى بيروت: المدينة الحياة.

هذا الإنشغال المنهك لذهن وروح القادري، ثم عودته إلى بيروت ومباغتتها له بكل صور الحياة فيها،  جعلاه يعزف عن متابعة أخبار الموت، عن قراءة الصحف وعن الاستماع لنشرات الأخبار، أخذاه إلى الطبيعة، وإلى شراء شقة أرضية وزراعة “محترف” وتشجيره.

هكذا أخذه المحترف بكل ألوان الطبيعة الجميلة فيه إلى الرسم مرة أخرى، والفعلان متشابهان على أية حال. وهكذا أعاد النظر في أعماله، على الأخص تلك التي تصور مأساة غرق المهاجرين قبالة السواحل اليونانية. ووقف متسائلا مستفهما علاقته بهذا الواقع القاسي، محاولا إيجاد انطلاقة مختلفة لا تركز على المأساة، بل تفتح بابا مختلفاً، لعله صوفي يقود إلى فكرة الوصول المجازي إلى أركادياً.

يقول القادري “هذا المحيط الجديد من الطبيعة وفكرة انقطاعي كاملا عن سماع الأخبار وعن مشاهدة صورة المأساة والتراجيديا، أخذاني لوجهة جديدة ولنقطة انطلاق مختلفة في تناولي للشأن العربي الاقليمي”.

ماذا سأرسم؟

لم يتمكن القادري من فك إرتباطه ذاك بالثيمات الاجتماعية السياسية المسيطرة على ذهنه والموجهة لأعماله، كما لم يستطع العودة لصور الأشلاء الممزقة والموت والتعاسة، فماذا سيرسم إذن؟؟ يقول “خلال هذه الفترة وحينما كنت أفكر كيف أعود للعمل على مشروع الهجرة، التقيت بشخص تحدث لي عن قصة اثنين من اقربائه كانا يحبان بعضهما، جازفا وغامرا بالهجرة إلى اليونان عبر البحر بحثا عن حياة أفضل، ثم انقطعت أخبارهما. شاهدت صورة لهما معلقة على جدار منزله، رسمها فنان مجهول بالفحم. أثارني الموضوع كثيرا ودفعني لأن أتناول رمزية القصة وفكرة انهما وصلا أم لم يصلا، وهي أبعد من فكرة المأساة بالنسبة لي وأبعد من فكرة الحياة والموت”.

هكذا اختار عبدالقادري شخوص أعمال معرضه الجديد، إمرأة ورجل خالدين،  ينشدان الخلاص من قسوة الواقع في “أركاديا” أرض الطهارة التي لم تلوثها أي حضارة وأي بشر.

يقول القادري “بدلا من أن أرسم هذين الحبيبين غارقين في بحر، جعلتهما في حالة فرح في لوحاتي. قررت أن يكون المعرض كله بهذا الشكل، وقررت أن أجعل هذين الحبيبين، مرسومين بالفحم، كما في صورتهما الأصلية التي شاهدتها وألهمتني،  لكنني أوصلتهما في لوحاتي إلى اليونان وإلى أركاديا تحديداً”.

القادري لم يبتعد كثيرا عن ثيماته المعتادة في هذا المعرض، ولم يخرج عن نطاق اهتمامه بالثيمات الإجتماعية السياسية، كل ما فعله هذا الفنان المتعب من صور الموت والدمار، في هذا المعرض هو أنه حاول أن يتصالح مع الواقع الحالي، ويخفف من قسوة صور هذا الواقع المر على نفسه وعلى المتلقي وعلى شخوص أعماله، وذلك في محاولة لإيجاد السلام وسط منطقة تمزقها الحروب والصراعات.

يقول “أنا بنفس ثيمة معرضي السابق “رماد البحر”، لكني أتناولها هنا من منطلق مختلف كليا، فحين اشتغلت على هذه الثيمة قبل ثلاثة أعوام، لم يكن كثير من الناس واعين لفداحة مأساة الهجرة، لكن الجميع شعر بها بعد انتشار صورة الطفل السوري الذي غرق على البحر. هذه الصورة التي هزت الملايين هي صورة قاسية وصعبة”. ويواصل “في هذا المعرض قررت الخروج من فكرة معالجة القضية بشكل مباشر. تناولتها من زاوية الحبيبين اللذين لا أعرف شيئا عن مصيرهما، لا أعلم إن كانا قد وصلا وحققا حلمها أم ابتلعتهما مياه البحر. لذا قررت أن أذهب إلى جانب مختلف كليا وأن أحاول عبر لوحاتي تحقيق حلمهما بالوصول، ليصبح المعرض كله تحقيق حلم ولو بشكل مجازي لفكرة الوصول او العبور او ربما الحياة بعد الموت”.

كان تأثير البيئة الزاخرة بالألوان في بيروت عموما وفي المحترف بشكل خاص، التي اصبحت محيط الفنان الجديد، قوياً، ولذا أراد عبدالقادري عمل اسقاط مختلف في معرضه هذا. أوصل الحبيبين إلى الأرض المنتظرة، إلى “أركاديا”.. الجنة الموعودة.

الوصول …فعل مجازي

يأخذني القادري في جوله عبر معرضه الذي افتتحه بعبارة الشاعر دانتي الشهيرة “الطريق الى الجنة يبدأ بالجحيم”، ليطالعنا بعدها عمل تجهيزي Installation  يقدم فيه الفنان الصورة الأصلية للزوجين وهي التي ألهمت أعمال معرضه، مخبأة خلف زجاج، فيما تسلط اضاءة علوية على مفردات قال القادري أنها مأخوذة من قاموس الملاحة وأنها تعبر عن كل ما له علاقة بالبحر والملاحة، مشيرا إلى أنه “لكي يسافر الشخص بسلام عبر البحر ينبغي أن يكون لديه معرفه بأسرار وقاموس ومعجم البحر”.

بعدها تبدأ لوحات المعرض التي قسمها القادري في مجموعات تصور كل مجموعة طوراً حياتياً مختلفاً لما يريد لشخوصه أن تعيشه في أرض أركاديا الموعودة، ويوضح ذلك قائلاً “في أول مجموعات المعرض وهي مجموعة “الخلاص” تصور اللوحات أزواجاً مختلفين يشبهون أولئك الحبيبين اللذين ألهماني، وقد لا يشبهونهما، لكن هؤلاء الأزواج جميعاً يلبسون لباساً رسمياً وكأنهم يحضرون مناسبة اجتماعية. رسمت صورهم على الفلين لأن الفلين لا يغرق، وأنا لا أريد أن يغرقوا، أريدهم أن يصلوا إلى أركادياً”.

ويضيف”خلفيات هذه اللوحات هي عبارة عن موتيفات من أرضيات المنازل المستخدمة في سوريا وفلسطين ولبنان، قمت بحفرها بالليزر على الفلين”.

تضم المجموعة الثانية لوحة واحدة تصور وصول الأزواج بسلام إلى شاطئ الأمان وهم يرتدون سترة النجاة، ثم تبدأ المجموعة الثالثة التي يمنح فيها القادري شخوصه حياة جديدة، إذ تنمو  النباتات على أجسادهم ثم تتسلق أكتافهم. ثم تأتي مجموعة “الوحدة” التي تتصالح فيها الشخوص مع البحر، ليصل أخيرا إلى المجموعة التي تتوحد فيها شخوصه مع الطبيعة حولها، وعن هذا التوحد يقول “هناك نظرة صوفية في هذه الأعمال، محورها أن الإنسان والطبيعة واحد، فنحن نخلق من الطبيعة ثم نرجع إليها ولذلك أحببت أن أعطي الزوجين والمحيط حولهما في كل لوحة نفس التركيبة الكيمائية واللونية”

أؤمن بالفن المسيس

رغم الوصول والتوحد مع الطبيعة والتصالح مع البحر، لا تزال لوحات القادري تمتلئ بالغربة والوجع، أسأله عن ذلك فيجيب مؤكداً “بالطبع، لأنني أتعامل مع شخصيات تشغل بالي وأتساءل عن مصيرها على الدوام، لكنني وبقدر ما كنت أحاول أن أرتاح، قبل أن أريح شخوص لوحاتي، إلا أنني لم أتمكن من أن ألغي فكرة أننا نعيش مأساة حقيقية في الوطن العربي، وجميعنا مطالبون بأن يكون لدينا حد الأدنى من الوعي الإجتماعي والسياسي”.

تأكيد القادري هذا على الوعي الاجتماعي والسياسي بدا واضحاً في ثيمات معارضه السابقة التي تناولت موضوعات مختلفة مثل معاناة السجناء في أبوغريب ومأساة غرق المهاجرين العرب في البحر الأبيض المتوسط، وصولا إلى الإحتفاء بشخصيات من التراث العربي الإسلامي مثل شخصية الفنان الواسطي التي احتفى بها في أحد معارضه والذي يقول عنه “تناول المعرض أيضا تدمير متحف الموصل بالعراق وصنعت فيه مقاربة بين العراق والعالم الإسلامي وما كان عليه قبل 800 عام، وما هو عليه اليوم، كان معرضي يسجل موقفاً نقدياً للفكر الذي يخرج من الفكر الإسلامي، ويدين تدمير إرثنا الحضاري في المتاحف والمدن. وقد منحه متحف سرسك في لبنان يوم أمس جائزة أفضل عمل”.

هذا الوعي الذي يحمله القادري بالشأن السياسي الاجتماعي وتركيزه عليه في كل أعماله، والإيمان بأن الفن السيس والموجه يجعله في حالة استغراب من موقف بعض الفنانين الذين لا يتناولون أي شأن محيط بهم في أعمالهم، وهو يقول “إذا زرت معرضا ووجدت الفنان يرسم الطبيعة فقط، أشعر أن لديه نقص في وعيه السياسي والاجتماعي،  أؤمن بأن الفن يجب أن يكون ملتزماً وموجهاً ومسيساً”.