انطلاق برنامج “سينيسيتا مشق” مع الفيلم الأردني “ذيب”

IMG_1351

مع الفيلم الأردني “ذيب” الذي شكل علامة فارقة في عالم السينما العربية الحديث، انطلق برنامج “سينيسيتا مشق” يوم 17 أغسطس/ آب 2017. هذا الفيلم الذي نشاهد فيه فتى تضطره الظروف لأن يعيش مغامرة تختبر مبادئه وقيمه، وتنقله من عالم الطفولة والصبا إلى عالم الرجال، وأي رجال، أولئك الذين عاشوا في عام 1916 في الصحراء الغربية، عاشوا الفترة التي تتحول فيها المنطقة العربية إلى ما سمي بعدها بالشرق الأوسط، وعانوا الأمرين وهم يسعون جاهدين، كشعوب، للتخلص من السيطرة العثمانية من جهة ومن ثم من استعمار وحرب عالمية أولى يستعر أوارها في الغرب فيما يطالهم شررها.

برنامج “سينيسيتا” الشهري جاء ليقدم عروضا سينمائية بمعدل عرض واحد في الشهر، هو حلمي إن شئتم، حققته من خلال فضاء مشق الفني وبالتعاون مع القائمين على هذا الفضاء. أسميته سينيسيتا وهي لفظة إيطالية تعني مدينة السينما… هي مدينتي السينمائية الصغيرة إذن، التي أريد لها أن تكون نافذة يطل زوراها من خلالها على عالم السينما، هذا العالم  الساحر الرائع الممتع الجميل الذي يأخذنا لعوالم قد تكون حالمة فقط، مسلية فقط، وربما مؤدلجة تدس السم في العسل وتنقل رسائل مباشرة وأخرى مبطنة وربما خبيثة… هو عالم ممتع على أي حال، هادفاً كان أم لا، هو مسل فقط…وهو نافذة جميلة ساحرة ممتعة على العالم الأكبر.  

منذ البداية أخبرت جمهور “سينيسيتا مشق” بأننا لن نركز على نوع واحد من السينما، لكن اختياراتنا السينمائية الشهرية ستخضع لاعتبارات اخرى، اعتبارات سينمائية فنية مرة، ومرة أخرى ستحدد ثيمة الفيلم وقضيته هذا الأمر، ومرة ثالثة سنجد بكل تأكيد مدخلا نبرر فيه تلك الاختيارات.

الاختيار الأول في برنامج “سينيسيتا مشق” كان الفيلم الأردني “ذيب”، وهو أول فيلم روائي طويل للمخرج الشاب ناجي أبو نوار. هو فيلم دراما وإثارة ومغامرات تمكن من أن يصل للقائمة النهائية لأوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2016، للأسف تفوق عليه الفيلم الهنغاري (المجر) ابن الإرض Son of Saul ، لكن في مقابل الأوسكار التي لم يحصل عليها حصل الفيلم على 19 جائزة عالمية أبرزها جائزة أفضل اخراج في مهرجان فينيسيا السينمائي 71 عام 2014، وجائزة أول اخراج، وتأليف، وإنتاج لمخرج ومؤلف ومنتج بريطاني وقد قدمتها له الأكاديمية البريطانية للأفلام British Academy Film Award ، وجائزة الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين (فيبرسكي) التي تقدم ضمن فعاليات مهرجان دبي السينمائي الدولي وذلك في عام 2016، وجوائز أخرى عديدة من مهرجانات: القاهرة السينمائي، بلغراد الدولي للأفلام، بوينس آيرس الدولي للسينما المستقلة، وغير ذلك.

الفيلم هو أول أفلام ناجي أبونوار الروائية الطويلة، وهو مخرج أردني، من مواليد المملكة المتحدة، درس الاخراج في أنجلترا وتخرج عام 2004 . قدم فيلم قصير سابقا هو فيلم “موت ملاكم” Death of a Boxer  كان ذلك عام 2009.

أعقب الفيلم جلسة نقاشية تداخل فيها معظم الحضور معي، وكانت مداخلاتهم مثرية وعميقة في طرحها ومضمونة، وقد جاءت كالتالي:

الناقد زكريا رضي: يمكنني وصف الفيلم بأنه مكاني،  فلو حذفنا المكان فلن يتبقى شيء من الفيلم وهذه قدرة المخرج البارع الذي استطاع ان يحصر المشاهد طوال فترة الفيلم في هذه البقعة الصحراء بكل ما فيها من قسوة ومن فقدان أبسط أمور العيش حين تصعب الامور. أعجبني الولد كثيرا فلدية موهبة وهو البطل الحقيقي في الفيلم كله، لكن لدي سؤال متعلق بمشهدين كيف تلقى المجتمع الغربي مشهد ذبح الخروف ومشهد الولد حين أمسك المسدس وأطلق النار، أعتقد أن مثل هذه المشاهد فيها نوع من التحفظ بالذات مسألة ذبح الخروف حين تم تسليم السكين للولد”.

منصورة (مقدمة البرنامج): نعم وجه بعض النقاد الغربيين نقدا حاداً للفيلم وتحفظوا على مشاهد الدم التي امتلئ بها الفيلم، حتى كتب أحدهم مقالة عنونها بما معناه “أن تصبح رجلا في الصحراء يعني أن تتعلم كيف تقتل”. ومن وجهة نظري لم يكن ذلك انصافا من أولئك النقاد، فالفيلم يمثل اسقاطاً على المرحلة السياسية التي مر بها العالم العربي في تلك الفترة التاريخية التي كانت تتسم بكثير من العنف والدموية الناتجين من حركات التحرر والثورات العربية والحروب التي سادت العالم وتأثرت بها المنطقة ولذا فمن الطبيعي أن يحتوى هذا الاسقاط على مشاهد المعارك وغير ذلك. بالإضافة إلى ذلك فالفيلم يصنف على أنه فيلم ويسترن عربي، وأفلام الويسترن في العادة تتضمن مثل هذه المشاهد وأكثر منها. أما سبب تصنيف هذا الفيلم بأنه فيلم ويسترن فهو لإحتواءه على كل مقومات أفلام الويسترون من تمجيد للبداوة واحتفاء بها، ومن اختياره للصحراء الشاسعة لتكون مسرحاً أو موقعا تدور فيه أحداث الفيلم حيث صور الفيلم في صحراء وادي رم الواقعة في جنوب الأردن وتم الاستعانة بالبدو من أهالي المنطقة وبالتحديدة بأبناء قبيلة كان أجدادهم من المساهمين في الثورة العربية، عدا عما صاحب مشاهد الفيلم من موسيقى تكونت من أصوات صحراوية متعددة، بكل مخاطرها من جانب آخر.  

الكاتب نادر المسقطي: الفيلم مميز لكني توقعته أفضل اعتمادا على قراءاتي حوله، ما وجدته هو أن السياق التاريخي في الفيلم وكذلك البيئة لم يكونا واضحين فقد يستغرق  المشاهد الكثير من الوقت حتى تبين الحقبة التاريخية والمكان وهذا نقص في الفيلم. بالطبع لا ينفى هذا تميز الفيلم وبالذات من حيث الايقاع وكذلك أداء الممثلين وعلى الأخص الطفل الصغير، ولكن في التحليل الأخير كان بالإمكان أن يقدم التحليل التاريخي بشكل أفضل بكثير، وليس بهذا الشكل المجرد، ومن خلال مواقف محددة وشخصيات محدودة، وهي شخصيات لم تكن بذلك العمق باستثناء شخصية الطفل الذي ركز عليه الفيلم. المحتوى التاريخي للفيلم لم ينقل الفترة التاريخية وربما يكون أفضل مشهد بالنسبة لي هو المشهد الختامي الذي نرى فيه الطفل يمتطي الجمل متحركاً بإتجاه فيما القطار يتحرك في الاتجاه الآخر، هذا المشهد وضعني في السياق التاريخي للفيلم وكيف إن العرب كانوا يسيرون بعكس التيار. أعتقد الثورة العربية في الفيلم ظلمت إذ لم تقدم بشكل واضح وكانت هذه فرصة ذهبية لتقديمها بشكل أفضل. أخيراً يبقى الفيلم محاولة جيدة تحسب للمخرج، كذلك كان بالامكان الاحتفاء بقيم البداوة ولكن بعمق اكبر وباهتمام بالتفاصيل التاريخية بشكل أفضل.

مدير نادي البحرين للسينما يوسف فولاذ: استغرق التحضير للفيلم  8 أشهر، والفيلم يحمل رسالة ربما بدت واضحة في المشهد الأخير وهو مشهد دخول القطار الذي يرمز لغزو الثقافة  الغربية، ولكني تمنيت أن يكون المشهد أوضح. كذلك ينتقد الفيلم الحركة الثورية وذلك حين صور  الولد وهو يحمل السلاح متجها وجهة معاكسة للقطار، لكن بشكل عام هذا أفضل فيلم شاهدته خلال العشرين سنة الماضية إذ تمكن مخرجه من محاكاة المشاهد الغربي وحصل على احترام العالم في الوقت الذي لم يتنازل عن خطابه المحتفي بالحياة البدوية وبالبيئة الصحراوية.

مقدمة البرنامج : كذلك أود أن أضيف بأن الفيلم قدم تحفة صوتية، من حيث الموسيقى التي قدمها والتي ألفها الانجليزي جيري لين واستوحاها من فكرة الفرغ في الصحراء كما يشير مخرج الفيلم. هذه الموسيقى تم تأليفها باتباع أسلوب معروف في الويسترون الايطالي حيث يتم تأليف موسيقى متقبسة من أرواح أعمال مختلفة ثم تقديمها في قالب جديد وبأسلوب مختلف. الموسيقى هنا تكونت من أرواح عدة أعمال هي إحدى المقطوعات في فيلم مذكرات الغيشا Memoirs of A Geisha وموسيقى فيلم قائمة شيندلر  Schindler’s  لجون ويليامز وموسيقى The Red Sea   التي ألفها روماريو كومانوف، كما تم اضافة أصوات القطار واصوات الصحراء المختلفة وموسيقى بدوية وموسيقى العود العربية وغيرها. وتم توزيع الأصوات والموسيقى ومزجهما بشكل يناسب المواقف والمحطات المختلفة في الفيلم.

إحدى الحاضرات: رغم أن الأحداث بطيئة والحوارات قصيرة بل نادرة إلا أن المخرج تمكن من نقل صورة للحياة في هذه الفترة الزمنية. لا أعرف ما المفترض أن نفهم من الفيلم، هل هي قصة شخصية حول هذا الطفل وكيف تربى وكيف واجه كل المشاكل لوحده، أم إنها في حين كنت قصة المنطقة العربية خلال فترة الحكم العثماني.

الخطاط علي البزاز : أخذني جو الفراغ في السماء والأرض والعدد القليل من الأشخاص إلى رمزية الفكرة وما يحدث في الفيلم. ليس هناك كثير في الفيلم وجزء من الفكرة بسيط جدا ولكن عمقها يكمن في تلك البساطة وهي “حينما يكون الشخص في مقابل الموت والفقد وفي مقابل أن يتآخى بشكل ما مع عدوه لكي يعيش”.  القوي في الموضوع أننا أمام شخصية طفل وليس شخص كبير يمكن أن يفلسفها أو يناقش في ذهنه احتمالات كثيرة. الشخصية هي شخصية طفل أعتقد بأنه تصرف بشكل جميل جدا إذ سقى عدوه الماء بداية ثم  اختار أن يسير معه في هذا الدرب. أعتقد أن الفيلم على رغم كل الانتقادات التي وجهت له وفي اعتقادي هي انتقادات جانبية تتطرق للجانب الفني، إلا أنه طرح قضية عميقة جدا ممكن تطرح الكثير من الأسئلة في فوضى العالم العربي التي تحصل الآن وفي العداوات المتناقلة او المستعرفة في العالم العربي. ماذا نفعل مع أعداءنا أو من نفترض أنهم كذلك لأجل أن نعيش في العالم العربي.

أحد الحاضرين: الفيلم من ناحية تصويرية إبداع. كل مشهد عبارة عن لوحة فنية كمشهد دفن الأخ وما يرد فيه من عبارات مثل “اللي راح ما يرجع” هو مشهد فيه   كثير من الاسقاطات الرائعة جدا. الفيلم بشكل عام له اسقاطات بعيدة لا تنحصر في ما شاهدناه في ساعة ونص، هناك اسقاطات سياسية أو شخصية  فالفيلم لا ينتهي مع انتهاء مدته بل يمكن أن تتفرج عليه عدة مرات فهو يصل إلى نقاط بعيدة جدا.

المخرج الشاب هاشم شرف: هذا الفيلم درس لأي مخرج، فالمخرج لم يعمل سوى عمل واحد هو فيلم “الملاكم” ثم جاء بعده هذا الفيلم الروائي الذي ترشح ل 19 جائزة من بينها جائزة الأوسكار ما يعني أن الأمر ممكن للمخرجين الشباب. حتى التقنيات فيها رؤية فنية فليست جميع المشاهد فيها اضاءة طبيعية ولكنه استخدم الداي لايت في بعض المشاهد وهناك الباك لايت في مشاهد أخرى وذلك حين تسلط الاضاءة على الوجه ليقدم لنا ايحاءا بالأمل.. هناك رؤية فنية للتقنيات. الصوت أيضا لم يكن مجرد موسيقى تعرض أو مؤثرات صوتية، صوت الرصاص لم يكن طبيعيا بل مبالغا فيه، لماذا نجعله كذلك حتى صوت البئر، المخرج قوته هو أنه راوي قصة وهو يروي القصة من منظور الطفل ولذلك أنت تشاهد الأمور من منظور هذا الطفل، حتى المشهد الذي يرفض أن يقع فيه الطفل كان المشهد  يصور من منظور الطفل، كل لقطة صورت من منظور هذا الطفل، ما استمتعت به أكثر هو أن الفيلم رحلة للطفل يتعلم خلالها مبادئ الرجولة وكيف يواجه الخيانه ويمر بمرحلة نضج. أرى أن مخرج الفيلم عظيم وفيلمه يعد درساً لجميع المخرجين يقول لهم إنكم قادرين على إنتاج مثل هذا الفيلم.  

المخرج والممثل عادل شمس: هذه النوعية من الأفلام لا تستخدم السياق المعتاد للسيناريو الذي يتكون من بداية ووسط ونهاية، هنا لدينا فكرة مطروحة قد ترتفع وتنزل مع الأحداث. أيضا إيقاع الفيلم يرتفع وينزل بحسب الحاجة، فالفيلم يحتاج لأن ينقلك معه لإحساس الانتظار والملل والقلق. أصبح الإيقاع سريع حين تم تبادل إطلاق النار ثم بعد فترة الانتظار عاد للإيقاع البطئ، وقد أحسن المخرج حين لم يأخذنا أطول في فترة الفيلم لأن الانتظار كان يحتاج لفترة أطول. أما بالنسبة للهجة الفيلم التي انتقدها البعض ففي الواقع لا تحتاج لأن تفهم اللغة في هذه النوعية من الأفلام لأن اللغة لغة كاميرا ولغة تفسيرك أنت للفيلم، وكيف تطوع نفسيتك أو تتداخل نفسيا مع المشاهد ومع البطل، فأنت لا تحتاج جميع التفاصيل التي يسردها الحوار، بل تصبح قادرا على فهمها.

الشاعر والكاتب فواز الشروقي: اختيار المخرج للحقبة الزمنية التي دارت خلالها الثورة العربية الكبرى وهي ثورة ليس واضحا فيها من المخطئ ومن المصيب ومن تسبب فيها ومن تضرر منها، فهناك موضوع الأشراف وهناك الوهابيين والعثمانيين وتدخلهم في الشئون العربية، هي أكبر حدث تاريخي حصل في المنطقة وأنت لا تعرف من المخطئ الصرف فيها، فكل طرف من هذه الأطراف مخطئ ومصيب في نفس الوقت. المخرج اختار قصة كأنها تدور على الهامش واختلف مع من ذكر أنه يجب أن يكون هناك تناول أعمق للحقبة التاريخية إذ اعتقد أن جمال الفيلم هو كون محوره قصة هامشية فيما القصة المحورية هي الخلفية. الجمال في إبراز الهامش ليكون محور الحدث. كذلك لم يختر شخصيات كبيرة بل الشخصية الصغيرة وهو ذيب فالمخرج ركز على منظور الطفل وهي موجودة في جميع الأحداث التي رويت من منظور الطفل.

المصور عبد الله السترواي:  لم يهتم المخرج ببعض الراكورات ففي مشهد الانقاذ لم يتغير راكور الطفل في حين الشخص المرافق يتغير راكوره في كل مشهد.  

مقدمة البرنامج: هناك نقاط قوة في الفيلم لم يتم التطرق إليها أهمها التصوير الذي تم بإدارة المصور النمساوي وولفغانع ثايلر وهو أيضاً مخرج أفلام توثيقية وبروفيسور في أكاديمية وين لصناعة الأفلام، حاصل على عدة جوائز، وقد قدم موسيقى عدد من الأفلام النمساوية والألمانية، وربما هذا ما ساهم في جعل الفيلم تحفة بصرية، أبدعتها كاميرا هذا المصور النمساوي. كذلك جاء اختيار القصائد البدوية في الفيلم موفق إلى حد كبير، وهي للشاعر عبدالله مناجا، وقد وظفها المخرج كفواصل في الفيلم، وجاءت كأنها معالجة دارمية تنقلنا إلى الأجواء التي يعيشها الأبطال آنذاك وإلى الهواجس التي تعيشها الشخصيات على الأخص ذيب. والمخرج يقول أن القصائد هي ذات مضامين وأفكار تعبر عن اهواء واحاسيس ورغبات انسانية مثلما لديها قدر من المعاناة والالم في هذه البيئة الصعبة.

IMG_1391

مشاركاً في مؤتمر الجامعة الأهلية للتنمية المستدامة البروفيسور إدريس: أحاديث مختلف عليها سبب أزمه العقل  

المنامة – منصورة عبدالأمير

IMG_2944

 

قال البروفيسور جمال نور الدين إدريس أستاذ الدارسات الإسلامية بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل بالدمام، إن العقل يضع خارطة الطريق لما يعرف بالتنمية المستدامة، وان هذه التنمية حين تشمل كافة الأطياف هي ما تحقق الإرهاب المقصود في الآية الكريمة “واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمون” إذ يؤكد إدريس أن الإرهاب هنا ليس في مهاجمة الآخرين، إنما هو في إعداد القوة بحيث ترهب الآخرين من أن يخترقوا هذه الحريات وجعل التنمية المستدامة على كافة ألوان الطيف، ولذلك فهو إرهاب دفاعي وليس هجومي، إرهاب ينمي المجتمعات ويحارب الإرهاب بمعناه السلبي.

وأضاف إدريس بأن الإعلاء من سياق بعض الأحاديث المختلف عليها وتحميلها على الأمة الإسلامية ككل هو أحد أسباب الأزمة التي تعيشها العقول، مقترحا ضرورة تجديد الفهوم في إنماء العقل كمخرج من هذه الأزمة التي يمر بها العقل.

جاءت آراء ادريس تلك في ورقة بعنوان “العقل بين الإنماء المنشود والإفساد المردود” قدمها البروفيسور المشارك في جامعة الدمام، في إحدى جلسات “مؤتمر التنمية المستدامة” في نسخته الخامسة عشر التي نظمتها الجامعة الأهلية بالتعاون مع منظمة العالمية للتنمية المستدامة في فندق شيراتون البحرين وذلك في الفترة 16 – 18 مايو/ آيار 2017.

إدريس تحدث حول أهم ما جاء في ورقته تلك، مفيداً “تحدثت عن العقل بإعتباره من مصادر المعرفة في هذه الحياة وكيف يمكن له أن يوصلنا للمعارف بضوابط معينة وحين يسير في ركاب النقل الصحيح”.

وأضاف “ذكرت في هذه الورقة التي مقدر لها ان تخرج في كتاب في لندن عما قريب قضية المعرفة أو العقل بإعتبار أنه يضع خارطة الطريق لما يعرف بالتنمية المستدامة وهذا هو الموضوع الأساس لأني لا أستطيع أن أرتقي بالإنسان الذي جعله الله سبحانه وتعالى خليفته، من دون عقل، لأن استخلافنا نحن وارادة ان نعمر هذه الارض انما بإيداع العقل فينا”

نحن أمة لا تقرأ

وعن ضرورة إنماء العقل، قال إدريس “ماذا يحدث اذا اطفئ الإنسان عقله ولم يتبع “اقرأ”. نحن من أمة اقرا ولكن بتنا للأسف الكبير لا نقرأ. هؤلاء الاسرائيلين الذين ننقدهم يوما بعد يوم، لو قرأتي الآن في وسائل التواصل الإجتماعي واطلعتي على الإحصائيات العلمية الصارمة، ستجدين أن الاسرائيلي يقرأ في الشهر الواحد 16 مؤلفا. فلأسأل الذين يقرأون هذا الحوار: كم نقرأ ونحن من ندعي الإنتماء إلى أمة إقرأ؟. الكثيرون لا يقرأون كتابا واحدا في الشهر. حتى إن بعض طلبة الدراسات العليا لم يكونوا قد قرأوا طوال حياتهم عشرة كتب، وربما قرأوا هذه الكتب مضطرين وهم في مرحلة التحصيل للدكتوراة او للماجستير حتى ينالوا درجة يسمون بها الدكتور أو البروفيسور. لكن لا نقرأ من أجل المتعة الذاتية، ومن أجل أن نكوّن حصيلة معرفية. لا نقرأ من أجل أن نحل بها ونوطئ بها مجتمعنا الذين نعيش فيه في كافة الجنبات. هذه هي الجزئية الأولى في الورقة إذ تناولت قضية الانماء العقلي بمسألة العلم، ومسألة المعرفة المستدامة باعتبار ان العقل هو الذي يساعد في هذا”.

وعن كيفية إنماء العقل، نادى إدريس في ورقته، وخلال حديثه معي، إلى ضرورة أن يكون العقل متوازنا بين الروح والجسد، إذ “لا يقول أنا روحاني فينغلق في صومعته أو مسجده ويختزل هذه الحياة كلها في زي واحد وفي أطروحات فكرية جامدة وضيقة في أتونها، وإنما يكون عقلاً متوازناً بين  المادة  والجسد “وكذلك جعلناكم امة وسطا”، لا روحاني فحسب ولا مادي فحسب، لأن الله خلقنا من أمرين، من قبضة من تراب ونفخة من روح. القبضة من التراب ترمز للمادة والنفخة من روح ترمز إلى الروحانية، فاذا اردت ان اكون بينهما وسطا لا يغلب جانب الروح على جانب المادة ولا جانب المادة على جانب الروح”.

ادريس أشار إلى أن اغلاق العقل عن الجانب المادي هو ما يغلق أزمه عقل لدينا، وهو ما يجعل البعض يعلي من سياق بعض الأحاديث المختلف عليها وغير الثابتة ويريد أن يحمل الأمة كلها عليها، لذلك نادى ادريس بضرروة “تجديد الفهوم في انماء العقل” مضيفا “لا بد ان نطلق العقل من سراجه. الأمر المهم الذي نود أن نعيه في تجديد الفهوم هو أننا لا ينبغي ان نقصي الآخرين، حتى الذين يخالفونا في المعتقد وفي الهوية وفي اللغة وفي كل هذه الأشياء. لا ينبغي أن نقول لا أريكم إلا ما أرى. حتى دستور المدينة نفسه جاء في إطار التلاقح، اليهودي إلى جوار المسلم والمسلم بجوار النصراني بل والاسلام نفسه. “قل اعملوا على مكانتكم” و”انك لست عليهم بمسيطر”، “لكم دينكم ولي دين”، “فمن شاء فليؤمن ومن شا ء فليكفر”.

ويتساءل مستنكراً “كيف جاءت نظرة هذه الفكر المأزوم، نظرة الدواعش والإرهاب. كيف يفهموا كثيرا من الايات بفهم خاطئ، فآية “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمون”،  لا تقصد بالترهيب هنا مهاجمة الناس، إنما الارهاب هنا هو أن نجعل التنمية المستدامة على كافة ألوان الطيف، أن نعد القوة بحيث ترهب الآخرين من ان يخترقوا هذه الحريات، ولذلك هو ارهاب دفاعي وليس هجومي”.

الإسلام لم ينتشر بالسيف

ويرد ادريس في ورقته على ما يروج عن انتشار الإسلام بالسيف، قائلا “يقولون جاءكم الرسول بالذبح كما تسمعين من داعش، وجاءكم بالسيف، وأريد أن أصحح هذا، فلو كان الاسلام قد انتشر بالسيف لكان قد زوي حينما زوي الاسلام خيلا ورجلا بمعنى حين خرج  الاسلام من الأندلس مهزوما خيلا ورجلا بالقوة لكننا نجد انه قد تمدد في اوروبا ووصل حدود سيحون وجيحون وبلاد الغال وهي فرنسا الآن ووصل الصين. ابن خلدون في مقدمته التي بنى عليها مونتسكيو قال “غالبا ما يعجب المغلوب بثقافة الغالب” لكن هذه المسألة ما انكسرت إلا لحضارتنا، ل لأن الاسلام حينما زوي خيلا ورجلا تمدد بالقناعة التي اعطيت فيه، لو هزم الاسلام نقول انتشر بالسيف لكن الاسلام زوي وهزم سيفا لكن مع ذلك وما زال يتمدد إلى يومنا هذا ولذلك قضية  الاسلاموفوبيا الموجودة في الغرب لأنهم يخشون من تمدد الاسلام بالمعطى الذي اوجده الله فيه فعلا. الآن يأتي الدواعش والرواعش، المنبطحون والمتشددون ليقولوا أن الاسلام جاء بالذبح وبالسيف”.

يوسع ادريس مفهوم التنمية المستدامة، ويخرجه من إطاره النظري الجاف ليجعل منه أسلوب وفلسفة حياة، وهو يوضح ذلك بالقول “ينبغى توسيع التنمية المستدامة لأكثر من ذلك، فمن الأشياء التي أدت إلى هذا الفكر المأزوم وجاءت بفكر الدواعش قضية عدم بسط الحريات، وقضية الاستبداد السياسي نفسه”

وقال بأن البعض يتحدث عن نظرية المؤامرة ويستدل بما كتبته هيلاري كلينتون في مذكراتها عن أن داعش صنيعة المخابرات الاميركية، لكنه أضاف متسائلا “هل كل شيء نلقيه على أميركا؟ لدينا فكر مأزوم إنساق وراءه الناس للأسف وينبغي ان يصحح، وهناك حكم في العالم العربي يضيق بالحريات وهناك استبداد سياسي لا يتيح الحرية للآخر كما أتاحها العهد الأول الزاهر في أيام الصحابة وفي أيام النبي وهو القدوة والأسوة”.

ادريس شدد على قضية بسط الحريات مؤكدا أنها إذا لم تتحقق فلا يمكن تحقق قضية التنمية المستدامة. كذلك أكد على ضرورة التعايش رغم الاختلاف، موضحاً “ما يضمنا هو الانسانية جمعاء، الرسول يقول “من آذى ذمياً فقد آذاني” ويقول سبحانه وتعالى “ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” ولم يقل رحمة للمسلمين، “وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا” وقال “كونوا ربانييّن” ولم يقل “كونوا محمدين” لذلك ننظر إلى هذه القضية وفق هذا السياق ككل”.

لكن ادريس يشدد على ان عدم تحقق الحريات وبسطها لا يعني أن نخرج على الحاكم المسلم موضحا “العقل يقول لا ينبغي أن نزيل مفسدة بمفسدة اكبر منها، ولذلك الإمام علي يقول لا يصلح الولاة إلا بصلاح الرعية ولا تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة” وانه اذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وادى الوالي إلى الرعية حقها، استقامت بينهما معالم السُنن والسنن (بفتح السين).

القبضة البوليسية لا تعالج الإرهاب

انتقل ادريس بعدها للحديث عن تبديات ثمار إنماء العقل، مفيداً بأنه “يفيدنا في التنمية المستدامة وينعكس خيرا وبركة في التكنولوجيا وفي التعليم وفي الاطار المجتمعي المتناغم المنسجم، وعلى الناحية الاقتصادية المالية”، كما استعرض ادريس في ورقته آثار افساد العقل وهي كما أفاد “أولا الجانب الحسي فانماء العقل يحافظ على العقل من جهة الوجود بالعلم ويحافظ عليه من جهة العدم، فالإنسان المتفلت الذي لا يرعوى بسلطان الدين يمكن له أن يفسد منظومة المجتمع ويعكر صفو المجتمع، وبذلك نخاف على العقل حتى لا يعدم لأنه لو عدم العقل أو جن عدمت الحياة”

ثم انتقل للحديث عن الأثر الآخر من آثار افساد العقل وهو الأثر المعنوي، مستشهداً بقضية الإرهاب وبما أحدثه من خسائر، يقول “بلغت خسائر العراق بسبب الإرهاب 16 مليار دولار في العشر سنوات الأخيرة، بعدها تأتي أفغانستان التي خسرت بلايين الدولارات، عدا عن الأنفس التي أزهقت”.

ويضيف “الرسول يقول في حجة الوداع “ألا إن دمائكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، علام يأتي إنسان ويفجر نفسه ويطفئ سراج عقله. ما الذي دهاه عن ذلك. لذلك لا بد أن نبحث عن الجذور الحقيقية وأنا أسميها بالمخدرات الالكترونية وبالتنويم المغناطيسي والاستلاب الفكري”

ويؤكد “ينبغي لمناهجنا التعليمية والتربوية والاعلاميين والمفكرين وفي وسائل التواصل الإجتماعي أن يوضحوا جميعا أن القبضة البوليسية لا تعالج الارهاب، بل ان ما يعالجه هو التنمية الحقيقية”.