مشاركاً في مؤتمر الجامعة الأهلية للتنمية المستدامة البروفيسور إدريس: أحاديث مختلف عليها سبب أزمه العقل  

المنامة – منصورة عبدالأمير

IMG_2944

 

قال البروفيسور جمال نور الدين إدريس أستاذ الدارسات الإسلامية بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل بالدمام، إن العقل يضع خارطة الطريق لما يعرف بالتنمية المستدامة، وان هذه التنمية حين تشمل كافة الأطياف هي ما تحقق الإرهاب المقصود في الآية الكريمة “واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمون” إذ يؤكد إدريس أن الإرهاب هنا ليس في مهاجمة الآخرين، إنما هو في إعداد القوة بحيث ترهب الآخرين من أن يخترقوا هذه الحريات وجعل التنمية المستدامة على كافة ألوان الطيف، ولذلك فهو إرهاب دفاعي وليس هجومي، إرهاب ينمي المجتمعات ويحارب الإرهاب بمعناه السلبي.

وأضاف إدريس بأن الإعلاء من سياق بعض الأحاديث المختلف عليها وتحميلها على الأمة الإسلامية ككل هو أحد أسباب الأزمة التي تعيشها العقول، مقترحا ضرورة تجديد الفهوم في إنماء العقل كمخرج من هذه الأزمة التي يمر بها العقل.

جاءت آراء ادريس تلك في ورقة بعنوان “العقل بين الإنماء المنشود والإفساد المردود” قدمها البروفيسور المشارك في جامعة الدمام، في إحدى جلسات “مؤتمر التنمية المستدامة” في نسخته الخامسة عشر التي نظمتها الجامعة الأهلية بالتعاون مع منظمة العالمية للتنمية المستدامة في فندق شيراتون البحرين وذلك في الفترة 16 – 18 مايو/ آيار 2017.

إدريس تحدث حول أهم ما جاء في ورقته تلك، مفيداً “تحدثت عن العقل بإعتباره من مصادر المعرفة في هذه الحياة وكيف يمكن له أن يوصلنا للمعارف بضوابط معينة وحين يسير في ركاب النقل الصحيح”.

وأضاف “ذكرت في هذه الورقة التي مقدر لها ان تخرج في كتاب في لندن عما قريب قضية المعرفة أو العقل بإعتبار أنه يضع خارطة الطريق لما يعرف بالتنمية المستدامة وهذا هو الموضوع الأساس لأني لا أستطيع أن أرتقي بالإنسان الذي جعله الله سبحانه وتعالى خليفته، من دون عقل، لأن استخلافنا نحن وارادة ان نعمر هذه الارض انما بإيداع العقل فينا”

نحن أمة لا تقرأ

وعن ضرورة إنماء العقل، قال إدريس “ماذا يحدث اذا اطفئ الإنسان عقله ولم يتبع “اقرأ”. نحن من أمة اقرا ولكن بتنا للأسف الكبير لا نقرأ. هؤلاء الاسرائيلين الذين ننقدهم يوما بعد يوم، لو قرأتي الآن في وسائل التواصل الإجتماعي واطلعتي على الإحصائيات العلمية الصارمة، ستجدين أن الاسرائيلي يقرأ في الشهر الواحد 16 مؤلفا. فلأسأل الذين يقرأون هذا الحوار: كم نقرأ ونحن من ندعي الإنتماء إلى أمة إقرأ؟. الكثيرون لا يقرأون كتابا واحدا في الشهر. حتى إن بعض طلبة الدراسات العليا لم يكونوا قد قرأوا طوال حياتهم عشرة كتب، وربما قرأوا هذه الكتب مضطرين وهم في مرحلة التحصيل للدكتوراة او للماجستير حتى ينالوا درجة يسمون بها الدكتور أو البروفيسور. لكن لا نقرأ من أجل المتعة الذاتية، ومن أجل أن نكوّن حصيلة معرفية. لا نقرأ من أجل أن نحل بها ونوطئ بها مجتمعنا الذين نعيش فيه في كافة الجنبات. هذه هي الجزئية الأولى في الورقة إذ تناولت قضية الانماء العقلي بمسألة العلم، ومسألة المعرفة المستدامة باعتبار ان العقل هو الذي يساعد في هذا”.

وعن كيفية إنماء العقل، نادى إدريس في ورقته، وخلال حديثه معي، إلى ضرورة أن يكون العقل متوازنا بين الروح والجسد، إذ “لا يقول أنا روحاني فينغلق في صومعته أو مسجده ويختزل هذه الحياة كلها في زي واحد وفي أطروحات فكرية جامدة وضيقة في أتونها، وإنما يكون عقلاً متوازناً بين  المادة  والجسد “وكذلك جعلناكم امة وسطا”، لا روحاني فحسب ولا مادي فحسب، لأن الله خلقنا من أمرين، من قبضة من تراب ونفخة من روح. القبضة من التراب ترمز للمادة والنفخة من روح ترمز إلى الروحانية، فاذا اردت ان اكون بينهما وسطا لا يغلب جانب الروح على جانب المادة ولا جانب المادة على جانب الروح”.

ادريس أشار إلى أن اغلاق العقل عن الجانب المادي هو ما يغلق أزمه عقل لدينا، وهو ما يجعل البعض يعلي من سياق بعض الأحاديث المختلف عليها وغير الثابتة ويريد أن يحمل الأمة كلها عليها، لذلك نادى ادريس بضرروة “تجديد الفهوم في انماء العقل” مضيفا “لا بد ان نطلق العقل من سراجه. الأمر المهم الذي نود أن نعيه في تجديد الفهوم هو أننا لا ينبغي ان نقصي الآخرين، حتى الذين يخالفونا في المعتقد وفي الهوية وفي اللغة وفي كل هذه الأشياء. لا ينبغي أن نقول لا أريكم إلا ما أرى. حتى دستور المدينة نفسه جاء في إطار التلاقح، اليهودي إلى جوار المسلم والمسلم بجوار النصراني بل والاسلام نفسه. “قل اعملوا على مكانتكم” و”انك لست عليهم بمسيطر”، “لكم دينكم ولي دين”، “فمن شاء فليؤمن ومن شا ء فليكفر”.

ويتساءل مستنكراً “كيف جاءت نظرة هذه الفكر المأزوم، نظرة الدواعش والإرهاب. كيف يفهموا كثيرا من الايات بفهم خاطئ، فآية “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمون”،  لا تقصد بالترهيب هنا مهاجمة الناس، إنما الارهاب هنا هو أن نجعل التنمية المستدامة على كافة ألوان الطيف، أن نعد القوة بحيث ترهب الآخرين من ان يخترقوا هذه الحريات، ولذلك هو ارهاب دفاعي وليس هجومي”.

الإسلام لم ينتشر بالسيف

ويرد ادريس في ورقته على ما يروج عن انتشار الإسلام بالسيف، قائلا “يقولون جاءكم الرسول بالذبح كما تسمعين من داعش، وجاءكم بالسيف، وأريد أن أصحح هذا، فلو كان الاسلام قد انتشر بالسيف لكان قد زوي حينما زوي الاسلام خيلا ورجلا بمعنى حين خرج  الاسلام من الأندلس مهزوما خيلا ورجلا بالقوة لكننا نجد انه قد تمدد في اوروبا ووصل حدود سيحون وجيحون وبلاد الغال وهي فرنسا الآن ووصل الصين. ابن خلدون في مقدمته التي بنى عليها مونتسكيو قال “غالبا ما يعجب المغلوب بثقافة الغالب” لكن هذه المسألة ما انكسرت إلا لحضارتنا، ل لأن الاسلام حينما زوي خيلا ورجلا تمدد بالقناعة التي اعطيت فيه، لو هزم الاسلام نقول انتشر بالسيف لكن الاسلام زوي وهزم سيفا لكن مع ذلك وما زال يتمدد إلى يومنا هذا ولذلك قضية  الاسلاموفوبيا الموجودة في الغرب لأنهم يخشون من تمدد الاسلام بالمعطى الذي اوجده الله فيه فعلا. الآن يأتي الدواعش والرواعش، المنبطحون والمتشددون ليقولوا أن الاسلام جاء بالذبح وبالسيف”.

يوسع ادريس مفهوم التنمية المستدامة، ويخرجه من إطاره النظري الجاف ليجعل منه أسلوب وفلسفة حياة، وهو يوضح ذلك بالقول “ينبغى توسيع التنمية المستدامة لأكثر من ذلك، فمن الأشياء التي أدت إلى هذا الفكر المأزوم وجاءت بفكر الدواعش قضية عدم بسط الحريات، وقضية الاستبداد السياسي نفسه”

وقال بأن البعض يتحدث عن نظرية المؤامرة ويستدل بما كتبته هيلاري كلينتون في مذكراتها عن أن داعش صنيعة المخابرات الاميركية، لكنه أضاف متسائلا “هل كل شيء نلقيه على أميركا؟ لدينا فكر مأزوم إنساق وراءه الناس للأسف وينبغي ان يصحح، وهناك حكم في العالم العربي يضيق بالحريات وهناك استبداد سياسي لا يتيح الحرية للآخر كما أتاحها العهد الأول الزاهر في أيام الصحابة وفي أيام النبي وهو القدوة والأسوة”.

ادريس شدد على قضية بسط الحريات مؤكدا أنها إذا لم تتحقق فلا يمكن تحقق قضية التنمية المستدامة. كذلك أكد على ضرورة التعايش رغم الاختلاف، موضحاً “ما يضمنا هو الانسانية جمعاء، الرسول يقول “من آذى ذمياً فقد آذاني” ويقول سبحانه وتعالى “ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” ولم يقل رحمة للمسلمين، “وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا” وقال “كونوا ربانييّن” ولم يقل “كونوا محمدين” لذلك ننظر إلى هذه القضية وفق هذا السياق ككل”.

لكن ادريس يشدد على ان عدم تحقق الحريات وبسطها لا يعني أن نخرج على الحاكم المسلم موضحا “العقل يقول لا ينبغي أن نزيل مفسدة بمفسدة اكبر منها، ولذلك الإمام علي يقول لا يصلح الولاة إلا بصلاح الرعية ولا تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة” وانه اذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وادى الوالي إلى الرعية حقها، استقامت بينهما معالم السُنن والسنن (بفتح السين).

القبضة البوليسية لا تعالج الإرهاب

انتقل ادريس بعدها للحديث عن تبديات ثمار إنماء العقل، مفيداً بأنه “يفيدنا في التنمية المستدامة وينعكس خيرا وبركة في التكنولوجيا وفي التعليم وفي الاطار المجتمعي المتناغم المنسجم، وعلى الناحية الاقتصادية المالية”، كما استعرض ادريس في ورقته آثار افساد العقل وهي كما أفاد “أولا الجانب الحسي فانماء العقل يحافظ على العقل من جهة الوجود بالعلم ويحافظ عليه من جهة العدم، فالإنسان المتفلت الذي لا يرعوى بسلطان الدين يمكن له أن يفسد منظومة المجتمع ويعكر صفو المجتمع، وبذلك نخاف على العقل حتى لا يعدم لأنه لو عدم العقل أو جن عدمت الحياة”

ثم انتقل للحديث عن الأثر الآخر من آثار افساد العقل وهو الأثر المعنوي، مستشهداً بقضية الإرهاب وبما أحدثه من خسائر، يقول “بلغت خسائر العراق بسبب الإرهاب 16 مليار دولار في العشر سنوات الأخيرة، بعدها تأتي أفغانستان التي خسرت بلايين الدولارات، عدا عن الأنفس التي أزهقت”.

ويضيف “الرسول يقول في حجة الوداع “ألا إن دمائكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، علام يأتي إنسان ويفجر نفسه ويطفئ سراج عقله. ما الذي دهاه عن ذلك. لذلك لا بد أن نبحث عن الجذور الحقيقية وأنا أسميها بالمخدرات الالكترونية وبالتنويم المغناطيسي والاستلاب الفكري”

ويؤكد “ينبغي لمناهجنا التعليمية والتربوية والاعلاميين والمفكرين وفي وسائل التواصل الإجتماعي أن يوضحوا جميعا أن القبضة البوليسية لا تعالج الارهاب، بل ان ما يعالجه هو التنمية الحقيقية”.

One Reply to “مشاركاً في مؤتمر الجامعة الأهلية للتنمية المستدامة البروفيسور إدريس: أحاديث مختلف عليها سبب أزمه العقل  ”

  1. جميلة هي التنمية المستدامة …
    وتعريف الارهاب جاء بشكل راقي
    ليتنا نقتنع بامتلاك قوة الردع اكثر
    من قوة الغزو والقتل …..
    مقابلة رائعة وطرح راقي تنويري
    نحتاجه بعصر غلبت عليه لغة
    التكفير بدل التفكير ….

    المختار البحراني

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s