انطلاق برنامج “سينيسيتا مشق” مع الفيلم الأردني “ذيب”

IMG_1351

مع الفيلم الأردني “ذيب” الذي شكل علامة فارقة في عالم السينما العربية الحديث، انطلق برنامج “سينيسيتا مشق” يوم 17 أغسطس/ آب 2017. هذا الفيلم الذي نشاهد فيه فتى تضطره الظروف لأن يعيش مغامرة تختبر مبادئه وقيمه، وتنقله من عالم الطفولة والصبا إلى عالم الرجال، وأي رجال، أولئك الذين عاشوا في عام 1916 في الصحراء الغربية، عاشوا الفترة التي تتحول فيها المنطقة العربية إلى ما سمي بعدها بالشرق الأوسط، وعانوا الأمرين وهم يسعون جاهدين، كشعوب، للتخلص من السيطرة العثمانية من جهة ومن ثم من استعمار وحرب عالمية أولى يستعر أوارها في الغرب فيما يطالهم شررها.

برنامج “سينيسيتا” الشهري جاء ليقدم عروضا سينمائية بمعدل عرض واحد في الشهر، هو حلمي إن شئتم، حققته من خلال فضاء مشق الفني وبالتعاون مع القائمين على هذا الفضاء. أسميته سينيسيتا وهي لفظة إيطالية تعني مدينة السينما… هي مدينتي السينمائية الصغيرة إذن، التي أريد لها أن تكون نافذة يطل زوراها من خلالها على عالم السينما، هذا العالم  الساحر الرائع الممتع الجميل الذي يأخذنا لعوالم قد تكون حالمة فقط، مسلية فقط، وربما مؤدلجة تدس السم في العسل وتنقل رسائل مباشرة وأخرى مبطنة وربما خبيثة… هو عالم ممتع على أي حال، هادفاً كان أم لا، هو مسل فقط…وهو نافذة جميلة ساحرة ممتعة على العالم الأكبر.  

منذ البداية أخبرت جمهور “سينيسيتا مشق” بأننا لن نركز على نوع واحد من السينما، لكن اختياراتنا السينمائية الشهرية ستخضع لاعتبارات اخرى، اعتبارات سينمائية فنية مرة، ومرة أخرى ستحدد ثيمة الفيلم وقضيته هذا الأمر، ومرة ثالثة سنجد بكل تأكيد مدخلا نبرر فيه تلك الاختيارات.

الاختيار الأول في برنامج “سينيسيتا مشق” كان الفيلم الأردني “ذيب”، وهو أول فيلم روائي طويل للمخرج الشاب ناجي أبو نوار. هو فيلم دراما وإثارة ومغامرات تمكن من أن يصل للقائمة النهائية لأوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2016، للأسف تفوق عليه الفيلم الهنغاري (المجر) ابن الإرض Son of Saul ، لكن في مقابل الأوسكار التي لم يحصل عليها حصل الفيلم على 19 جائزة عالمية أبرزها جائزة أفضل اخراج في مهرجان فينيسيا السينمائي 71 عام 2014، وجائزة أول اخراج، وتأليف، وإنتاج لمخرج ومؤلف ومنتج بريطاني وقد قدمتها له الأكاديمية البريطانية للأفلام British Academy Film Award ، وجائزة الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين (فيبرسكي) التي تقدم ضمن فعاليات مهرجان دبي السينمائي الدولي وذلك في عام 2016، وجوائز أخرى عديدة من مهرجانات: القاهرة السينمائي، بلغراد الدولي للأفلام، بوينس آيرس الدولي للسينما المستقلة، وغير ذلك.

الفيلم هو أول أفلام ناجي أبونوار الروائية الطويلة، وهو مخرج أردني، من مواليد المملكة المتحدة، درس الاخراج في أنجلترا وتخرج عام 2004 . قدم فيلم قصير سابقا هو فيلم “موت ملاكم” Death of a Boxer  كان ذلك عام 2009.

أعقب الفيلم جلسة نقاشية تداخل فيها معظم الحضور معي، وكانت مداخلاتهم مثرية وعميقة في طرحها ومضمونة، وقد جاءت كالتالي:

الناقد زكريا رضي: يمكنني وصف الفيلم بأنه مكاني،  فلو حذفنا المكان فلن يتبقى شيء من الفيلم وهذه قدرة المخرج البارع الذي استطاع ان يحصر المشاهد طوال فترة الفيلم في هذه البقعة الصحراء بكل ما فيها من قسوة ومن فقدان أبسط أمور العيش حين تصعب الامور. أعجبني الولد كثيرا فلدية موهبة وهو البطل الحقيقي في الفيلم كله، لكن لدي سؤال متعلق بمشهدين كيف تلقى المجتمع الغربي مشهد ذبح الخروف ومشهد الولد حين أمسك المسدس وأطلق النار، أعتقد أن مثل هذه المشاهد فيها نوع من التحفظ بالذات مسألة ذبح الخروف حين تم تسليم السكين للولد”.

منصورة (مقدمة البرنامج): نعم وجه بعض النقاد الغربيين نقدا حاداً للفيلم وتحفظوا على مشاهد الدم التي امتلئ بها الفيلم، حتى كتب أحدهم مقالة عنونها بما معناه “أن تصبح رجلا في الصحراء يعني أن تتعلم كيف تقتل”. ومن وجهة نظري لم يكن ذلك انصافا من أولئك النقاد، فالفيلم يمثل اسقاطاً على المرحلة السياسية التي مر بها العالم العربي في تلك الفترة التاريخية التي كانت تتسم بكثير من العنف والدموية الناتجين من حركات التحرر والثورات العربية والحروب التي سادت العالم وتأثرت بها المنطقة ولذا فمن الطبيعي أن يحتوى هذا الاسقاط على مشاهد المعارك وغير ذلك. بالإضافة إلى ذلك فالفيلم يصنف على أنه فيلم ويسترن عربي، وأفلام الويسترن في العادة تتضمن مثل هذه المشاهد وأكثر منها. أما سبب تصنيف هذا الفيلم بأنه فيلم ويسترن فهو لإحتواءه على كل مقومات أفلام الويسترون من تمجيد للبداوة واحتفاء بها، ومن اختياره للصحراء الشاسعة لتكون مسرحاً أو موقعا تدور فيه أحداث الفيلم حيث صور الفيلم في صحراء وادي رم الواقعة في جنوب الأردن وتم الاستعانة بالبدو من أهالي المنطقة وبالتحديدة بأبناء قبيلة كان أجدادهم من المساهمين في الثورة العربية، عدا عما صاحب مشاهد الفيلم من موسيقى تكونت من أصوات صحراوية متعددة، بكل مخاطرها من جانب آخر.  

الكاتب نادر المسقطي: الفيلم مميز لكني توقعته أفضل اعتمادا على قراءاتي حوله، ما وجدته هو أن السياق التاريخي في الفيلم وكذلك البيئة لم يكونا واضحين فقد يستغرق  المشاهد الكثير من الوقت حتى تبين الحقبة التاريخية والمكان وهذا نقص في الفيلم. بالطبع لا ينفى هذا تميز الفيلم وبالذات من حيث الايقاع وكذلك أداء الممثلين وعلى الأخص الطفل الصغير، ولكن في التحليل الأخير كان بالإمكان أن يقدم التحليل التاريخي بشكل أفضل بكثير، وليس بهذا الشكل المجرد، ومن خلال مواقف محددة وشخصيات محدودة، وهي شخصيات لم تكن بذلك العمق باستثناء شخصية الطفل الذي ركز عليه الفيلم. المحتوى التاريخي للفيلم لم ينقل الفترة التاريخية وربما يكون أفضل مشهد بالنسبة لي هو المشهد الختامي الذي نرى فيه الطفل يمتطي الجمل متحركاً بإتجاه فيما القطار يتحرك في الاتجاه الآخر، هذا المشهد وضعني في السياق التاريخي للفيلم وكيف إن العرب كانوا يسيرون بعكس التيار. أعتقد الثورة العربية في الفيلم ظلمت إذ لم تقدم بشكل واضح وكانت هذه فرصة ذهبية لتقديمها بشكل أفضل. أخيراً يبقى الفيلم محاولة جيدة تحسب للمخرج، كذلك كان بالامكان الاحتفاء بقيم البداوة ولكن بعمق اكبر وباهتمام بالتفاصيل التاريخية بشكل أفضل.

مدير نادي البحرين للسينما يوسف فولاذ: استغرق التحضير للفيلم  8 أشهر، والفيلم يحمل رسالة ربما بدت واضحة في المشهد الأخير وهو مشهد دخول القطار الذي يرمز لغزو الثقافة  الغربية، ولكني تمنيت أن يكون المشهد أوضح. كذلك ينتقد الفيلم الحركة الثورية وذلك حين صور  الولد وهو يحمل السلاح متجها وجهة معاكسة للقطار، لكن بشكل عام هذا أفضل فيلم شاهدته خلال العشرين سنة الماضية إذ تمكن مخرجه من محاكاة المشاهد الغربي وحصل على احترام العالم في الوقت الذي لم يتنازل عن خطابه المحتفي بالحياة البدوية وبالبيئة الصحراوية.

مقدمة البرنامج : كذلك أود أن أضيف بأن الفيلم قدم تحفة صوتية، من حيث الموسيقى التي قدمها والتي ألفها الانجليزي جيري لين واستوحاها من فكرة الفرغ في الصحراء كما يشير مخرج الفيلم. هذه الموسيقى تم تأليفها باتباع أسلوب معروف في الويسترون الايطالي حيث يتم تأليف موسيقى متقبسة من أرواح أعمال مختلفة ثم تقديمها في قالب جديد وبأسلوب مختلف. الموسيقى هنا تكونت من أرواح عدة أعمال هي إحدى المقطوعات في فيلم مذكرات الغيشا Memoirs of A Geisha وموسيقى فيلم قائمة شيندلر  Schindler’s  لجون ويليامز وموسيقى The Red Sea   التي ألفها روماريو كومانوف، كما تم اضافة أصوات القطار واصوات الصحراء المختلفة وموسيقى بدوية وموسيقى العود العربية وغيرها. وتم توزيع الأصوات والموسيقى ومزجهما بشكل يناسب المواقف والمحطات المختلفة في الفيلم.

إحدى الحاضرات: رغم أن الأحداث بطيئة والحوارات قصيرة بل نادرة إلا أن المخرج تمكن من نقل صورة للحياة في هذه الفترة الزمنية. لا أعرف ما المفترض أن نفهم من الفيلم، هل هي قصة شخصية حول هذا الطفل وكيف تربى وكيف واجه كل المشاكل لوحده، أم إنها في حين كنت قصة المنطقة العربية خلال فترة الحكم العثماني.

الخطاط علي البزاز : أخذني جو الفراغ في السماء والأرض والعدد القليل من الأشخاص إلى رمزية الفكرة وما يحدث في الفيلم. ليس هناك كثير في الفيلم وجزء من الفكرة بسيط جدا ولكن عمقها يكمن في تلك البساطة وهي “حينما يكون الشخص في مقابل الموت والفقد وفي مقابل أن يتآخى بشكل ما مع عدوه لكي يعيش”.  القوي في الموضوع أننا أمام شخصية طفل وليس شخص كبير يمكن أن يفلسفها أو يناقش في ذهنه احتمالات كثيرة. الشخصية هي شخصية طفل أعتقد بأنه تصرف بشكل جميل جدا إذ سقى عدوه الماء بداية ثم  اختار أن يسير معه في هذا الدرب. أعتقد أن الفيلم على رغم كل الانتقادات التي وجهت له وفي اعتقادي هي انتقادات جانبية تتطرق للجانب الفني، إلا أنه طرح قضية عميقة جدا ممكن تطرح الكثير من الأسئلة في فوضى العالم العربي التي تحصل الآن وفي العداوات المتناقلة او المستعرفة في العالم العربي. ماذا نفعل مع أعداءنا أو من نفترض أنهم كذلك لأجل أن نعيش في العالم العربي.

أحد الحاضرين: الفيلم من ناحية تصويرية إبداع. كل مشهد عبارة عن لوحة فنية كمشهد دفن الأخ وما يرد فيه من عبارات مثل “اللي راح ما يرجع” هو مشهد فيه   كثير من الاسقاطات الرائعة جدا. الفيلم بشكل عام له اسقاطات بعيدة لا تنحصر في ما شاهدناه في ساعة ونص، هناك اسقاطات سياسية أو شخصية  فالفيلم لا ينتهي مع انتهاء مدته بل يمكن أن تتفرج عليه عدة مرات فهو يصل إلى نقاط بعيدة جدا.

المخرج الشاب هاشم شرف: هذا الفيلم درس لأي مخرج، فالمخرج لم يعمل سوى عمل واحد هو فيلم “الملاكم” ثم جاء بعده هذا الفيلم الروائي الذي ترشح ل 19 جائزة من بينها جائزة الأوسكار ما يعني أن الأمر ممكن للمخرجين الشباب. حتى التقنيات فيها رؤية فنية فليست جميع المشاهد فيها اضاءة طبيعية ولكنه استخدم الداي لايت في بعض المشاهد وهناك الباك لايت في مشاهد أخرى وذلك حين تسلط الاضاءة على الوجه ليقدم لنا ايحاءا بالأمل.. هناك رؤية فنية للتقنيات. الصوت أيضا لم يكن مجرد موسيقى تعرض أو مؤثرات صوتية، صوت الرصاص لم يكن طبيعيا بل مبالغا فيه، لماذا نجعله كذلك حتى صوت البئر، المخرج قوته هو أنه راوي قصة وهو يروي القصة من منظور الطفل ولذلك أنت تشاهد الأمور من منظور هذا الطفل، حتى المشهد الذي يرفض أن يقع فيه الطفل كان المشهد  يصور من منظور الطفل، كل لقطة صورت من منظور هذا الطفل، ما استمتعت به أكثر هو أن الفيلم رحلة للطفل يتعلم خلالها مبادئ الرجولة وكيف يواجه الخيانه ويمر بمرحلة نضج. أرى أن مخرج الفيلم عظيم وفيلمه يعد درساً لجميع المخرجين يقول لهم إنكم قادرين على إنتاج مثل هذا الفيلم.  

المخرج والممثل عادل شمس: هذه النوعية من الأفلام لا تستخدم السياق المعتاد للسيناريو الذي يتكون من بداية ووسط ونهاية، هنا لدينا فكرة مطروحة قد ترتفع وتنزل مع الأحداث. أيضا إيقاع الفيلم يرتفع وينزل بحسب الحاجة، فالفيلم يحتاج لأن ينقلك معه لإحساس الانتظار والملل والقلق. أصبح الإيقاع سريع حين تم تبادل إطلاق النار ثم بعد فترة الانتظار عاد للإيقاع البطئ، وقد أحسن المخرج حين لم يأخذنا أطول في فترة الفيلم لأن الانتظار كان يحتاج لفترة أطول. أما بالنسبة للهجة الفيلم التي انتقدها البعض ففي الواقع لا تحتاج لأن تفهم اللغة في هذه النوعية من الأفلام لأن اللغة لغة كاميرا ولغة تفسيرك أنت للفيلم، وكيف تطوع نفسيتك أو تتداخل نفسيا مع المشاهد ومع البطل، فأنت لا تحتاج جميع التفاصيل التي يسردها الحوار، بل تصبح قادرا على فهمها.

الشاعر والكاتب فواز الشروقي: اختيار المخرج للحقبة الزمنية التي دارت خلالها الثورة العربية الكبرى وهي ثورة ليس واضحا فيها من المخطئ ومن المصيب ومن تسبب فيها ومن تضرر منها، فهناك موضوع الأشراف وهناك الوهابيين والعثمانيين وتدخلهم في الشئون العربية، هي أكبر حدث تاريخي حصل في المنطقة وأنت لا تعرف من المخطئ الصرف فيها، فكل طرف من هذه الأطراف مخطئ ومصيب في نفس الوقت. المخرج اختار قصة كأنها تدور على الهامش واختلف مع من ذكر أنه يجب أن يكون هناك تناول أعمق للحقبة التاريخية إذ اعتقد أن جمال الفيلم هو كون محوره قصة هامشية فيما القصة المحورية هي الخلفية. الجمال في إبراز الهامش ليكون محور الحدث. كذلك لم يختر شخصيات كبيرة بل الشخصية الصغيرة وهو ذيب فالمخرج ركز على منظور الطفل وهي موجودة في جميع الأحداث التي رويت من منظور الطفل.

المصور عبد الله السترواي:  لم يهتم المخرج ببعض الراكورات ففي مشهد الانقاذ لم يتغير راكور الطفل في حين الشخص المرافق يتغير راكوره في كل مشهد.  

مقدمة البرنامج: هناك نقاط قوة في الفيلم لم يتم التطرق إليها أهمها التصوير الذي تم بإدارة المصور النمساوي وولفغانع ثايلر وهو أيضاً مخرج أفلام توثيقية وبروفيسور في أكاديمية وين لصناعة الأفلام، حاصل على عدة جوائز، وقد قدم موسيقى عدد من الأفلام النمساوية والألمانية، وربما هذا ما ساهم في جعل الفيلم تحفة بصرية، أبدعتها كاميرا هذا المصور النمساوي. كذلك جاء اختيار القصائد البدوية في الفيلم موفق إلى حد كبير، وهي للشاعر عبدالله مناجا، وقد وظفها المخرج كفواصل في الفيلم، وجاءت كأنها معالجة دارمية تنقلنا إلى الأجواء التي يعيشها الأبطال آنذاك وإلى الهواجس التي تعيشها الشخصيات على الأخص ذيب. والمخرج يقول أن القصائد هي ذات مضامين وأفكار تعبر عن اهواء واحاسيس ورغبات انسانية مثلما لديها قدر من المعاناة والالم في هذه البيئة الصعبة.

IMG_1391

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s