فيلم (علي معزة وإبراهيم) .. يرتقي بأبطاله وبذائقة جمهوره

منصورة عبدالأمير

_640x_4dbff7122922ea4a154a5806a391a218fb0b8580902b9acdba9b8b5a77d5a432

في المؤتمر الصحفي الذي تلا عرض فيلم “علي معزة وإبراهيم” والذي عقد خلال فعاليات مهرجان دبي السينمائي الدولي 2016، وحين سئل مخرج الفيلم شريف البنداري عما يرمي إليه من وراء الرحلة التي يقوم بها أبطال فيلمه وعن اسقاطات الفيلم بشكل عام، قال البنداري بأنه لا يرمي لأمر محدد.

أحبطني رد البنداري هذا، ليس لكونه مستهجناً فالعمل الفني ليس من الضروري أن يحمل أي اسقاطات كما إنه ليس من المطلوب من أي فنان أن يقدم تفسيرا وتحليلا لعمله الفني فتلك هي وظيفة المتلقي. لكن مرد إحباطي يرجع لأنني كنت واثقة من أن البنداري وكاتبه أرادا قول الكثير من وراء حدوتة الفيلم البسيطة لكنني ببساطة لم أفهم الفيلم جيداً بعد المشاهدة الأولى.  كذلك لم تسعفني كلمات أغنية “اللف في شوارعك” التي جاءت في الفيلم بصوت الفنان محمد محسن. علمت أنها معبرة عن كل ما جاء  في الفيلم لكن بعض عباراتها بدت كطلاسم لم أتمكن من فكها بعد الإستماع الأول مثل “الكوتش اللي باش م اللف في شوارعك” و”القلب القماش المكوي بعمايلك” و “الواد اللي عاش طول عمره يحايلك”.

رغم ذلك، ظل الفيلم حاضراً في ذهني بقوة بعد مغادرتي قاعة العرض، ورغبت في مشاهدته مرة أخرى، لكن العرض كان بكل أسف الأخير خلال المهرجان المذكور والذي يقدم الفيلم خلاله عرضه الافتتاحي.

وعودة إلى رد البنداري الذي جاء خلال المؤتمر أعلاه وحضره إلى جانب البنداري بطلا الفيلم علي صبحي وأحمد مجدي، فلقد كنت أعلم تماماً أن موقفه صحيح من التساؤلات حول الاسقاطات وما وراء االصور والثيمات التي اختارها، على الأخص وهو يقدم فيلما من أفلام الطريق والمعروف أن القيمة الحقيقية لهذه الأفلام تكمن في سرد تفاصيل رحلة الطريق وما يعترض أبطالها من صعوبات، لا توضيح الهدف الأخير منها أو اسقاطاتها وما شابه.

أفلام الطريق على العموم تستهوي المخرج شريف البنداري، بدءا من فيلمه القصير “حظر تجول” الذي شارك به في فيلم “18 يوم” وصولا إلى الفيلم التوثيقي الذي ناقش فكرة مميزة تتمثل في تغير علاقة الأشخاص بالمكان “في الطريق لوسط البلد” وانتهاءً بالفيلم القصير “حار جاف صيفا”، وهو هنا يقدم أول فيلم روائي طويل له ضمن هذه النوعية التي تبدو وكأنها المفضلة لديه.

ومثل كل أفلام البنداري، فإن فيلم الطريق الطويل هذا يبدو منذ الوهلة الأولى مختلفاً عن أي من الأفلام المصرية التي يمكن إدراجها تحت فئة أفلام الطريق، حتى عن تلك التي قدمت على يد مخرجين كبار وشكلت علامات مهمة في تاريخ صناعها أو أبطالها، نذكر منها على سبيل المثال، لا الحصر، فيلم “أربعة في مهمة رسمية” للمخرج علي عبدالخالق وفيلم “ليلة ساخنة” للمخرج عاطف الطيب. لن أزعم أن فيلم البنداري أكثر تميزاً، لكنني سأقول فقط أنه مختلف، طرحاً وأسلوباً، وروحاً. ربما لكونه فيلم فانتازي على عكس ما اعتدناه من واقعية أفلام الطريق في السينما المصرية، بدءا من الحب الذي يجمع بين علي ومعزته وإيمانه بقدراتها الخارقة ثم انتشار ذلك الإيمان والقناعة بين أهالي الحارة، وصولا لتوظيف إبراهيم (بطل الفيلم الثالث بعد علي ومعزته) الأصوات التي تملئ رأسه لتعديل مسار بعض الأمور في عدد من مشاهد الفيلم.

ويتحدث الفيلم عن علي “يقوم بدوره علي صبحي” إبن الحارة الشعبية البسيط في تفكيره العفوي في انسانيته، الذي يقع في حب معزة لأنها يعتقد أنها تعويض من الله له عن خطيبته ندا التي فقدها بعد سقوطها من فتحة في أحد جسور القاهرة، ما يجعل منه سخرية وأضحوكة في الحارة، ويدفع بأمه لأخذه إلى معالج روحاني يقترح عليه القيام برحلة لرمي حصى مباركة في مسطحات مائية ثلاث في مصر.

7149973921484396353

لدى زيارته المعالج الروحاني، يلتقي بإبراهيم (يقوم بدوره أحمد مجدي) الذي يلجئ للمعالج ذاته بسبب حالة إكتئاب تلازمه جراء أصوات غامضة تملئ رأسه وتعيقه من مواصلة شئون حياته بل وتقوده إلى قدر محتوم لاقته والدته قبله. كما يتحدث الفيلم عن معزة تبدو وكأن لها كرامات لا تعد ولا تحصى، يسخر الجميع من علي لإيمانه بهذه الكرامات لكنهم يشاركونه ذات القناعة مع نهاية الفيلم. يقرر الإثنان القيام برحلة لإلقاء الحصى في المسطحات التي اقترحها المعالج، ويقرر علي اصطحاب ندا (المعزة)، ويقرر البنداري توثيق رحلتهما تلك وأخذنا معه لنعيش تفاصيل  شيقة ومختلفة.

ليست الرحلة التي يقوم بها بطلا الفيلم هي ما سيجعل من الفيلم فيلماً من أفلام الطريق، وحسب، لكننا منذ البداية سنجد أنفسنا على الطريق، نلازم علي أولا، ونعيش معه تفاصيل يومه، هو وصديقه كاماتا (يقوم بدوره أسامة أبوالعطا)، ثم ننتقل إلى إبراهيم لنتعرف أيضا على حياته ونلازمه منذ طرده من مكان عمله حتى وصوله إلى منزله في ذات الحارة التي يعيش فيها علي الملقب بعلي معزة.

كذلك، فإن الفانتازيا ليست هي ما يجعل الفيلم مختلفاً وحسب، لكن الفيلم يطرح قصته بشكل لا يشبه ما هو سائد في السينما المصرية.  لن يستدر الفيلم عواطف متلقيه ولن يقدم أي مشاهد ابتزاز عاطفي للمتلقين تجاه علي ووضعه العقلي والنفسي أو تجاه إبراهيم الذي نراه وهو يسير نحو نهاية محتومة بسبب تلك الأصوات التي تسكنه.

وفي المقابل لن يجعل الفيلم من أبطاله أضحوكة، فهو ليس فيلما كوميديا ينتزع الضحكات من مشاهديه على حساب وزن وثقل الشخصيات، لكنه بدلا من ذلك سيقدم كثيرا من الاسقاطات السياسية والمجتمعية بلغة تهكمية عالية ستأتي على لسان شخصيات الفيلم وعلى رأسهم علي الذي لن نسخر من بساطته وخفة عقله، فالبنداري يخبرنا أن علي ليس مغفلا ولا معتوها، ربما ساذجا نوعا ما وبسيط العقل وعفوياً أكثر مما ينبغي لكنه ليس غبياً.

كذلك سنجد التهكم في جعل المعزة بطلة للفيلم، فهي تظهر في معظم مشاهد الفيلم، وهي معزة غير عادية، يؤمن علي أنها تعويض له عن ندى خطيبته، وبالمناسبة أطلق عليها إسم خطيبته ندى، كما إنه يحمل قناعة تامة بأن لهذه المعزة كرامات تجعله في مأمن من مخاطر عديدة ما دامت هي معه.

سيأتي التهكم أيضا على يد ضابط على درجة عالية من السادية (يؤدي دوره آسر ياسين)، يفترض أنه سيكون قائما على نقطة تفتيش هي بمثابة كمين لإصطياد موزعي المخدرات. سيتهكم الفيلم على سادية الضابط المثيرة للشفقة والتي تجعله يغفل عن ملاحظة فتاة مختطفة تصرخ وسط سيارة أجرة تمر أمام نقطة التفتيش التي يقف عليها فيما ينشغل بتوجيه طعنات متتالية لبطن (دبدوب) يبتاعه علي معزة لخطيبته ندى (المعزة) بمناسبة ذكرى ميلادها، وذلك بحثا عن مخدرات مزعومة.

وكما لن يستدر فيلم (علي معزة وابراهيم) عواطف المتفرجين، ولن يجعل من نفسه ومن أبطاله أضحوكة، فإنه في المقابل سيبهرنا بمواقفهم، ثم سيخفف درجة الإنبهار تلك، حين تصدر من تلك الشخصيات مواقف تكسر إنبهارنا، فهم بشر عاديون في نهاية المطاف. البنداري سيجعلنا نقف من الشخصيات موقفاً محايداً، فعلي ليس مغفلا تماما وليس طيبا جدا، لذلك فما أن تبدأ في التعاطف معه حتى يقرر البنداري أن يجعلك تأخذ خطوتين إلى الوراء، تراجع فيها حساباتك من شخصيته وتترك بينك وبينها مسافة.

365868_0

كذلك لم تكن نور وإسمها الآخر أو الحقيقي صباح (تقوم بدورها الفنانة ناهد السباعي) ضحية بالمعنى الحقيقي، وهي التي إلتقاها علي وصديقه كاماتا تصرخ في سيارة أجرة طالبة النجدة، أنقذاها معتقدين أنها ضحية حادث اختطاف بغرض الاغتصاب ليجدا بعدها أن الأمر لم يكن سوى حالة عدم اتفاق بين زبون و”فتاة ليل”.

يختلف فيلم البنداري أيضا عن سواه من أفلام السينما المصرية في قدرته على جعل المتلقي (غير المصري على الأقل) يغير وجهة نظره من الشخصية التي تأتي من الحارة المصرية، على أقل تقدير، فهي ليست شخصية انتهازية لا تكترث للأخلاق والقيم. سيخرج فيلم البنداري شخصية إبن الحارة المصرية الفقيرة من قالب نمطي لطالما ظلمتها السينما المصرية بوضعها فيه. ستبرز هذه الشخصية في فيلم (علي معزة وابراهيم) في قالب جديد سيمثله كاماتا، الذي لم يستغل حقيقة نور ولم يحاول استغلالها جسدياً بعد أن أنقذها لكنه سيقرر اقناعها بالعودة إلى جادة الصواب ثم سيتزوجها، رغم ما يفعله المخرج حين يوهمنا في أحد المشاهد بأن كاماتا قد تجاوز حدوده مع نور. بشكل عام سيجعلك الفيلم تحترم جميع الشخصيات المعتادة في السنيما المصرية وسيغير موقفك منها.

سيغير الفيلم أيضا النظرة للفيلم المستقل الذي يمكن أن يأتي بنكهة تجارية ليجتذب الجمهور وليحبوه لكنه لن ينزل بمستواهم مبررا ذلك النزول بقاعدة الجمهور اللي عاوز كده، كما لن يترفع عليهم، بحجة كونه فيلم فني يصلح للمهرجانات، مع الوضع بعين الاعتبار الاتهامات التي وجهت للفيلم من قبل بعض النقاد، على الأقل ممن حضرت العرض معهم، والتي تتهمه بالترفع على جمهوره في جعل اسقاطاته غير واضحة.

وأخيرا، فلقد تمكن البنداري من تقديم فيلم مستقل بوصفة سينمائية تحترم جمهورها وترتقي بذائقتهم السينمائية. قدم الهم المصري بأسلوب فانتازي وبلغة تهكمية راقية، وعبر فيلم عفوي جدا مختلف جدا في طرحه وفي اسقاطاته وفي مباشرته ولا مباشرته وفي لغته السينمائية.

1490289367-85628-558

 

أبهره “الفجري” فصور فيلمه “ذرة رمل” وعرضه في “دبي السينمائي” … الموسيقي جايسون كارتر: بالفن نعرف الآخرين ونتوازن نفسيا وثقافيا

منصورة عبدالأمير

ليس هناك ما هو أكثر قدرة من الأوقات الصعبة التي نمر بها في صنع إبداعنا، أو … في تطوير مشاريعنا الإبداعية ودفعها إلى الأمام. الموسيقي جايسون كارتر يؤكد هذا الكلام ويثبته في فيلمه الوثائقي الأول “ذرة رمل”  A Grain of Sand  الذي قدم عرضه الأول يوم 8 ديسمبر/ كانون الأول 2017 ضمن عروض الشاطئ في مهرجان دبي السينمائي الدولي، وصحب العرض تقديم أداء حي من فرقة مركز شباب الحد.

 

في الفيلم يبحر جايسون مع موسيقى الفجري الشعبية البحرينية، يدرس تاريخها ويتعرف على بداياتها، يحضر جلسات فرقة لا تزال تعتز بها هي فرقة شباب الحد البحرينية، ثم يشارك الفرقة “الفجري” بموسيقى الجيتار التي يقدمها هو وموسيقى الفلوت من الفنان البحريني أحمد الغانم، دليله البحريني ووسيطه اللغوي في أوقات كثيرة.

أدهشني إعجاب جايسون بالموسيقى البحرينية وتفاعله معها بالشكل الذي شاهدته في الفيلم، سألته عن سر هذا الانبهار بموسيقى لا تمت له بصلة ثقافية، فقال:

“الفيلم بالنسبة لي هو رحلة وتجربة عميقة مثرية. بدأ بفكرة واتتني بعد وفاة والدتي عام 2013. كان وقتاً صعباً جدا، كنت حينها في فرنسا، وكنت أعيش مرحلة انتقالية جلت فيها العالم وكنت أفكر في مشروعي المقبل”.

كان جايسون يجول العالم حينها بجيتاره، يدرس موسيقى ثقافات مختلفة، يتعرف عليها، يحبها، ومن ثم يدمج ألحانه بألحان تلك الثقافات، ليخرج بألوان موسيقية مختلفة. لعله ذلك الإنفتاح الموسيقي الثقافي هو ما حافظ على توازن جايسون النفسي وهو يعيش محنة فاة والدته، إذ بعد عودته من جنازة والدته، بدت الأمور حوله مختلفة، ويتذكر هو قائلا “كنت أنشر ملابسي المغسولة فيما كانت ألحان فرقة إماراتية شعبية تنساب من داخل المنزل”.

لكن هل كان جايسون يرثي والدته بألحان فرقة إماراتية؟ وأي رابط ذلك الذي يجعله يقفز إلى موسيقى لا تمت لثقافته بصلة في أحلك أوقاته وأكثرها حزناً؟

ويجيب جايسون “فيما كنت أستمع إلى تلك الموسيقى، خطرت في ذهني أمور عديدة من قبيل أنني يتيم وأن والدتي تبنتني، وأن هويتي غير واضحة، ووجدت أنني أنجذب للأشياء الثقافية القديمة هو أنها تمنحني شيئا لا أملكه”

GOS Still (4)_preview

ويوضح “بدأت أفكر في موضوع الهويات، وبأن كلمة هوية تعني الكثير لنا جميعاً، وبأن للهوية مراحل وأهمية على المستوى الشخصي، والجمعي، والمجتمعي، والعالمي”.

ثم يقول “أبهرتني ثقافة الدول الخليجية منذ بدايات تعرفي عليها عام 1993، وحينها كان تراث الخليج وثقافته واضحين بشدة لمن يزور منطقة الخليج. كان الأمر يبدو للزائر كما لو أنه يعود بالزمن إلى الوراء، وبمجرد أن تحط قدماه في منطقة الخليج كان يتملكه شعور بسحر المكان الذي لا يعرفه أو يعيشه كثيرون في مناطق من العالم”.

الإنبهار الأكبر لدى جايسون تركز على الموسيقى، باعتبار تخصصه، والشعبية منها على وجه الخصوص “منذ زيارتي الأولى للخليج في التسعينات، وكانت زيارة لدولة الإمارات، إنبهرت بالموسيقى الشعبية التي بدت لي موسيقى غير اعتيادية، ومباشرة أردت أن أعزفها مع الإماراتيين”.

كان عمر جايسون حينها لا يتجاوز الثالثة والعشرين وكانت تلك أول رحلة له خارج المنطقة الريفية التي ولد ونشأ فيها في إنجلترا. أبهرته الموسيقى الإماراتية الشعبية حينها، وشجعه انفتاح الإماراتيين وبساطتهم ومحبتهم للآخرين في أن يخطو تلك الخطوة”.

ويضيف جايسون “لقد أحببت تلك الموسيقى وشعرت بأنها تسربت إلى أعماقي، واليوم وبعد خمسة وعشرين عاماً لا زالت هذه الموسيقى تأسرني”.

قضى جايسون أربعة أعوام في دبي، انخرط في الحياة هناك، كون صداقات كثيرة وأصبحت الإمارات وطن ثان له،  الأمر الذي كان كفيلاً بجعله قريبا جدا من الثقافة الإماراتية وبالموسيقى التراثية على الأخص، وولد لديه فكرة تصوير فيلم عن الموسيقى الشعبية الإماراتية والخليجية.

لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة، فعلى رغم حب جايسون الشديد للثقافة الخليجية وشغفه بها، إلا أنه وجد الأمور تتغير كثير في الفترة التي قرر فيها أن يصور فيها فيلمه. وجد المنطقة تمر بتطورات كثيرة جاءت سريعة وكبيرة جدا فأفقدت، بحسب رأيه، دول الخليج، شيئا من خصوصيتها الثقافية، ويشرح ذلك قائلا “أعتقد أنه من المستحيل أن تصمد أي ثقافة أمام التطورات التي تحدث بسرعة كبيرة، دون أن تخسر تلك الثقافة شيئا ما”.

وجد جايسون التطورات التي تحدث في دبي سريعة جداً، فانتقل إلى أبوظبي، لكنه وجد الأمر ذاته، التطورات السريعة والكبيرة جاءت على حساب ارتباط الأفراد بتراثهم وبثقافتهم الأصيلة.

وهو يرى بأن “فصل الأفراد عن تراثهم الثقافي هو فصل لهم عن هوياتهم، وقد وجدت هذا الأمر واضحا لدى الإماراتيين فلقد غيرهم ذلك التسارع الكبير في التطور في مجتمعهم، فهم يملكون منازل جميلة وسيارات فارهة ووظائف مرموقة لكن هناك أمر مفقود لديهم”.

اتضح لي ذلك بشكل أكبر حين عدت لأبوظبي لأصور الفيلم، التقيت ببعض أفراد فرق شعبية إماراتية، سافرت إلى رأس الخيمة لألتقيهم، لكنني وجدتهم متحفظين كثيرا، وغير راغبين في التحدث معي حول الموسيقى التراثية”.

ويضيف “حين بدأ بعضهم في الحديث معي لفهم حزن غريب، ربما لأنهم يجدون أنهم متجاهلون، كانوا يكررون دائما نحن نحب بلدنا ونحب الشيخ زايد، لكنني كنت أشعر بأن هناك المزيد لديهم لكنهم لا يفصحون عنه”.

“فعلت ما بوسعي لينجح مشروع الفيلم في أبوظبي بل إنني أقنعت شبكات إعلام عالمية لتغطي الفيلم باعتبار كونه فيلم يعزز الحوار بين الثقافات ويمد الجسور بينها، وبالفعل حصلت على اهتمام السي ان ان، لكنني بعد شهور من العمل، وجدت أنني غير قادر على اتمام الفيلم ووجدت أن كل ما صورته لم يكن كفيلا بصناعة فيلم جيد”.

هكذا عاد جايسون إلى فرنسا بخفي حنين، كان حزينا ومحبطاً، لأنه شاهد كيف تفشل “أفضل فكرة واتته في حياته” كما يصف هو فكرة الفيلم. شاهد كيف حاول هو ومخرجه حتى النهاية في إنتاج فيلم من المحادثات التي صوروها على مدى شهور، لكن الأمر لم يأت بفيلم، ولا حتى بقصة يتم الإرتكاز عليها.

هكذا وبعد ثلاثة أعوام، وتحديداً في يونيو 2016 قرر جايسون بأنه لن يكون قادرا على تحقيق وانجاز هذا الفيلم الحلم. لكن لقاءاً مع صديقة ما في مقهى فرنسي، غير الأمور تماماً، يقول جايسون “حين أخبرت صديقتي بفشل مشروعي، سألتني لماذا لا تصوره في البحرين”.

في البحرين التقيت بليديا مارتين، عالمة الموسيقى التي تحمل شهادة دكتوراة في الموسيقى الفجري. أخذتني ليديا إلى الموسيقي أحمد الغانم الذي عرفني بدوره على فرقة شباب الحد، ثم بدأت كل المعوقات تسهل بدءا من التعرف على الأشخاص المناسبين لعمل الفيلم وصولا إلى الحصول على تمويل يغطي تكلفة الاستعانة بفنيين على الأقل، وكان ذلك تمويل من مبادرة أفلامنا”.

هكذا بدأ التصوير مرة أخرى ومن جديد لتحقيق الفيلم – الحلم، لكن هذه المرة في البحرين، بدأ مع فرقة شباب الحد ووسط بروفاتهم الليلية التي كانت بإدارة الموسيقى البحريني عازف الفلوت أحمد الغانم وهوالذي كان يصيغ ألحان تتواءم مع ايقاعات الفجري المعقدة. انتهت هذه البروفات بأمسية موسيقية في مركز لافونتين شارك فيها جايسون وأحمد فرقة شباب الحد، بجيتار الأول وفلوت الثاني وألحان الفجري من الفرقة.

بعدها قرر جايسون أن يقوم هو بنفسه بإتمام عملية مونتاج فيلمه، فلا أحد يحمل ذات الشغف الذي يحمله هو بالموسيقى الشعبية الخليجية ولذا لن يكون هناك من هو أقدر منه  على نقل ذلك الشغف عبر الصورة. أراد جايسون فيلما يحمل قصة متماسكة تروي شغفه وحبه لهذه الموسيقى.

حين سألته عما جذبه لموسيقى الفجري، قال

“منذ بدايات قدومي إلى دول الخليج استهوتني أغاني الغوص في البحرين والكويت والإمارات. وبدأت أرى الفروق بين هذه الأغاني في الدول الثلاث، وحين أردت بداية أن أصور الفيلم في الإمارات كنت أنوي جعله يتحدث عن أغاني الغوص بشكل عام، لكنني مع الوقت بدأت أميز بين أغاني الغوص المختلفة، وبدأت ألاحظ الجو الذي تشيعه موسيقى الفجري بشكل  خاص. وهنا حين حضرت إلى البحرين وبدأت أحضر جلسات مركز شباب الحد، كنت ألاحظ كيف ينتقل أعضاء الفرقة من الأجواء المجنونة مع أنواع الموسيقى المختلفة إلى الجو الخاص لموسيقى الفجري”.

أحب جايسون موسيقى الفجري ووجد أنه سيكون قادرا على مشاركة الفرقة في عزف ألحانها، ثم أبهرته أكثر حين تعرف على أصولها وتاريخها بدءاً بالأسطورة التي تدور حولها وانتهاءا بروايات تاريخية أخرى تتعلق بها.

يقول جايسون “هنالك قصة شعبية تتحدث عن أصول الفجري وتدور حول ثلاثة من غواصي اللؤلؤ من المحرق الذي زاروا ساحل أبوصبح في الدراز، وحين أقتربوا من مسجد أبوصبح سمعوا صوت لحن موسيقي يأتي من وراء المسجد، وكان أولئك الجن يعزفون ألحان الفجري”.

أما الرواية التاريخية التي استمع إليها جايسون وضمنها في فيلمه فتفيد بأن موسيقى الفجري جاءت أصلا من موسيقى مسيحية دينية، كانت تعزف قديما قبل تحول البحرين إلى الإسلام، وتشير إلى أن المسيحيين في البحرين ممن أرادوا حماية ثقافتهم بدءوا يعزفونها بشكل سري، ثم تطور الأمر فأصبحت هذه الموسيقى والأغاني تستخدم كأغان وموسيقى للغوص.

جايسون أضاف بأن ما يميز العازفين البحرينين لهذه الموسيقى الشعبية، عن سواهم، هو اعتزازهم بتراثهم الموسيقي، وعدم خجلهم من التحدث عن هذا الجزء الأصيل في ثقافتهم.

سألت جايسون عن الجو الشاعري وحالة الشغف بالفجري اللتين تبدوان واضحتين في الفيلم، وعما إذا شغفه يتركز على الموسيقى بشكل خاص، أم إنه هوس ثقافي يمتد لكل عناصر الثقافات المختلفة.

فقال “كلا الأمرين، إذ بالنسبة لي أعتقد أن أفضل ما في فيلمي هذا هو أنه محصلة تراكم لخبرات ثقافية كثيرة حول موضوع أغاني الغوص والموسيقى الشعبية بدأت منذ عام 1999 حين إلتقيت بالأستاذ علي عبدالله خليفة، الذي دعمني بشكل كبير وشجعني على أن أقوم بمشروع الفيلم، وقال لي إنني أملك موهبة تمكنني من الإنتقال بين الثقافات المختلفة بشكل سلسل يخرج أفضل ما في تلك الثقافات. شجعني علي عبدالله خليفة على أن أخوض تجربة مع ثقافات مختلفة في العالم، فعملت في مشروع دعمه المجلس الثقافي البريطاني في دول عديدة مثل كوريا الشمالية وأفغانستان وباكستان، تركز حول مزج موسيقاي مع موسيقى تراثية أصيلة لهذه الشعوب”.

Hold-guitar_preview

عدت لسؤال جايسون عن الكيفية التي يرى فيها الموسيقى معززة للهويات محافظة عليها، فقال:

“يمر العالم اليوم بمرحلة انتقالية حاسمة وكبرى، وهو ما ينتج حالة من عدم الإتزان ويؤثر على إحساس الأفراد من مختلف الثقافات بهوياتهم. من وجهة نظري فإن الموسيقى والفن هي أحد أكثر الأدوات قوة وقدرة على تغيير الأجواء، لا أقول أنها تغير العالم فهذا مستحيل لكن يمكن لها أن تغير شخصيا واحدا يمكن له أن يغير العالم. أؤمن بقدرة الموسيقى على تغيير الناس وعلى تغيير أولئك الذين يملكون النفوذ والقادرين على احداث التغيير في مجتمعاتهم. ونحن كفنانين إذا فهمنا قوة الفن الذي نقدمه وقدرته على التغيير فسوف نكون قادرين على احداث التغيير.

أما عن أهمية تصوير فيلم حول موسيقى الفجري لتعزيز الهويات فيقول “أهمية فيلمي تأتي من تأكيده على أنه في ظل حالة عدم الإتزان التي يمر بها العالم وتأثيرها الكبير على الهويات الفردية، يأتي الفيلم ليقول أنك إذا أردت أن تتعرف على الآخرين فما عليك سوى أن تتحدث إليهم، وهذه المنطقة، أٌقصد منطقة الشرق الوسط، حصلت على تغطية اعلامية سيئة بشكل كبير في السنوت الأخيرة منذ أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من جرائم داعش”

يشير جايسون إلى أن فيلمه سيكون بمثابة اقتراب من الثقافة الأصيلة لدول الخليج وسيكون كفيلا بنقل صورة مختلفة عن تلك الشائعة في الإعلام العالمي، لكنه يؤكد “لا أزعم أن الفيلم سيكون توثيق رسميا لتاريخ أغاني الغوص ولكنه توثيق لرحلتي الشخصية في ثقافة الخليج وإدراكي لأهمية هذه الرحلة لمد جسور الحوار الثقافي”.