أبهره “الفجري” فصور فيلمه “ذرة رمل” وعرضه في “دبي السينمائي” … الموسيقي جايسون كارتر: بالفن نعرف الآخرين ونتوازن نفسيا وثقافيا

منصورة عبدالأمير

ليس هناك ما هو أكثر قدرة من الأوقات الصعبة التي نمر بها في صنع إبداعنا، أو … في تطوير مشاريعنا الإبداعية ودفعها إلى الأمام. الموسيقي جايسون كارتر يؤكد هذا الكلام ويثبته في فيلمه الوثائقي الأول “ذرة رمل”  A Grain of Sand  الذي قدم عرضه الأول يوم 8 ديسمبر/ كانون الأول 2017 ضمن عروض الشاطئ في مهرجان دبي السينمائي الدولي، وصحب العرض تقديم أداء حي من فرقة مركز شباب الحد.

 

في الفيلم يبحر جايسون مع موسيقى الفجري الشعبية البحرينية، يدرس تاريخها ويتعرف على بداياتها، يحضر جلسات فرقة لا تزال تعتز بها هي فرقة شباب الحد البحرينية، ثم يشارك الفرقة “الفجري” بموسيقى الجيتار التي يقدمها هو وموسيقى الفلوت من الفنان البحريني أحمد الغانم، دليله البحريني ووسيطه اللغوي في أوقات كثيرة.

أدهشني إعجاب جايسون بالموسيقى البحرينية وتفاعله معها بالشكل الذي شاهدته في الفيلم، سألته عن سر هذا الانبهار بموسيقى لا تمت له بصلة ثقافية، فقال:

“الفيلم بالنسبة لي هو رحلة وتجربة عميقة مثرية. بدأ بفكرة واتتني بعد وفاة والدتي عام 2013. كان وقتاً صعباً جدا، كنت حينها في فرنسا، وكنت أعيش مرحلة انتقالية جلت فيها العالم وكنت أفكر في مشروعي المقبل”.

كان جايسون يجول العالم حينها بجيتاره، يدرس موسيقى ثقافات مختلفة، يتعرف عليها، يحبها، ومن ثم يدمج ألحانه بألحان تلك الثقافات، ليخرج بألوان موسيقية مختلفة. لعله ذلك الإنفتاح الموسيقي الثقافي هو ما حافظ على توازن جايسون النفسي وهو يعيش محنة فاة والدته، إذ بعد عودته من جنازة والدته، بدت الأمور حوله مختلفة، ويتذكر هو قائلا “كنت أنشر ملابسي المغسولة فيما كانت ألحان فرقة إماراتية شعبية تنساب من داخل المنزل”.

لكن هل كان جايسون يرثي والدته بألحان فرقة إماراتية؟ وأي رابط ذلك الذي يجعله يقفز إلى موسيقى لا تمت لثقافته بصلة في أحلك أوقاته وأكثرها حزناً؟

ويجيب جايسون “فيما كنت أستمع إلى تلك الموسيقى، خطرت في ذهني أمور عديدة من قبيل أنني يتيم وأن والدتي تبنتني، وأن هويتي غير واضحة، ووجدت أنني أنجذب للأشياء الثقافية القديمة هو أنها تمنحني شيئا لا أملكه”

GOS Still (4)_preview

ويوضح “بدأت أفكر في موضوع الهويات، وبأن كلمة هوية تعني الكثير لنا جميعاً، وبأن للهوية مراحل وأهمية على المستوى الشخصي، والجمعي، والمجتمعي، والعالمي”.

ثم يقول “أبهرتني ثقافة الدول الخليجية منذ بدايات تعرفي عليها عام 1993، وحينها كان تراث الخليج وثقافته واضحين بشدة لمن يزور منطقة الخليج. كان الأمر يبدو للزائر كما لو أنه يعود بالزمن إلى الوراء، وبمجرد أن تحط قدماه في منطقة الخليج كان يتملكه شعور بسحر المكان الذي لا يعرفه أو يعيشه كثيرون في مناطق من العالم”.

الإنبهار الأكبر لدى جايسون تركز على الموسيقى، باعتبار تخصصه، والشعبية منها على وجه الخصوص “منذ زيارتي الأولى للخليج في التسعينات، وكانت زيارة لدولة الإمارات، إنبهرت بالموسيقى الشعبية التي بدت لي موسيقى غير اعتيادية، ومباشرة أردت أن أعزفها مع الإماراتيين”.

كان عمر جايسون حينها لا يتجاوز الثالثة والعشرين وكانت تلك أول رحلة له خارج المنطقة الريفية التي ولد ونشأ فيها في إنجلترا. أبهرته الموسيقى الإماراتية الشعبية حينها، وشجعه انفتاح الإماراتيين وبساطتهم ومحبتهم للآخرين في أن يخطو تلك الخطوة”.

ويضيف جايسون “لقد أحببت تلك الموسيقى وشعرت بأنها تسربت إلى أعماقي، واليوم وبعد خمسة وعشرين عاماً لا زالت هذه الموسيقى تأسرني”.

قضى جايسون أربعة أعوام في دبي، انخرط في الحياة هناك، كون صداقات كثيرة وأصبحت الإمارات وطن ثان له،  الأمر الذي كان كفيلاً بجعله قريبا جدا من الثقافة الإماراتية وبالموسيقى التراثية على الأخص، وولد لديه فكرة تصوير فيلم عن الموسيقى الشعبية الإماراتية والخليجية.

لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة، فعلى رغم حب جايسون الشديد للثقافة الخليجية وشغفه بها، إلا أنه وجد الأمور تتغير كثير في الفترة التي قرر فيها أن يصور فيها فيلمه. وجد المنطقة تمر بتطورات كثيرة جاءت سريعة وكبيرة جدا فأفقدت، بحسب رأيه، دول الخليج، شيئا من خصوصيتها الثقافية، ويشرح ذلك قائلا “أعتقد أنه من المستحيل أن تصمد أي ثقافة أمام التطورات التي تحدث بسرعة كبيرة، دون أن تخسر تلك الثقافة شيئا ما”.

وجد جايسون التطورات التي تحدث في دبي سريعة جداً، فانتقل إلى أبوظبي، لكنه وجد الأمر ذاته، التطورات السريعة والكبيرة جاءت على حساب ارتباط الأفراد بتراثهم وبثقافتهم الأصيلة.

وهو يرى بأن “فصل الأفراد عن تراثهم الثقافي هو فصل لهم عن هوياتهم، وقد وجدت هذا الأمر واضحا لدى الإماراتيين فلقد غيرهم ذلك التسارع الكبير في التطور في مجتمعهم، فهم يملكون منازل جميلة وسيارات فارهة ووظائف مرموقة لكن هناك أمر مفقود لديهم”.

اتضح لي ذلك بشكل أكبر حين عدت لأبوظبي لأصور الفيلم، التقيت ببعض أفراد فرق شعبية إماراتية، سافرت إلى رأس الخيمة لألتقيهم، لكنني وجدتهم متحفظين كثيرا، وغير راغبين في التحدث معي حول الموسيقى التراثية”.

ويضيف “حين بدأ بعضهم في الحديث معي لفهم حزن غريب، ربما لأنهم يجدون أنهم متجاهلون، كانوا يكررون دائما نحن نحب بلدنا ونحب الشيخ زايد، لكنني كنت أشعر بأن هناك المزيد لديهم لكنهم لا يفصحون عنه”.

“فعلت ما بوسعي لينجح مشروع الفيلم في أبوظبي بل إنني أقنعت شبكات إعلام عالمية لتغطي الفيلم باعتبار كونه فيلم يعزز الحوار بين الثقافات ويمد الجسور بينها، وبالفعل حصلت على اهتمام السي ان ان، لكنني بعد شهور من العمل، وجدت أنني غير قادر على اتمام الفيلم ووجدت أن كل ما صورته لم يكن كفيلا بصناعة فيلم جيد”.

هكذا عاد جايسون إلى فرنسا بخفي حنين، كان حزينا ومحبطاً، لأنه شاهد كيف تفشل “أفضل فكرة واتته في حياته” كما يصف هو فكرة الفيلم. شاهد كيف حاول هو ومخرجه حتى النهاية في إنتاج فيلم من المحادثات التي صوروها على مدى شهور، لكن الأمر لم يأت بفيلم، ولا حتى بقصة يتم الإرتكاز عليها.

هكذا وبعد ثلاثة أعوام، وتحديداً في يونيو 2016 قرر جايسون بأنه لن يكون قادرا على تحقيق وانجاز هذا الفيلم الحلم. لكن لقاءاً مع صديقة ما في مقهى فرنسي، غير الأمور تماماً، يقول جايسون “حين أخبرت صديقتي بفشل مشروعي، سألتني لماذا لا تصوره في البحرين”.

في البحرين التقيت بليديا مارتين، عالمة الموسيقى التي تحمل شهادة دكتوراة في الموسيقى الفجري. أخذتني ليديا إلى الموسيقي أحمد الغانم الذي عرفني بدوره على فرقة شباب الحد، ثم بدأت كل المعوقات تسهل بدءا من التعرف على الأشخاص المناسبين لعمل الفيلم وصولا إلى الحصول على تمويل يغطي تكلفة الاستعانة بفنيين على الأقل، وكان ذلك تمويل من مبادرة أفلامنا”.

هكذا بدأ التصوير مرة أخرى ومن جديد لتحقيق الفيلم – الحلم، لكن هذه المرة في البحرين، بدأ مع فرقة شباب الحد ووسط بروفاتهم الليلية التي كانت بإدارة الموسيقى البحريني عازف الفلوت أحمد الغانم وهوالذي كان يصيغ ألحان تتواءم مع ايقاعات الفجري المعقدة. انتهت هذه البروفات بأمسية موسيقية في مركز لافونتين شارك فيها جايسون وأحمد فرقة شباب الحد، بجيتار الأول وفلوت الثاني وألحان الفجري من الفرقة.

بعدها قرر جايسون أن يقوم هو بنفسه بإتمام عملية مونتاج فيلمه، فلا أحد يحمل ذات الشغف الذي يحمله هو بالموسيقى الشعبية الخليجية ولذا لن يكون هناك من هو أقدر منه  على نقل ذلك الشغف عبر الصورة. أراد جايسون فيلما يحمل قصة متماسكة تروي شغفه وحبه لهذه الموسيقى.

حين سألته عما جذبه لموسيقى الفجري، قال

“منذ بدايات قدومي إلى دول الخليج استهوتني أغاني الغوص في البحرين والكويت والإمارات. وبدأت أرى الفروق بين هذه الأغاني في الدول الثلاث، وحين أردت بداية أن أصور الفيلم في الإمارات كنت أنوي جعله يتحدث عن أغاني الغوص بشكل عام، لكنني مع الوقت بدأت أميز بين أغاني الغوص المختلفة، وبدأت ألاحظ الجو الذي تشيعه موسيقى الفجري بشكل  خاص. وهنا حين حضرت إلى البحرين وبدأت أحضر جلسات مركز شباب الحد، كنت ألاحظ كيف ينتقل أعضاء الفرقة من الأجواء المجنونة مع أنواع الموسيقى المختلفة إلى الجو الخاص لموسيقى الفجري”.

أحب جايسون موسيقى الفجري ووجد أنه سيكون قادرا على مشاركة الفرقة في عزف ألحانها، ثم أبهرته أكثر حين تعرف على أصولها وتاريخها بدءاً بالأسطورة التي تدور حولها وانتهاءا بروايات تاريخية أخرى تتعلق بها.

يقول جايسون “هنالك قصة شعبية تتحدث عن أصول الفجري وتدور حول ثلاثة من غواصي اللؤلؤ من المحرق الذي زاروا ساحل أبوصبح في الدراز، وحين أقتربوا من مسجد أبوصبح سمعوا صوت لحن موسيقي يأتي من وراء المسجد، وكان أولئك الجن يعزفون ألحان الفجري”.

أما الرواية التاريخية التي استمع إليها جايسون وضمنها في فيلمه فتفيد بأن موسيقى الفجري جاءت أصلا من موسيقى مسيحية دينية، كانت تعزف قديما قبل تحول البحرين إلى الإسلام، وتشير إلى أن المسيحيين في البحرين ممن أرادوا حماية ثقافتهم بدءوا يعزفونها بشكل سري، ثم تطور الأمر فأصبحت هذه الموسيقى والأغاني تستخدم كأغان وموسيقى للغوص.

جايسون أضاف بأن ما يميز العازفين البحرينين لهذه الموسيقى الشعبية، عن سواهم، هو اعتزازهم بتراثهم الموسيقي، وعدم خجلهم من التحدث عن هذا الجزء الأصيل في ثقافتهم.

سألت جايسون عن الجو الشاعري وحالة الشغف بالفجري اللتين تبدوان واضحتين في الفيلم، وعما إذا شغفه يتركز على الموسيقى بشكل خاص، أم إنه هوس ثقافي يمتد لكل عناصر الثقافات المختلفة.

فقال “كلا الأمرين، إذ بالنسبة لي أعتقد أن أفضل ما في فيلمي هذا هو أنه محصلة تراكم لخبرات ثقافية كثيرة حول موضوع أغاني الغوص والموسيقى الشعبية بدأت منذ عام 1999 حين إلتقيت بالأستاذ علي عبدالله خليفة، الذي دعمني بشكل كبير وشجعني على أن أقوم بمشروع الفيلم، وقال لي إنني أملك موهبة تمكنني من الإنتقال بين الثقافات المختلفة بشكل سلسل يخرج أفضل ما في تلك الثقافات. شجعني علي عبدالله خليفة على أن أخوض تجربة مع ثقافات مختلفة في العالم، فعملت في مشروع دعمه المجلس الثقافي البريطاني في دول عديدة مثل كوريا الشمالية وأفغانستان وباكستان، تركز حول مزج موسيقاي مع موسيقى تراثية أصيلة لهذه الشعوب”.

Hold-guitar_preview

عدت لسؤال جايسون عن الكيفية التي يرى فيها الموسيقى معززة للهويات محافظة عليها، فقال:

“يمر العالم اليوم بمرحلة انتقالية حاسمة وكبرى، وهو ما ينتج حالة من عدم الإتزان ويؤثر على إحساس الأفراد من مختلف الثقافات بهوياتهم. من وجهة نظري فإن الموسيقى والفن هي أحد أكثر الأدوات قوة وقدرة على تغيير الأجواء، لا أقول أنها تغير العالم فهذا مستحيل لكن يمكن لها أن تغير شخصيا واحدا يمكن له أن يغير العالم. أؤمن بقدرة الموسيقى على تغيير الناس وعلى تغيير أولئك الذين يملكون النفوذ والقادرين على احداث التغيير في مجتمعاتهم. ونحن كفنانين إذا فهمنا قوة الفن الذي نقدمه وقدرته على التغيير فسوف نكون قادرين على احداث التغيير.

أما عن أهمية تصوير فيلم حول موسيقى الفجري لتعزيز الهويات فيقول “أهمية فيلمي تأتي من تأكيده على أنه في ظل حالة عدم الإتزان التي يمر بها العالم وتأثيرها الكبير على الهويات الفردية، يأتي الفيلم ليقول أنك إذا أردت أن تتعرف على الآخرين فما عليك سوى أن تتحدث إليهم، وهذه المنطقة، أٌقصد منطقة الشرق الوسط، حصلت على تغطية اعلامية سيئة بشكل كبير في السنوت الأخيرة منذ أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من جرائم داعش”

يشير جايسون إلى أن فيلمه سيكون بمثابة اقتراب من الثقافة الأصيلة لدول الخليج وسيكون كفيلا بنقل صورة مختلفة عن تلك الشائعة في الإعلام العالمي، لكنه يؤكد “لا أزعم أن الفيلم سيكون توثيق رسميا لتاريخ أغاني الغوص ولكنه توثيق لرحلتي الشخصية في ثقافة الخليج وإدراكي لأهمية هذه الرحلة لمد جسور الحوار الثقافي”.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s