تركز في كتاباتها على معاناة زوجات العسكريين الأميركان الكاتبة الأميركية… شوبان فالون: يؤلمني عدم تقديري لحجم معاناة بعض النساء  

“هل تعرف كيف تصبح الأمور حين يغيب الرجال؟” وهل تعرف ما يؤدي إليه “ارتباك اللغات”؟ وهل تعرف

 

 ما يمكن أن تعيشه خمسة عشر إمرأة يغيب عنهن أزواجهن لفترات قد تطول لعام كامل، قد يعود هؤلاء الأزواج منها على قدمين مبتهجين سعداء يعانقون أطفالهم وزوجاتهم، وقد لا يعودون.

الكاتبة الأميركية شوبان فالون، مؤلفة كتاب You Know When the Men are Gone تعرف تماماً حجم تلك المعاناة، تنقلها على لسان خمسة عشر إمرأة من تكساس، يسافر أزواجهم لأداء خدمة عسكرية، فتنقل شوبان معاناتهن تلك في ثمان قصص قصيرة في مجموعتها القصصية هذه. ثم تقرر أن تنقل معاناة مختلفة لزوجات عسكريين ينتقلون بزوجاتهم بعيداً عن الوطن. تعيش هي هذه المعاناة، كما عاشت الأولى، فتنقلها عبر روايتها التي تلت المجموعة القصصية أعلاه والتي أطلقتها تحت عنوان The Confusion of Languages  ..

عن الكتابة التي تعالج الألم، وعن معاناة النساء التي تنقلها نساء أخريات، وعن العسكريين الذين يغيبون ولا يعرف أحداً عما تعانيهم الباقيات في انتظارهم… تحدثت مع الكاتبة الأميركية شوبان فالون التي زارت البحرين أخيراً… فدار بيننا حوار جميل أنقله لكم.

  • يبدو كتابيك وكأنهم جزء من برنامج علاجي (ثيرابي) لعائلات الجنود، الزوجات على الأخص. ما الذي تتحدثين عنه في كتابيك، المجموعة القصصية أولا ثم الرواية؟

في الكتاب الأول  أسرد نصف القصص على لسان النساء سواء كن زوجات أو شريكات للعسكريين الغائبين، أحكي المعاناة ومن وجهة نظرهن ووجهة نظر أسرهن، أما النصف الآخر فيأتي على لسان العسكريين أنفسهم، وهكذا يطرح الكتاب المعاناة من وجهة نظر نسائية ورجالية في آن واحد، كما يعرض مختلف الضغوط التي يتعرض لها الأزواج والزوجات المنفصلين عن بعضهم لمدة قد تصل إلى عام كامل.

  • لماذا قررت الكتابة حول هذا الأمر، هل يعود ذلك لكونك زوجة عسكري ولتعلق خاص بتجربتك الشخصية؟

أنا متزوجة من عسكري وهذا ما جعلني أصبح جزء من مجتمع أسر العسكريين، هذا هو العالم الذي أعرفه وأنا في الواقع أحب دائماً أن أكتب حول ما أعرفه.  منذ بداية دخولي هذا العالم كنت أدون الكثير من الملاحظات حول حياتي الجديدة دون أن يكون لدي نية للكتابة، ثم تجمعت لدي الكثير من الأشياء الصغيرة التي بدأت أشعر بأني أريد الكتابة عنها وربطها في قصة متكاملة لكني لم أخطط للكتابة حول أي ثيمة معينة، فقط أعرف أنني أهتم دائما بالمجتمع الذي أصبحت جزءاً منه، وعلى الأخص بالطريقة التي شاهدت فيها كيف تتأثر حياة الزوجات دون أن يلاحظ أحد أو يشعر بحجم المعاناة التي يعشنها. بالإضافة إلى ذلك، هناك أمور صغيرة كنت أود تضمينها في أي عمل سأكتبه، مثل شخصية بائع الزهور الرائع الذي اعتدت شراء الزهور منه طوال الفترة التي عشتها في عمّان عاصمة الأردن.  أردت تضمين هذه الشخصية في كتاب بأي طريقة، وهكذا كان، إذ تجمع لدي الكثير من الصور المختلفة التي أحببتها وأردت الكتابة عنها، ثم وجدت أنها تشكل قصص متكاملة.

  • يبدو وكأنك من أوائل من كتب عن معاناة النساء المرتبطات بالعسكريين؟

نعم في وقت نشر مجموعتي القصصية عام 2010، كانت مجموعتي القصصية إحدى أوائل الأعمال الأدبية التي كتبت حول هذا الأمر والتي تصدر على لسان من ينتمون لمجتمع عوائل وأسر العسكريين. كان هناك بعض كتب المذكرات ولكن لم يكتب أي شخص قبل ذلك أي عمل قصصي، لكن بعد ذلك نشرت العديد من الروايات والقصص المشابهة، وهناك مجموعة لا بأس بها من الكتّاب الجيدين ممن كتبوا حول الأمر، وذلك من بين زوجات وشريكات العسكريين الذين يخدمون في مواقع مختلفة ويشغلون وظائف عسكرية متنوعة، ونحن نتواصل فيما بيننا ونطلع على كتابات بعضنا من خلال مدونة خاصة ننشر فيها أعمالنا.  

IMG_13221

  • كيف تجدين وعي المجتمع الأميركي بالمعاناة التي تعيشها هؤلاء النساء في مقابل التركيز الكبير من قبل وسائل الاعلام وغيرها على معاناة العسكريين واهمال ما تمر به أسرهم؟

لا أظن أن المجتمع يحمل وعياً كبيراً بما تمر به أسر العسكريين أثناء غيابهم، لأن التركيز في وسائل الاعلام وغيرها يكون على العسكريين وكيف يغادرون ثم بأي حال يعودون، دون أي إلتفات لما يحدث لأسرهم حين يغيبون. لذلك أردت أن أركز على أمر لم يكتب عنه أي أحد ولم يسلط عليه الضوء في العالم في وقت كتابتي، ففي الواقع تعاني الزوجات والشريكات الكثير من الضغوط عدا عن تحملهن لمسئولية اعالة ورعاية الأسرة بأكملها، أضف إلى ذلك المعاناة الناتجة جراء قلقهن على أزواجهن.

  • لكن هل تتوقف معاناة هؤلاء النساء عند ما ذكرتي، أم إن هناك جانب آخر أكثر تفصيلا وعمقاً تتناوله مجموعتك القصصية وروايتك؟

نعم بكل تأكيد هناك جانب آخر تناولته في الكتابين، إذ إن جزء من المشكلة التي تعيشها هؤلاء النساء هو أنهن تحاولن دائماً أن تظهرن للجميع أن كل شيء بخير وترسمن ابتسامة غير حقيقية لتظهرن بمظهر قوي. هذا جانب مهم دفعني للكتابة فأنا أعرف تماماً صعوبة هذا الأمر، لقد مررت به شخصياً، ولذا أريد أن أتحدث عنه وأن أخبر الآخرين عن مدى صعوبته. كنت أحاول قدر جهدي أن أظهر للجميع أن الأمر سهل، بل إن ما زاد الأمر سوءاً بالنسبة لي هو كون زوجي قائد مجموعة كبيرة من الجنود والعسكريين، وكنت أنا حلقة الاتصال مع الأهالي، وكان يتوجب علي أن أطمئن الجميع وأشجعهم، وحين أنتهي منهم كنت أتوجه لنفسي لأواسيها، كانت هناك بعض الأوقات التي كنت أريد فيها أن أعتني بنفسي فعلاً. ما كان يزيد الأمر سوءاً هو إنني كنت أشعر بالذنب في بعض الأحيان لإعتقادي بأنني قد أغفل عن إدراك عمق المعاناة والألم التذي تمر به بعض النساء لإنشغالي بتشجيعهن واقناعهن بأنهن قويات وقادرات على تحمل الأمر وبأن الوقت سيمر سريعاً في حين أنه لم يكن كذلك أبداً.  ومن هذا الإحساس جاءت رغبتني في كتابة القصص لأتذكر الأشخاص الذي يمرون بظروف أصعب من تلك التي كنت أمر بها، ولأتواصل بشكل أكبر مع هؤلاء الأشخاص وأتفهم معاناتهم بشكل أفضل.

  • كيف تمكنت من الفصل بين تجربتك ومعاناتك الشخصية، وبين تجربة الآخرين، في حال الكتابة، ألم تتأثر إحداهما بالأخرى، وألم تطغى التجربة الشخصية على تجربة الآخرين؟

حاولت أن أقدم أكبر عدد من التجارب المختلفة بقدر الإمكان، تحدثت مثلا عن قصة زوجة العسكري والأم التي تعاني من السرطان ثم تفقد إبنتها في أحد الأيام وفي وقت كانت تعيش فترة قلق على زوجها وتمر بحالة صحية حرجة. كذلك تناولت قصة الزوجة الصغيرة التي تزوجت توا من أحد العسكريين واضطرت لمغادرة أميركا معه، ثم وجدت نفسها فجأة في بلد آخر وفي ثقافة أخرى، وحيدة ومضطرة لأن تتعامل مع المجتمع الجديد والحياة الجديدة لوحدها. وهكذا حاولت أن أقدم تجارب مختلفة لأشخاص مختلفين من فئات عمرية مختلفة.

  • كيف أثرت تجربة غياب الزوجة فيما تعيشين في الغربة على ثراء تجربتك الشخصية؟

نعم، كان هناك إثارة من نوع خاص، فمن جانب لم أكن مستقرة كما لو كنت في بلادي ووسط أهلي وأصدقائي، لكنني في الوقت ذاته كنت أتعلم الكثير، تعلمت كيف أعيش بشكل مستقل في بلد جديد، بالطبع كانت هناك لحظات صعبة جداً، فبعد وصولنا إلى الأردن بفترة بسيطة تركني زوجي ليذهب في مهمة عسكرية، لم أكن أتحدث العربية حينها، كنت أتعلمها ولكني لم أكن سريعة التعلم، كنت في الواقع أتصرف في بعض الأحيان بطريقة جعلتني أشبه إحدى شخصيات روايتي، فقد كنت ساذجة جدا ولم أكن أعرف حقاً كيف أعيش في بلد آخر.  كنت خائفة في البداية لأنني لم أكن أعرف الثقافة، كنت قد وصلت للتو وكنا نتلقى رسائل من السفارة تخبرنا أنه يفضل أن نبتعد عن بعض الأماكن وكان لدي ابنة صغيرة كان يتوجب علي أن أقلها للمدرسة يوميا، لم أكن أعرف طريقي جيدا، وفي بعض الأوقات لم أكن أريد أن أغادر المنزل أبداً ولكن لم يكن لدي خيار. في الكتاب كانت لدي إمرأتان جسدتا الشخصيتين المختلفتين، شخصية المرأة القوية التي تعرف كيف تعتني بنفسها وأسرتها، والشخصية الأخرى للمرأة الضعيفة التي لم تكن تحسن القيام بأي شيء بدون زوجها والتي توجب عليها أن تعيش وأن تتعلم.

  • كيف يمكن لمثل هذه الكتب أن تساعد زوجات العسكريين، وما الذي فعلته لك أنت شخصياً؟ واي نوع من المسئولية يلقيه هذا الأمر على عاتقك؟

أتلقى الكثير من الرسائل الالكترونية كما التقيت بالكثير من زوجات العسكريين وأخبرنني كيف جعلتهن كتاباتي يشعرن أنهن لسن الوحيدات اللواتي يعانين. أحب فعلا أن أكتب حول القضايا النسائية وأشعر أن الأمر يبدو طبيعيا بشكل أكبر حين أكتب بصوت نسائي، بالطبع يتوجب علي الكتابة عن وجهة النظر الرجالية الرجالية، ولكني لا أشعر بأي نوع من الضغط لفعل ذلك.  

  • لماذا جعلت أحداث كتابك الثاني وهو رواية The Confussion of Languages تدور في خلفية أحداث الربيع العربي؟

شخصيتا روايتي هما إمرأتان أميركتيان متزوجتان من عسكريين أميركيين وتعيشان في الأردن في بدايات عام 2011، في الوقت الذي كانت الأردن تعج بالفوضى وهو ما خلق نوع من التوتر لدى الشخصيتين، حيث لم تكن المرأتان تعرفان ما سيحدث ولم يكن الناس أصلا يعرفون ما يحدث. احدى المرأتين كانت زوجة حديثة وأم لم تعش في الخارج أبدا وتجربتها مختلفة جدا عن المرأة الثانية التي تعيش في الأردن منذ سنوات قليلة وليس لديها أي أطفال وكانت تعيش معاناة مزدوجة بسبب عدم قدرتها على انجاب الأطفال اضافة إلى غياب زوجها. هاتين التجربتين المختلفتين أفرزتا أسلوبي حياة مختلفين تعيشه كل إمرأة، غير طريقة تعاملهن مع المجتمع في الأردن وعلى تفاعل المرأتين مع الأحداث.

  • ما هي مشاريعك المستقبلية

أعيش في ابوظبي الآن منذ اربعة اعوم ونصف ولذا سيكون كتابي المقبل عن أبوظبي، وعن النساء اللواتي يعشن هناك، من جنسيات مختلفة وبأصوات متنوعة لم نسمع بعضها مسبقاً. أود الكتابة عن كل هؤلاء لأتعلم أكثر عن نفسي. 

يشار إلى أن شوبان فالون كاتبة أميركية حاصلة على الجائزة الأدبية لمركز نادي القلم الدولي الأميركي لعام 2012 عن مجموعتها القصصية You Know When the Men Are Gone وهي صادرة عام 2010، كما حصلت الرواية نفسها على جائزة إنديز تشويس أونور لعام 2012 وجائزة معهد تكساس للآداب للرواية الأولى.  نشرت شوبان كتاباتها في مجلة واشنطن بوست، وهافينغتون بوست، وفي عدد من الصحف والمجلات المتخصصة. تخرجت من كلية بروفيدانس وقضت عاماً كاملا في جامعة كامبريدج في انجلترا. انتقلت مع أسرتها إلى الأردن في عام 2011، وهم يعيشون حالياً في أبوظبي.

أفلام قليلة وإبداع كبير… المخرج البحريني الشجاع محمد جاسم قاوم المرض بالإبداع حتى الرمق الأخير

mon-7منصورة الجمري

نهايات شهر يناير، كانون الثاني عام 2015 وفي أحد مستشفيات العاصمة البريطانية لندن، رحل المخرج البحريني الشاب ذو البصمة السينمائية المميزة بحرينيا وخليجيا وعالمياً، محمد جاسم محمد شويطر، وذلك بعد معاناة مريرة مع سرطان الغدد الليمفاوية. لم يتجاوز عمر محمد الأربعة والثلاثين عاماً، ولم يكن قد مر على بروز إسمه في عالم الإخراج أكثر من خمسة أعوام، لكنه سيرحل تاركاً إرثاً سينمائياً سيجعل أسمه باقياً في عالم الإبداع البحريني والخليجي على أقل تقدير. يتمثل ذلك الإرث في ستة أفلام مميزة جعلت الأنظار تتجه لموهبة بحرينية فذة، تنبئ لها كثيرون بمستقبل واعد.

لم يمهل الموت أحداً للتحقق من صدق تلك النبوءات، كان أسرع في اختطاف محمد، لكنه حين رحل، كان رصيده يتضمن أفلاماً مختلفة في نوعيتها وفي تصنيفها وفي مستوى تنفيذها، أبرزت موهبة مختلفة.

أنجز أربعة أفلام شاهدها الجمهور، فيما لم يتم عمليات المونتاج لفيملين أضافيين حال المرض ومن ثم الموت دون إنجازهما. لكن ما سربه محمد قبيل وفاته، من مقاطع لهذين الفيلمين، يؤكد انه مخرج أفلام أنيمشين وأفلام أخرى ذات رسالة إنسانية راقية، يحمل الكثير من التميز والإبداع والقدرة على تطوير مهاراته وقدراته بشكل سريع.

تألق محمد وبروز اسمه جاء بعد اكتشافه مرضه، أو قبل ذلك بقليل جداً، إذ إنه وحين قرر مخرج الغرافيك أن يتجه إلى عالم الإخراج، باغته المرض. صور فيلمه الأول “سلاح الأجيال” The Power of Generation  بدايات عام 2010، وتماما في منتصف العام نفسه، اكتشف اصابته بسرطان الغدد الليمفاوية.

وكما هي مميزة ومختلفة وفذة تلك الموهبة التي حملها، كذلك كان مرضه نادرا غريبا وفتاكاً. «الهودجكن»  Hodgkin  كان اسم مرضه وهو ورم دم ليمفاوي خبيث يندرج تحت قائمة الأمراض السرطانية.

صارعه محمد لسنوات طويلة، هزمه مرة بعد أخرى، وحتى حين تمكن المرض منه، أبى محمد الاستسلام فظل مقاوماً آلامه تلك حتى الرمق الأخير. ظل منكباً على أفلامه حتى آخر نفس، ورحل بعد أن أتم تصوير آخر فيلمين من أفلامه، فيما لم يتمكن من اتمام عملية مونتاجها. وربما تسبب مرضه بتدمير خلايا جسده، لكن معاناته مع ذلك المرض ولّدت موهبة فذة ومميزة، ومخرجاً بارعاً متخصصاً في أفلام الأنيميشن القصيرة.

تستحق رحلة محمد، الذي سأطلق عليه لقب المخرج الشجاع التوقف عندها وعند الأفلام التي أنتجتها، على الأخص أفلام الأنيميشين التي صنعت اسمه وابرزته بل وأكسبته مختلف الجوائز والإشادات والتكريمات في مختلف المهرجانات العربية والدولية.

الرحلة الأولى: سلاح الأجيال

“السلام: سلاح الأجيال”، كانت تلك هي أولى الأفكار التي أراد محمد أن يقدم نفسه بها للجمهور، وكان الفيلم الذي سيحمل الاسم نفسه هو الأول الذي سينطلق به المخرج الشاب في عالم الإخراج. كان فيلماً تجريبيا، لفت الأنظار لموهبة بحرينية جديدة ستكون ذات شأن لا يستهان به قريباً.

ظروف تصوير وإنتاج هذا الفيلم كانت استثنائية للغاية، لم يكن محمد ينوي تصوير فيلم. كان محمد يرغب في تقديم صورة فوتوغرافية ينقل عبرها فكرة السلام الداخلي الذي يعيشه الإنسان والذي يعتبر بمثابة سلاح في وجه الحروب والكراهية والصراعات البشرية وحتى الكوارث الطبيعية.

أراد محمد أن يجد السبيل الأمثل لنقل تلك الفكرة للمتفرج، ودمج فكرتي الحرب والسلام في صورة فوتواغرفية واحدة، لكنه فجأة وجد نفسه أمام فكرة تحويل الصورة إلى فيلم.

من هنا جاء هذا الفيلم التجريبي الذي لم تتجاوز مدته الدقيقتين ونصف الدقيقة، ولم يضم سوى مشهد واحد يظهر فيه ممثل واحد يجلس صامتاً على كرسي خشبي وسط طريق خال من أي حياة، متأملا كل ما يمر أمام عينيه من صور لحروب وكوارث عديدة، أبدع محمد في تقديمها بتقنيات الجرافيك التي يبرع فيها.

01396517959

صور محمد فيلمه في شهر مارس آذار 2010، وقع اختياره على الفنان يحيى عبدالرسول ليقوم بالدور الوحيد في الفيلم. ولأن محمد معتاد على رسم كل مشاهده وأفكاره وتخطيطها على الورق، فقد تخيل شخصية عبدالرسول قبل اختياره، ذكر لي في مقابلة أجريتها معه في أكتوبر 2011  أنه تخيل الفنان بجسمه وبالقبعة التي يرتديها بمجرد أن بزغت فكرة الفيلم في ذهنه، ووجد أنه يمتلك وجهاً مناسباً لكل الثقافات ولا يرمز لأي عرق.

كان هذا أمراً مهما لمحمد، إذ لم تكن أفلامه موجهة يوما لأي ثقافة، وكان مهما بالنسبة إليه أن يناقش عبرها موضوعات وقضايا إنسانية جامعة يمكن التقاطها والتفاعل معها من قبل أي جمهور.

تم تصوير الفيلم على مدى يوم كامل في منطقة الصخير، وبعدها لم يتمكن محمد من إتمام عمليات مونتاج الفيلم، كان مضطرا للسفر إلى الأردن لحضور دورة تدريبية في مجال الغرافيك تم إبتعاثه لها من قبل مكان عمله لمدة ثلاثة شهور.

بمجرد وصوله إلى الأردن في شهر يونيو/حزيران 2010، داهمته آلام مفاجئة في مواقع مختلفة من جسده. زار الطبيب ليطمئن باله، لكنه اكتشف اصابته بورم سرطاني في الغدد. كان ذلك هو المرض النادر الذي سيتعرف عليه جاسم بإسم “الهودجيكنغ”. مرضه النادر سوف يشبه موهبته النادرة وإصراره النادر على العطاء والإبداع حتى اللحظة الأخيرة.

كان على محمد جاسم أن يخضع لجلسات علاج كيماوي في الحال. كان ذلك يعني خسارته للدورة التي يفترض إلتحاقه بها، ويعني كذلك توقف عمليات مونتاج فيلمه.  قرر محمد أن يؤخر علاجه ويتمم عمله على الفيلم. حذره الطبيب من أن ذلك قد يؤدي إلى حدوث تضخم في الورم، لكنه قبل المجازفة.

بدأ العلاج الكيماوي في نهايات شهر أكتوبر/تشرين الأول 2010، وفي الوقت الذي كان يتلقى جرعات العلاج الكيماوي بمعدل مرة كل أسبوعين. كان يعمل على إتمام مونتاج فيلمه. كان محمد يستغل فترة الراحة بين الجرعات، وهي التي لا تتجاوز الثلاثة إلى أربعة أيام ليواصل العمل على فيلمه.

في أكتوبر 2011، أخبرني محمد حين أدهشتني شجاعته تلك “كان لدي متسع من الوقت، كنت أتألم كثيراً في هذا الوقت وكان علي أن أواجه ذلك الألم”.  رفض محمد الاستسلام لآلامه تلك، وخلال شهرين ونصف أنجز الفيلم، واقتنع تماما بقدرته على ايصال الفكرة كما تخيلها بداية، والتي تدور حول السلام باعتباره السلاح الوحيد الذي يحفظ الأجيال.

رغم ذلك، ما كان محمد ليتقدم بفيلمه لأي مسابقة في أي مهرجان كان. لم يكن يريد سوى ايصال رسالته، لكنه فعل ذلك بعد أن أقنعه الكاتب والسيناريست، الداعم دائما للشباب، فريد رمضان، بإرسال الفيلم لمهرجان الخليج السينمائي.

لم يقبل المهرجان الفيلم متنافساً في مسابقته الرسمية وحسب، بل إنه منحه جائزته الثالثة لأفضل فيلم خليجي في دروته الرابعة. حين حضر المهرجان لإستلام جائزته في شهر أبريل 2011، إلتقاه مدير المهرجان الفني السينمائي المعروف بدعمه للشباب أيضا مسعود أمرالله علي، ربت على كتفه وقال هذه هي نوعية الأعمال السينمائية التي نريدها”. لا يقدم أمر الله الإطراء مجاناً أو بشكل عشوائي، هو قليل الكلام، لا يجامل في موهبة ولا يبخس الآخرين حقهم.

كانت تلك بداية سلسلة نجاحات للفيلم الذي كتبه محمد وأخرجه وأنتجه، وسوف تشمل تلك النجاحات مهرجانات عربية ودولية كثيرة، سينال الفيلم فيها جوائز عديدة وسيرشح لأخرى. بعد 11 شهراً، سيحقق الفيلم نجاحاً استثنائياً حين يحصد جائزة أفضل فيلم ميكس ميديا أجنبي BEST FOREIGN MIXED MEDIA من مهرجان العائلة للأفلام  International Family Film Festival  الذي يقام بشكل سنوي في لوس انجولس، وذلك في دورته 17 التي أقيمت في شهر مارس/آذار 2012.

ستكون تلك الجائزة الأكثر أهمية لمحمد بسبب شهرتها العالمية وأهمية المهرجان الذي منحه إياها، سينال أيضا جائزة التميز Award of Merit  للأفلام التجريبية في مسابقة Best Shorts Competition   في الولايات المتحدة الأميركية عام 2014.

سيشارك الفيلم بعدها في عدد من المهرجانات العربية والدولية، متنافسا مع أفلام من جميع أنحاء العالم ضمن مسابقات هذه المهرجانات الرسمية، وتتضمن هذه المهرجانات والمسابقات: مهرجان نيويورك الدولي للأفلام New York City International Film Festival  عام 2013، مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان عام 2012 في الأردن، مهرجان SIGGRAPH Asia لأفلام الانيمشين Computer Animation Festival  عام 2012، مهرجان الأفلام القصيرة جدا الدولي Very Short International  Film Festival  في باريس عام 2012 ، مهرجان الفيلم الشرقي الدولي International Oriental Film Festival   في جنيف عام 2012، مهرجان سول الدولي للأفلام القصيرة جدا Seoul international Extreme-Short Image & Film Festival في كوريا عام 2011، مهرجان كازان الدولي للسينما المسلمة Kazan International Festival of Muslim Cinema   في روسيا عام 2011، مهرجان CutOut Festival في المكسيك عام 2011، مهرجان بيروت الدولي للأفلام عام 2011،  مهرجان بغداد الدولي للأفلام  في دورته الثالثة عام 2011، مهرجان الأفلام العربية الأوربية الدولي “أمل” The International Euro-Arab Film Festival Amal في أسبانيا عام 2011، مهرجان دبي السينمائي الدولي الثامن عام 2011، مهرجان مالمو للسينما العربية عام 2011، ومهرجان معهد جوتيه في القاهرة Goethe-Institute Kairo  في قسم الأفلام العربية القصيرة عام 2011 .

هذا الفيلم شهد وحدد تحول فني الغرافيك المغرم بالتفاصيل إلى مخرج مختلف يلفت الأنظار لموهبته ويحقق الجوائز منذ أول أفلامه. عمل محمد في مجال التصميم الغرافيكي الرقمي ثلاثي الأبعاد لأحد عشر عاماً تقريباً قبل أن يتوجه إلى الأفلام. نفذ عدداً من الإعلانات التلفزيونية والفواصل، وعمل في مونتاج وغرافيك بعض الأفلام القصيرة ومقدمات المسلسلات.

كان عمله في المونتاج مختلفاً، وكانت مقدماته وفواصله مغايرة، إذ لم تكن تحمل أي من آثار الأعمال العربية، كان متأثرا إلى حد كبير بسينما هوليوود، وبإبهارها البصري وتقنياتها الغرافيكية. وحين وجد في نفسه الرغبة والتمكن من الإخراج، لم يتجه للدراما العادية، أراد أن يبدع في مجاله، فإختار الأعمال المشبعة بالمؤثرات البصرية والأنيميشين.

حتى أسلوبه في التجهيز لأعماله كان مختلفاً عن نظرائه من المخرجين الشباب، كان يرسم مشاهده وشخصيات وكان يرى ذلك أمرا ضروريا ولازما لنجاح أي مشهد يصوره سواء في فيلم أو في مقدمة أو فاصل تلفزيوني.

ذكر مرة أهمية ذلك الرسم قائلاً بأنه حتى لو جهز المخرج كل أدواته قبل التصوير، فقد يحدث له بعض الإرباك بعد بدء التصوير. كان يرى بأن الطريقة المثلى، المتبعة في هوليود، هي أن يقوم المخرج بعمل ستوري بورد يرسم فيها المشاهد، بعد أن يقوم بتصوير موقع التصوير ومن ثم ترتيب الأشياء وتحديد التفاصيل بدقة.

كان محمد يرى أن ذلك يساعد المخرج على أن يقدم خيالا أوسع وإبداعا أكبر ويمكنه من إتقان أي مشهد، خصوصا وأن مهمته كمخرج كما كان يشير  دائما ليست  في تنفيذ السيناريو بل في إحيائه بفنه ومخيلته.

مخرج النوعية التي يقدمها محمد على وجه الخصوص، يجب أن يمتلك مقدرة أكبر على الإبداع وخيالا أوسع، وبحسب ما قاله محمد في لقائي به عام 2011، يجب أن يكون مخرج هذه الأفلام قادرا على خوض تجربة التكنيك، مدركا تماما لماهية هذه النوعية من الأفلام مسلحاً بالثقافة والمعرفة اللازمة حول هذه النوع من الأفلام ومستعداً لأن يشارك في كل تفاصيل العمل بعد الإلمام بها، والتفاصيل التي عناها محمد هي أن يكون على دراية بشئون المونتاج أو استخدام المؤثرات الصوتية أو الغرافيك

هذا ما فعله محمد في فيلم “سلاح الأجيال”، اهتم بكل التفاصيل حتى الصوت وصولا إلى الموسيقى التي استعان فيها بالموسيقي علاء الوردي لتكون مناسبة لفيلمه معبرة عن فكرته بشكل دقيق.

حياة شخص… واقعي ذو رسالة إنسانية

عام 2012 شفي محمد نسبياً من مرضه، فتوجه لفيلمه التالي. هذه المرة أراد أن يصور فيلما واقعياً، يقدم رسالة إنسانية مختلفة، يناقش من خلالها هموم العمال الأسيويين ومعاناتهم مع الغربة وشقاء العمل وانخفاض اجورهم. هكذا جاء فيلمه الثاني “حياة شخص” A Person Life حول المصاعب الحياتية التي يمر بها  عامل آسيوي يعمل ويعيش في البحرين. كان فيلماً ذو رسالة إنسانية وجه محمد من خلاله دعوة لإحترام عمال النظافة تقدير جهود والإحساس بمعاناتهم.

لم يكتب للفيلم كثير من الانتشار، لكن رغم ذلك تم قبوله في المسابقة الرسمية لمهرجان نور للفنون Nour Festival of Arts في المملكة المتحدة عام 2013، وكذلك للتنافس على جوائز مهرجان بيروت الدولي للأفلام عام 2012.

الستوب موشن انيميشين

لكن محمد ذو الرؤية المختلفة، لم يكن ليجد نفسه في أفلام الدارما العادية وان كانت تحمل رسالة انسانية برقي تلك الرسالة التي حملها فيلمه “حياة شخص”. لذلك عاد إلى التجريب في عام 2012 نفسه، وقرر أن يخوضه هذه المرة من باب الأنيمشين.

“الستوب موشن أنيميشين” كانت هي التقنية التي أراد العمل عليها منذ فترة طويلة، شاركه ذلك الحلم صديق طفولته وقريبه ابراهيم البوعينين. قرر تحقيق الحلم فبدأ العمل على هذه الفكرة قبل عامين منذ تنفيذها الفعلي وتحويلها إلى فيلم. وهكذا هو محمد، على الدوام منشغل بمشاريعه، يعمل على أكثر من مشروع في آن واحد وكأنه يعرف أن القدر لن يمهله طويلا لتحقيق كل ما يريد ولإخراج كل طاقة الأبداع التي يملكها.

وكما فعل في أول أفلامه «سلاح الأجيال»، سعى محمد عبر هذا الفيلم إلى تقديم رسالة إنسانية عالمية أخرى. فكرته كانت حول النفط، وما يمكن أن يحدث في حال نضوبه. هكذا جاء “آخر قطرة نفط” The Last Drop of Oilوهو فيلم مصور بتقنية “الستوب موشن أنيميشين” Stop Motion  Animation   وهي تقنية يتم من خلالها تحريك الشخصيات بزوايا صغيرة جداً بين مشهد وآخر، ويتم تصوير المشاهد بشكل منفصل ثم يتم عرضها بشكل يعطي ايحاء بتحرك الشخصية. ومن أشهر الأفلام التي أعتمدت هذه التقنية فيلم كورالاينCoraline (2009)  وفيلم جثة العروس (Corpse Bride) (2005).

وخلال مدة لا تتجاوز الدقائق الست طرح الفيلم رسالته تلك من خلال الرحلة التي تقوم بها شخصيته الرئيسية وهي شخصية كرايبر (الزاحف)، الكائن الغريب الذي لا يمكن اعتباره انسان ولا آلة، وذلك في إشارة إلى البشر الذين يعتمدون على التكنولوجيا بشكل كامل، فتتوقف حياتهم حين يعجزون عن الوصول إليها، تماما كما يحدث لكرايبر الذي يعجز عن الوصول  إلى آخر برميل نفط في العالم، لينتهي الفيلم بشكل جعله محمد مفتوحاً تاركاً الأمر لتأويلات الجمهور.

المذهل في هذا الفيلم هو تمكن محمد من صناعة شخصيات فيلمه، وهي ثلاث شخصيات احتاج عامين كاملين لكي يتقنها. صنعها من مادة الفوم لايتكس وهي مادة سائلة يتم خلطها بعدد من المواد الأخرى لتتحول الى ما يشبه العجينة المطاطية التي يتم صبها في قوالب خاصة بالشخصية ووضعها في الفرن ثم يتم تشكيلها. صنع أكثر من خمسين شخصية، لكنه لم يستخدم منها سوى ثلاث شخصيات ظهرت في الفيلم. لم يصنع محمد تلك الشخصيات ليضمنها في الفيلم، بل للتدرب على صناعة الدمية الأفضل. صبره كان مميزا ورغبته في الإتقان كان مختلفة، لم يتعجل أي شيء رغم عمره القصير.

استغرق تصوير الفيلم شهراً ونصف الشهر، كان لابد من تجهيز الدمى وتحريكها في جميع الأوضاع، ومن ثم تصويرها بالشكل الذي يجعل حركتها طبيعية. تطلب الأمر صبراً ومثابرة، وكان محمد خير من يقوم بذلك، تعود الصبر أثناء مرضه وأثناء تلقيه جلسات العلاج الكيماوي.

بلغ عدد الصور «الأطر» في الفيلم 3300 صورة (إطار)، واستمرت عملية تصوير هذه الأطر أسبوعين متواصلين كان العمل يتم خلالهما على مدى 24 ساعة. صنع محمد مسرحاً تدور عليه الأحداث خلال يوم واحد، صور تلك الأحداث، ثم أتم عمليات المونتاج خلال شهر واحد.

بعدها قدم محمد فيلمه لمختلف المهرجانات، أثار الإنتباه في العالم العربي وفي خارجه. حصل الفيلم على جوائز عديدة، أهمها جائزة أفضل فيلم أنيميشين في المهرجان الدولي لأفلام العائلة International Family Film Festival في لوس انجلوس عام 2012. كما حصل الفيلم على جائزتين أخريين هما جائزة التميز Award of Merit لأفضل فيلم انيميشن من مسابقة اكوليد كومبيتشن Accolade Competition في كاليفورنيا عام 2014، والمركز الأول لأفضل فيلم قصير من مهرجان رأس الخيمة للفنون البصرية في دورته الثانية عام 2014.

بالإضافة إلى ذلك شارك الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان سول الدولي الرابع للأفلام والصور القصيرة جدا في كوريا عام 2012 Seoul international Extreme-Short Image & Film Festival، ومسابقة مهرجان كازان الدولي للسينما المسلمة Kazan International Festival of Muslim Cinema في روسيا عام 2012 ، ومسابقة مهرجان الخليج السينمائي في دبي عام 2012 . كما شارك في مسابقة Best Shorts Competition في الولايات المتحدة الأميركية عام 2014

بأفلامه تحدى “هودجكن”

في عام 2013 هاجم «الهودجكن» Hodgkin’s محمد ثانية. عاد للعلاج، لكن المرض كان أقوى هذه المرة. على رغم ذلك لم يستسلم محمد، هذه المرة بدا أكثر إصرارا وأكثر شجاعة. قرر أن يقاوم المرض بإبداع أكبر، أن تكون المواجهة ندا لند، قرر توثيق صراعه المرير مع الهودجكن عبر فيلم توثيقي، مرة اخرى مستغلا فترات النقاهة بين جلسات العلاج الكيماوي التي كان يتلقاها في أحد مستشفيات العاصمة الأردنية، عمّان. وهكذا جاء فيلم «الهودجكن: كيف تجعل المرض صديقاً» العام 2014 ليشرح محمد من خلاله معاناته مع المرض أمام الكاميرا.

في فيلم (Hodgkin)، وهو آخر أفلامه التي عرضت، تحدث عن تجربته مع المرض وسرد معاناته معه وشجاعته في مواجهته. هذا المخرج المبدع بشكل مختلف… مختلف تماماً وضع للفيلم عنوانا فرعيا هو «كيف تجعل المرض صديقاً» جاء ليدلل على الروح المقاومة الوثابة التي يحملها محمد.

سرد الفيلم،  وهو وثائقي، خلال 45 دقيقة، معاناة محمد مع المرض، مستعرضا في الوقت ذاته مرض الهودجكن بشيء من التفصيل، وتاريخ اكتشافه ومحاولات علاجه.

أذهلت شجاعة المخرج الشاب لجان تحكيم المهرجانات التي شارك فيها فيلمه هذا فحصل على جوائز دولية وعربية أهمها جائزة التميز (Award of Merits) في مسابقة Best Shorts Competition  في كاليفورنيا عام 2014، وجائزتي التميز  Award of Excellence  لإفضل إخراج، ولأفضل فيلم توثيقي  في مسابقة اكوليد بالولايات المتحدة الأميركية Accolade Competition عام 2014، وجائزة فئة الفيلم المتوسط في الدورة العاشرة لمهرجان الجزيرة الدولي للأفلام التسجيلية، وجائزتا مهرجان نقش للأفلام القصيرة (البحرين) لأفضل فيلم وأفضل ممثل.

لم يتسلم محمد الجائزة الأخيرة، التي جاءت في شهر اكتوبر تشرين الأول 2014، وفي الوقت الذي كان يعيش فيها شهوره الأخيرة راقداً في غرفة العناية المركزة في أحد مستشفيات العاصمة البريطانية لندن. والده وابنته حضرا المهرجان نيابة عنه،  تسلما الجائزة التي منحتها اياه لجنة تحكيم المهرجان معتبرة فيلمه أفضل أفلام هذه الدورة وهي الثالثة من عمر مهرجان نقش للأفلام القصيرة، وذلك لتمكنه من توثيق معاناة مخرجه محمد جاسم الشخصية. اضافة إلى ذلك، منحت اللجنة محمد جائزة أفضل ممثل لأنه تمكن في فيلمه هذا أن يستحضر لحظان انسانية صعبة بعفوية وصدق بالغين. نقلها بشكل معبر أثر في متفرجيه، على الأخص أولئك الذين حضروا عرض الفيلم ليلة ختام المهرجان. غصت القاعة بدموعهم وعاشوا مع محمد تجربة مرضه وآلام هذا الورم الليمفاوي اللعين، الذي تمكن، بحسب بيان لجنة التحكيم، من استحضار لحظات انسانية صعبة وقاسية لكن مميزة فاستحق ان يكون افضل ممثل في المهرجان، وان كان لم يمثل، وتمكن فيلمه ان يفوز، بجدارة، بجائزة أفضل فيلم في هذه الدورة من المهرجان.

أفلام لم تر النور

قبل أن يسلب المرض كل طاقة وقوة من جسده، كان محمد يضع اللمسات الأخيرة على ثاني أفلام الأنيميشين التي يخرجها، كان ذلك فيلم «من هو الأفضل» Who’s the Best  الكوميدي الذي تدور حوادثه في محل الكترونيات، إذ تستعرض الأجهزة الموجودة فيه التقنية التي توجد فيها والعام الذي تم تركيبها فيه، متفاخرة بها متنافسه مع أجهزة أخرى ذات تقينات مختلفة. هذا الفيلم ظل حبيس غرف المونتاج، لا يعرف مصيره. كذلك كان محمد قد انتهى من تصور فيلم اميلون  Amilonوهو الآخر فيلم لم يرَ النور، وظل حبيس المونتاج.

 

بعد إعلانه تقديم نسخة سينمائية من مسلسل “سعدون”… الفنان  البحريني جمعان الرويعي: لن يكون بطل فيلمي مظلوماً، وسيشاركني فنانان سعوديان

0W6A1517

يحب الفنان البحريني جمعان الرويعي الشخصيات التي يقدمها، سواء أكانت مسرحية، أو تلفزيونية أو سينمائية. يعيشها بشغف، يتوحد معها، ويتعلق ببعضها.  منذ أسابيع أعلن عن عزمه إعادة تقديم شخصية سعدون، الشخصية الأكثر قربا والتصاقاً به، والشخصية التي يؤكد جمعان أنها تعني له الكثير “سعدون  جزء من تركيبي، أثر بي وأثرت فيه”، وهو “الروح التي غيرت حياة كثيرين ممن شاهدوا العمل وأحبوه”، روح سعدون وروح جمعان وروح الفريق الواحد والتعاون والحب الذي جمع طاقمه، انعكست على الشاشة نجاحاً وشعبية يحظى بهما العمل حتى اليوم.

الرويعي أعلن عزمه تقديم جزء جديد من مسلسل “سعدون”، لكنه هذه المرة سيكون عملاً سينمائياً يأمل الفنان ذو الشغف الذي لا ينتهي، أن يكون جاهزا للعرض مع نهايات العام الجاري 2018، مؤكداً أن “سعدون” في نسخته الجديدة سيكون باكورة لمشاريع سينمائية أخرى، سترى النور في عامي 2019 و 2020.

حول “سعدون” الفيلم، المشاريع المستقبلية، الفنان الشامل، المتألق تمثيلا، واخراجاً، في المسرح والتلفزيون والسينما، التقيت الرويعي في حوار جاء نصه كالتالي:

  • لماذا تعيد “سعدون” الآن بعد عشرين عاما، ولماذا السينما؟

فكرة انتاج جزء ثاني من “سعدون” موجودة لدي منذ فترة طويلة بسبب شعبية المسلسل العالية والتساؤلات الكثيرة التي أتلقاها من الجمهور حول جزء آخر من العمل. فاتحت الكاتب راشد الجودر والمخرج أحمد يعقوب المقلة، في الأمر فوجدت أنهما يحملان نفس الفكرة بل إن الجودر شرع بالفعل في كتابة النص السينمائي. ستكون عودتنا سينمائية، فالحصول على جهة إنتاجية لمسلسل أصعب بكثير منه فيما لو كان العمل سينمائياً. كما إن المسلسلات التي تنتج منها أجزاء ثانية، تُظلم دائما حين تتم المقارنة بين أجزائها. أضف إلى ذلك المسلسلات لم تعد تقدم جديداً وأتوقع أن الوقت القادم سيكون وقت السينما ولذا أريد أن أبني جمهوراً يقبل على عملي ويبقى مع ما أنوي تقديمه من أعمال سينمائية مقبلة”.

  • تتحدث عن صعوبة الحصول على منتج، ألا يمكن التعويل على شعبية المسلسل والنجاح الكبير الذي حققه؟

العملية الإنتاجية أصبحت أصعب، ولا يمكننا المجازفة بإنتاج العمل على حسابنا الخاص ثم البحث عن جهة إنتاج، ثم إن صناعة الأفلام بحسب المعايير في الخليج أقل كلفة من الدراما التلفزيونية، كما إننا يمكننا التحكم في العرض بعمل اتفاق مع دور العرض والتسويق للعمل بشكل جيد.

يؤكد الرويعي أنه سيحرص على نقل معظم شخصيات المسلسل إلى الفيلم، وسيؤديها ذات الفنانين مثل علي الغرير وأحمد مجلي وأحمد مبارك وإبراهيم بحر وهدى سلطان ومبارك خميس، مضيفاً بأنه يعتزم الإستعانة بفنانين سعوديين لم يفصح عن أسميهما “لم أتحدث معهما بعد ولكنني واثق تمام الثقة من موافقتهما على المشاركة”. باقي الشخصيات ستقدمها وجوه جديدة، ستؤدي أدوار الشخصيات في طفولتها، وأبرزها شخصية سعدون، أسأل جمعان عن خطورة المجازفة بشخصية أحبها الناس “ألا تخشى من أن يضعف ذلك حضور الشخصية أو يفقدها روحها، إذ قد لا يكون الممثل الذي يؤديها قادر على إيصال الروح التي أوصلها جمعان؟

فيقول “من مصلحة العمل أن نقدم الشخصية بشكل جديد ومختلف. أريد أن ينسى الجمهور سعدون الذي حفظوا كل عباراته ومشاهده. سأبدأ معه في الفيلم منذ صغره، وسأقدمه بشكل مختلف”.

  • جعل صناع المسلسل الأحداث تدور في حقبة زمنية سابقة، تم اسقاطها على سنوات التسعينات. هل سيتحقق الأمر ذاته في الفيلم؟

ستظل الأحداث تدور في ذات الحقبة الزمنية، وبالطبع سيكون الفيلم محملا بالإسقاطات على الوقت الحاضر، وهذا ما جعلني أسند كتابة السيناريو لمجموعة من الشباب لأطلع على رؤيتهم في الأحداث، ثم سيأتي دور راشد الجودر لعمل التركيبة الثانية للشخصيات.

يأمل الرويعي أن يكون سيناريو العمل جاهزاً للتنفيذ مع نهايات شهر فبراير ليبدأ التصوير الفعلي في شهر أبريل أو مايو 2018، ويؤكد أن شخصية سعدون ستكون مختلفة في السينما “لن يكون الشخص الذي يظلم دائماً، لكن البحريني الذي يسعى جاهداً لبناء بلده والعيش فيها بشكل منسجم ومتناغم”.

775c1c90-e8b0-45bc-ac1a-969bb554184a

سألته عن سر تعلقه بالشخصيات التي يؤديها، وعن التصاقها به، وعن حكايته مع الفن من بداياتها، فقال “ولعي بالفن قديم جداً، لطالما أغرمت بمتابعة المسرحيات والمسلسلات الكويتية وكنت أنتظر اليوم الذي سأتمكن فيه من أن أحقق حلمي وأصبح ممثلا.  ظل هذا الهاجس في ذهني حتى دخلت الفن عام 1981 على يد استاذي صالح الفضل،وأتذكر تماما كيف إن الدنيا لم تسعني في اللحظة التي أخبرنا فيها عن عزمه على تشكيل فرقة مسرحية للمدرسة. للأسف لم تكتمل فرحتي بتلك الفرقة التي حلها مدير المدرسة بعد أسبوعين من بدء التدريبات المسرحية بحجة حرمتها”.

عاد حلم جمعان ليتحقق بعد عام من ذلك، حين استدعاه صالح الفضل مرة أخرى مع مجموعة من الطلبة وعرض عليهم المشاركة في مسرحية للأطفال سيقيمها نادي توبلي تحت عنوان “باسمة والساحر”. كان جمعان ممثل احتياط فيها،  ويتذكر “كنت أحضر البروفات يومياً وأتابع الحوارات بشغف. حفظت جميع الأدوار، وكنت انتظر بفارغ الصبر اللحظة التي يقرر فيها مخرج المسرحية حمزة محمد منحي دوراً”.

لازمه الشغف منذ البدايات إذن، وكان حينها يحمل ثقة لا يعرف مصدرها بأنه سيقوم بأحد أدوار العمل. وبالفعل صدق حدسه، حين تغيب الممثل الرئيسي عن بروفة هامة للمسرحية، وكان هو بديله. يقول “صعدت خشبة المسرح لأفاجئ الجميع”.

أذهل الفتى الهادئ الصغير الجميع، شخصية أخرى اعتلت المسرح، تتحرك بخفة، يعلو صوتها مرة وينخفض أخرى. شخصية لا تمت بصلة لشخصية جمعان الصامت غالباً. كان ذلك هو الدور المسرحي الأول الذي يسند إليه، أشاد به الجميع، ومنذ ذلك اليوم أصبح جمعان والمسرح لزيمان لا يفترقان.

التصق الرويعي بصالح الفضل ومن بعده عبدالله السعداوي، تعلم منهما الكثير، وحين توفي الفضل، زاد التصاقه بالسعداوي، الذي أخذه لأجواء الفن الساحرة وتنقل معه بين المسرح حيث الصالات المغلقة إلى مسرح الشارع ثم إلى عروض متنقله وأخيرا إلى كاميرا ظلت مصاحبة له على الدوام فوظفها لتصوير أفلام قصيرة. سحرته تلك الأجواء وزادت شغفه، أصبح معروفاً في الأوساط المسرحية كطاقة واعدة. وحين أنهى دارسته الثانوية عارض رغبة أسرته في الالتحاق بالجيش وفضل المعهد العالي للفنون المسرحية في دولة الكويت.

 السعداوي، ومسرحياته المميزة جعلت الرويعي يبرز ويصبح ملحوظاً من قبل أساتذة ومخرجين كبار في المجال المسرحي، ومن بينها مسرحية “الرجال والبحر” التي كانت ذات شكل مختلف عما هو موجود في المسرح البحريني، أبرزت موهبته، ومهدت له الطريق ليحضر  مهرجان بغداد المسرحي عام 1987، ومنه إلى المهرجان الخليجي الأول في الكويت. في بغداد والكويت، لفتت موهبته أنظار فنانين مسرحيين كبار، ما سهل عليه الإلتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت.

 

المحطة الهامة في حياة الرويعي جاءت خلال رحلة فنية اصحبه فيها السعداوي إلى القاهرة ليلتقي فيها بالأستاذ المسرحي عبدالرحمن عرنوس، الذي طلب منه ارتجال مشهد مسرحي، “بعدها مباشرة عرض علي المشاركة في عمل مسرحي في اجازة الصيف،  حين سافرت صيفاً، حدث الغزو العراقي للكويت فانتقل المعهد المسرحي إلى مصر، لتنتقل دراستي إلى المعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة ولأبقى فيه  حتى بعد انتهاء الغزو العراقي للكويت”.

يقول جمعان “جاء أول عمل تلفزيوني لي عام 1983، كانت سهرة تلفزيونية بعنوان “فجر يوم آخر” مع الفنانين محمد ياسين وشفيقة يوسف وفي الشرقاوي. فازت السهرة بجائزة أفضل عمل عام 1983″.

ظل الرويعي يتنقل بين المسرح والتلفزيون، حتى عام 1993 وبعد نجاح مشاركته في مسلسل أولاد بوجاسم، يقول “قررت أن أحترف التمثيل، وكان عمري حينها 24 عاماً”

بعد أعوام جاء عمل “سعدون” ليشكل نقطة تحول في حياة الممثل الشاب الذي شغف بالشخصية، ومنذ ذلك الحين، أصبح يتعامل مع التمثيل بشكل مختلف “بدأت أركز على الوصول للمرحلة الطبيعية البسيطة في أداء الشخصية لأقدمها بأسلوب ولكنة مختلفين في كل مرة”.

  • كيف انتقلت من أمام الكاميرا إلى خلفها، وكيف نجحت كممثل ثم كمخرج بارع في إدارة الممثلين وقادر على السيطرة على العملية الفنية؟

صورت في بداياتي بعض الأفلام القصيرة، لكن بذرة الإخراج الأولى جاءت حين جعلنا السعداوي يوماً، نرتجل أدورانا ونخرج الجزء الخاص بنا في مسرحية “الرجال والبحر” التي قدمناها قبل التحاقي بالمعهد المسرحي. أتذكر أنه أعجب جدا بالمشهد الذي ارتجلته وضمنه في المسرحية من دون أي تغيير.

ويواصل “اتجهت للتلفزيون عام 1995 كمساعد للمخرج بسام الذوادي في مسلسل “حسن ونور السنا”. علمني الذوادي كل أسرار العمل التلفزيوني وتفاصيله بما في ذلك السيطرة على موقع التصوير  وضبط ايقاع العمل. تعلمت منه الكثير واكتسبت خبرة وبنيت علاقات مع الممثلين، كما تعلمت الفرق بين المخرج السيء والمخرج الجيد”.

عام 1995 كان أيضاً العام الذي أخرج فيه الرويعي للمسرح أعمالا متميزة، كذلك حتى أخذه التلفزيون مرة أخرى عام 2007 ليقدم مسلسل “شاهين” مع المخرج محمد دحام الشمري ولتتبعه بعدها خمسة أعمال أخرى قدمت على مدى ثلاثة أعوام.

0W6A1508

ألبوم “قصص الشتاء” للموسيقي محمد المرباطي يطرح في الأسواق

Globelطرح في الأسواق البحرينية أخيراً، ألبوم “قصص الشتاء”  Winter Stories وهو الألبوم الأول للمؤلف الموسيقي الشاب محمد المرباطي الحاصل على الميدالية الذهبية ضمن جوائز غلوبال الموسيقية العالمية  Global Music Awards ، وعلى جائزة أكاديميا ميوزيك أوارد Akademia Music Awards.

ودشن المرباطي ألبوم “قصص الشتاء” في بدايات شهر أبريل 2017، ويضم سبع مقطوعات موسيقية، تتفرد كل مقطوعة منها برسم حالة من حالات فصل الشتاء، يقدمها المرباطي تحت عناوين هي”موعد مع الشتاء” A Date With Winter ، “إنها تمطر” It’s Raining ، “ليلة دافئة” A Warm Night ، “رحلة” Journey، “قصة” A Story، “رسالتي الأخيرة” My Last Letter، “رقصة النهاية” Ending Dance  .

ويمكن الحصول على نسخة أصلية من الألبوم في المحلات التالية: مركز “لا جيتارا” للموسيقى بمنطقة الحورة، “إينوفيشن” بمجمع جاليريا، فضاء مشق للفنون، مركز أجراس للموسيقى، “صوت وصدى” (الحورة)، “صندوق الموسيقى”، و”ميوزك سبوت” بشارع المعارض، “روم تو روك”، ” يوفوريا”، وفي مساحة الرواق للفنون.

يشار إلى أن محمد المرباطي موسيقي بحريني، مواليد عام 1995. دفعه شغف مبكر للموسيقى للعمل مع المؤلف الموسيقي البحريني محمد حداد. تأثرت موسيقاه بأعمال مؤلفين موسيقيين أمثال محمد حداد،  مارسيل خليفة، خالد الشيخ، راجح داود، وميشال فاضل.

قام المرباطي سابقاً بوضع الموسيقى الخاصة بعدد من الأفلام البحرينية القصيرة وبعض المسرحيات البحرينية. كما قام بوضع الموسيقى المصاحبة لعدد من القصائد التي كتبها شعراء بحرينين وعرب. ويعد أكبر تعاون للمرباطي هو تعاونه مع المغنية البحرينية هدى عبد الله.

أنا البحرين… هذه الوجوه التي تشبهك

منصورة عبدالأمير

الوجوه البحرينية الأصيلة، بكل عفويتها وبساطتها. شوارع البحرين القديمة، الأزقة القديمة والطرقات التي تحمل رائحة البخور والزعفران وخلطة البهارات البحرينية وخبر الرقاق والحلوى والرهش.. سوق المنامة القديمة، سوق القيصرية وسوق المحرق، وجوه “المناميين والمحرقاويين”، وغير ذلك الكثير من الروائح والصور التي تعبق بها سلسلة أفلام فيديو كليب قصيرة أطلقها  المخرج الشاب أسامة سيف، أخيراً، تحت عنوان “أنا البحرين”.

الأفلام التي جاءت متزامنة مع احتفالات البحرين بأعيادها الوطنية. تضج بتفاصيل الحياة اليومية، في البحرين، من غير رتوش، وبلا ألوان، ومن غير تكلف أو اضافات، هي البحرين فقط، في عيون إبن من أبنائها، هي البحرين كما أحبها أسامة وهي الصور التي تكاد تتلاشى من بين أصابعنا بعد أن غزت واجهات المباني الزجاجية طرقاتنا القديمة، وبعد أن غيرت المدنية ملامح “فرجاننا” وشوهت “زرانيقنا” وصنعت أحياء لا نعرفها، لا تلامسنا ولا تمت لذاكرتنا بصلة.

فكرة هذه الأفلام بدأت مع سيف منذ عام 2011، حين صور سلسلة أفلام قصيرة لصالح المجلس الأعلى للمرأة وكانت تحمل العنوان نفسه “أنا البحرين”. كانت تلك الأفلام تركز على نبذ الطائفية وإيصال فكرة مفادها أن البحرين بلد واحد تتجانس فيه الطوائف والأديان وتتعايش بسلام، لكن سيف وجد أن شعار الأفلام يحتمل المزيد من الأفكار وأنه أوسع من أن يختصر في موضوع الطائفية وتجانس الأديان والمذاهب أو في مدينة حديثة تمتلئ بمبان زجاجية شاهقة.

بالنسبة لسيف، البحرين هي وجوه البحرينيين، كل الوجوه، مجردة،  دون أي انتماء سياسي أو مذهبي أو ديني أو غير ذلك. البحرين هي الروح العفوية البسيطة المحبة، البحرين هي المكان، هي شارع الشيخ عبدالله وسوق المنامة القديم، هي سوق المحرق وهي الطرقات والأزقة الضيقة.  هي تفاصيل الحياة اليومية التي تشبه البحرينيين. البحرين هي الإحساس الذي يفتقده أسامه في شارع الشيخ عبدالله والذي ظل كذلك حتى الثمانينات حين كان أسامة فتى صغير يجوب طرقات المنامة القديمة و”زرانيقها”، البحرين هي صور اعتادت عيناه عليها في الثمانينات من القرن الماضي، صور لا يجدها أسامة اليوم لكنه يحن إليها، ويعلم  أن قليل منها لا يزال باقياً حتى اليوم وأنه يجب أن يقبض على ذلك القليل كي لا يتسرب منه، وأن يبقي على تلك الذاكرة عبر توثيقها في هذه الأفلام القصيرة، خوفا من أن تفلت منه.

ولذا عاد المخرج الشاب بعد ستة أعوام وتحديدا في شهر ديسمبر 2017، ليوظف فكرة شعار “أنا البحرين” بشكل مختلف وليضمنها كل الاسقاطات والأفكار التي اختمرت في رأسه منذ عام 2011. قرر أسامة أن يصور البحرينين كما هم، وأن يبرز البحرين كما هي.

يقول أسامة أنه يقدم البحرين التي يعرفها ويشعر بها، ويريد أن يشعر بها كل البحرينيين.  هي ثوان معدودة تلك التي يستغرقها عرض الصور في كل “كليب” لا تتعدى العشرون الثانية، لكنه يسعى لأن يجعل من كل “كليب”  لوحة مكتملة العناصر، تتناسق ألوانها وملامح الأشخاص والوجوه فيها لتشبه البحرين التي يعرفها، تلك المتناسقة الملامح المتآلفة الأرواح.