أفلام قليلة وإبداع كبير… المخرج البحريني الشجاع محمد جاسم قاوم المرض بالإبداع حتى الرمق الأخير

mon-7منصورة الجمري

نهايات شهر يناير، كانون الثاني عام 2015 وفي أحد مستشفيات العاصمة البريطانية لندن، رحل المخرج البحريني الشاب ذو البصمة السينمائية المميزة بحرينيا وخليجيا وعالمياً، محمد جاسم محمد شويطر، وذلك بعد معاناة مريرة مع سرطان الغدد الليمفاوية. لم يتجاوز عمر محمد الأربعة والثلاثين عاماً، ولم يكن قد مر على بروز إسمه في عالم الإخراج أكثر من خمسة أعوام، لكنه سيرحل تاركاً إرثاً سينمائياً سيجعل أسمه باقياً في عالم الإبداع البحريني والخليجي على أقل تقدير. يتمثل ذلك الإرث في ستة أفلام مميزة جعلت الأنظار تتجه لموهبة بحرينية فذة، تنبئ لها كثيرون بمستقبل واعد.

لم يمهل الموت أحداً للتحقق من صدق تلك النبوءات، كان أسرع في اختطاف محمد، لكنه حين رحل، كان رصيده يتضمن أفلاماً مختلفة في نوعيتها وفي تصنيفها وفي مستوى تنفيذها، أبرزت موهبة مختلفة.

أنجز أربعة أفلام شاهدها الجمهور، فيما لم يتم عمليات المونتاج لفيملين أضافيين حال المرض ومن ثم الموت دون إنجازهما. لكن ما سربه محمد قبيل وفاته، من مقاطع لهذين الفيلمين، يؤكد انه مخرج أفلام أنيمشين وأفلام أخرى ذات رسالة إنسانية راقية، يحمل الكثير من التميز والإبداع والقدرة على تطوير مهاراته وقدراته بشكل سريع.

تألق محمد وبروز اسمه جاء بعد اكتشافه مرضه، أو قبل ذلك بقليل جداً، إذ إنه وحين قرر مخرج الغرافيك أن يتجه إلى عالم الإخراج، باغته المرض. صور فيلمه الأول “سلاح الأجيال” The Power of Generation  بدايات عام 2010، وتماما في منتصف العام نفسه، اكتشف اصابته بسرطان الغدد الليمفاوية.

وكما هي مميزة ومختلفة وفذة تلك الموهبة التي حملها، كذلك كان مرضه نادرا غريبا وفتاكاً. «الهودجكن»  Hodgkin  كان اسم مرضه وهو ورم دم ليمفاوي خبيث يندرج تحت قائمة الأمراض السرطانية.

صارعه محمد لسنوات طويلة، هزمه مرة بعد أخرى، وحتى حين تمكن المرض منه، أبى محمد الاستسلام فظل مقاوماً آلامه تلك حتى الرمق الأخير. ظل منكباً على أفلامه حتى آخر نفس، ورحل بعد أن أتم تصوير آخر فيلمين من أفلامه، فيما لم يتمكن من اتمام عملية مونتاجها. وربما تسبب مرضه بتدمير خلايا جسده، لكن معاناته مع ذلك المرض ولّدت موهبة فذة ومميزة، ومخرجاً بارعاً متخصصاً في أفلام الأنيميشن القصيرة.

تستحق رحلة محمد، الذي سأطلق عليه لقب المخرج الشجاع التوقف عندها وعند الأفلام التي أنتجتها، على الأخص أفلام الأنيميشين التي صنعت اسمه وابرزته بل وأكسبته مختلف الجوائز والإشادات والتكريمات في مختلف المهرجانات العربية والدولية.

الرحلة الأولى: سلاح الأجيال

“السلام: سلاح الأجيال”، كانت تلك هي أولى الأفكار التي أراد محمد أن يقدم نفسه بها للجمهور، وكان الفيلم الذي سيحمل الاسم نفسه هو الأول الذي سينطلق به المخرج الشاب في عالم الإخراج. كان فيلماً تجريبيا، لفت الأنظار لموهبة بحرينية جديدة ستكون ذات شأن لا يستهان به قريباً.

ظروف تصوير وإنتاج هذا الفيلم كانت استثنائية للغاية، لم يكن محمد ينوي تصوير فيلم. كان محمد يرغب في تقديم صورة فوتوغرافية ينقل عبرها فكرة السلام الداخلي الذي يعيشه الإنسان والذي يعتبر بمثابة سلاح في وجه الحروب والكراهية والصراعات البشرية وحتى الكوارث الطبيعية.

أراد محمد أن يجد السبيل الأمثل لنقل تلك الفكرة للمتفرج، ودمج فكرتي الحرب والسلام في صورة فوتواغرفية واحدة، لكنه فجأة وجد نفسه أمام فكرة تحويل الصورة إلى فيلم.

من هنا جاء هذا الفيلم التجريبي الذي لم تتجاوز مدته الدقيقتين ونصف الدقيقة، ولم يضم سوى مشهد واحد يظهر فيه ممثل واحد يجلس صامتاً على كرسي خشبي وسط طريق خال من أي حياة، متأملا كل ما يمر أمام عينيه من صور لحروب وكوارث عديدة، أبدع محمد في تقديمها بتقنيات الجرافيك التي يبرع فيها.

01396517959

صور محمد فيلمه في شهر مارس آذار 2010، وقع اختياره على الفنان يحيى عبدالرسول ليقوم بالدور الوحيد في الفيلم. ولأن محمد معتاد على رسم كل مشاهده وأفكاره وتخطيطها على الورق، فقد تخيل شخصية عبدالرسول قبل اختياره، ذكر لي في مقابلة أجريتها معه في أكتوبر 2011  أنه تخيل الفنان بجسمه وبالقبعة التي يرتديها بمجرد أن بزغت فكرة الفيلم في ذهنه، ووجد أنه يمتلك وجهاً مناسباً لكل الثقافات ولا يرمز لأي عرق.

كان هذا أمراً مهما لمحمد، إذ لم تكن أفلامه موجهة يوما لأي ثقافة، وكان مهما بالنسبة إليه أن يناقش عبرها موضوعات وقضايا إنسانية جامعة يمكن التقاطها والتفاعل معها من قبل أي جمهور.

تم تصوير الفيلم على مدى يوم كامل في منطقة الصخير، وبعدها لم يتمكن محمد من إتمام عمليات مونتاج الفيلم، كان مضطرا للسفر إلى الأردن لحضور دورة تدريبية في مجال الغرافيك تم إبتعاثه لها من قبل مكان عمله لمدة ثلاثة شهور.

بمجرد وصوله إلى الأردن في شهر يونيو/حزيران 2010، داهمته آلام مفاجئة في مواقع مختلفة من جسده. زار الطبيب ليطمئن باله، لكنه اكتشف اصابته بورم سرطاني في الغدد. كان ذلك هو المرض النادر الذي سيتعرف عليه جاسم بإسم “الهودجيكنغ”. مرضه النادر سوف يشبه موهبته النادرة وإصراره النادر على العطاء والإبداع حتى اللحظة الأخيرة.

كان على محمد جاسم أن يخضع لجلسات علاج كيماوي في الحال. كان ذلك يعني خسارته للدورة التي يفترض إلتحاقه بها، ويعني كذلك توقف عمليات مونتاج فيلمه.  قرر محمد أن يؤخر علاجه ويتمم عمله على الفيلم. حذره الطبيب من أن ذلك قد يؤدي إلى حدوث تضخم في الورم، لكنه قبل المجازفة.

بدأ العلاج الكيماوي في نهايات شهر أكتوبر/تشرين الأول 2010، وفي الوقت الذي كان يتلقى جرعات العلاج الكيماوي بمعدل مرة كل أسبوعين. كان يعمل على إتمام مونتاج فيلمه. كان محمد يستغل فترة الراحة بين الجرعات، وهي التي لا تتجاوز الثلاثة إلى أربعة أيام ليواصل العمل على فيلمه.

في أكتوبر 2011، أخبرني محمد حين أدهشتني شجاعته تلك “كان لدي متسع من الوقت، كنت أتألم كثيراً في هذا الوقت وكان علي أن أواجه ذلك الألم”.  رفض محمد الاستسلام لآلامه تلك، وخلال شهرين ونصف أنجز الفيلم، واقتنع تماما بقدرته على ايصال الفكرة كما تخيلها بداية، والتي تدور حول السلام باعتباره السلاح الوحيد الذي يحفظ الأجيال.

رغم ذلك، ما كان محمد ليتقدم بفيلمه لأي مسابقة في أي مهرجان كان. لم يكن يريد سوى ايصال رسالته، لكنه فعل ذلك بعد أن أقنعه الكاتب والسيناريست، الداعم دائما للشباب، فريد رمضان، بإرسال الفيلم لمهرجان الخليج السينمائي.

لم يقبل المهرجان الفيلم متنافساً في مسابقته الرسمية وحسب، بل إنه منحه جائزته الثالثة لأفضل فيلم خليجي في دروته الرابعة. حين حضر المهرجان لإستلام جائزته في شهر أبريل 2011، إلتقاه مدير المهرجان الفني السينمائي المعروف بدعمه للشباب أيضا مسعود أمرالله علي، ربت على كتفه وقال هذه هي نوعية الأعمال السينمائية التي نريدها”. لا يقدم أمر الله الإطراء مجاناً أو بشكل عشوائي، هو قليل الكلام، لا يجامل في موهبة ولا يبخس الآخرين حقهم.

كانت تلك بداية سلسلة نجاحات للفيلم الذي كتبه محمد وأخرجه وأنتجه، وسوف تشمل تلك النجاحات مهرجانات عربية ودولية كثيرة، سينال الفيلم فيها جوائز عديدة وسيرشح لأخرى. بعد 11 شهراً، سيحقق الفيلم نجاحاً استثنائياً حين يحصد جائزة أفضل فيلم ميكس ميديا أجنبي BEST FOREIGN MIXED MEDIA من مهرجان العائلة للأفلام  International Family Film Festival  الذي يقام بشكل سنوي في لوس انجولس، وذلك في دورته 17 التي أقيمت في شهر مارس/آذار 2012.

ستكون تلك الجائزة الأكثر أهمية لمحمد بسبب شهرتها العالمية وأهمية المهرجان الذي منحه إياها، سينال أيضا جائزة التميز Award of Merit  للأفلام التجريبية في مسابقة Best Shorts Competition   في الولايات المتحدة الأميركية عام 2014.

سيشارك الفيلم بعدها في عدد من المهرجانات العربية والدولية، متنافسا مع أفلام من جميع أنحاء العالم ضمن مسابقات هذه المهرجانات الرسمية، وتتضمن هذه المهرجانات والمسابقات: مهرجان نيويورك الدولي للأفلام New York City International Film Festival  عام 2013، مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان عام 2012 في الأردن، مهرجان SIGGRAPH Asia لأفلام الانيمشين Computer Animation Festival  عام 2012، مهرجان الأفلام القصيرة جدا الدولي Very Short International  Film Festival  في باريس عام 2012 ، مهرجان الفيلم الشرقي الدولي International Oriental Film Festival   في جنيف عام 2012، مهرجان سول الدولي للأفلام القصيرة جدا Seoul international Extreme-Short Image & Film Festival في كوريا عام 2011، مهرجان كازان الدولي للسينما المسلمة Kazan International Festival of Muslim Cinema   في روسيا عام 2011، مهرجان CutOut Festival في المكسيك عام 2011، مهرجان بيروت الدولي للأفلام عام 2011،  مهرجان بغداد الدولي للأفلام  في دورته الثالثة عام 2011، مهرجان الأفلام العربية الأوربية الدولي “أمل” The International Euro-Arab Film Festival Amal في أسبانيا عام 2011، مهرجان دبي السينمائي الدولي الثامن عام 2011، مهرجان مالمو للسينما العربية عام 2011، ومهرجان معهد جوتيه في القاهرة Goethe-Institute Kairo  في قسم الأفلام العربية القصيرة عام 2011 .

هذا الفيلم شهد وحدد تحول فني الغرافيك المغرم بالتفاصيل إلى مخرج مختلف يلفت الأنظار لموهبته ويحقق الجوائز منذ أول أفلامه. عمل محمد في مجال التصميم الغرافيكي الرقمي ثلاثي الأبعاد لأحد عشر عاماً تقريباً قبل أن يتوجه إلى الأفلام. نفذ عدداً من الإعلانات التلفزيونية والفواصل، وعمل في مونتاج وغرافيك بعض الأفلام القصيرة ومقدمات المسلسلات.

كان عمله في المونتاج مختلفاً، وكانت مقدماته وفواصله مغايرة، إذ لم تكن تحمل أي من آثار الأعمال العربية، كان متأثرا إلى حد كبير بسينما هوليوود، وبإبهارها البصري وتقنياتها الغرافيكية. وحين وجد في نفسه الرغبة والتمكن من الإخراج، لم يتجه للدراما العادية، أراد أن يبدع في مجاله، فإختار الأعمال المشبعة بالمؤثرات البصرية والأنيميشين.

حتى أسلوبه في التجهيز لأعماله كان مختلفاً عن نظرائه من المخرجين الشباب، كان يرسم مشاهده وشخصيات وكان يرى ذلك أمرا ضروريا ولازما لنجاح أي مشهد يصوره سواء في فيلم أو في مقدمة أو فاصل تلفزيوني.

ذكر مرة أهمية ذلك الرسم قائلاً بأنه حتى لو جهز المخرج كل أدواته قبل التصوير، فقد يحدث له بعض الإرباك بعد بدء التصوير. كان يرى بأن الطريقة المثلى، المتبعة في هوليود، هي أن يقوم المخرج بعمل ستوري بورد يرسم فيها المشاهد، بعد أن يقوم بتصوير موقع التصوير ومن ثم ترتيب الأشياء وتحديد التفاصيل بدقة.

كان محمد يرى أن ذلك يساعد المخرج على أن يقدم خيالا أوسع وإبداعا أكبر ويمكنه من إتقان أي مشهد، خصوصا وأن مهمته كمخرج كما كان يشير  دائما ليست  في تنفيذ السيناريو بل في إحيائه بفنه ومخيلته.

مخرج النوعية التي يقدمها محمد على وجه الخصوص، يجب أن يمتلك مقدرة أكبر على الإبداع وخيالا أوسع، وبحسب ما قاله محمد في لقائي به عام 2011، يجب أن يكون مخرج هذه الأفلام قادرا على خوض تجربة التكنيك، مدركا تماما لماهية هذه النوعية من الأفلام مسلحاً بالثقافة والمعرفة اللازمة حول هذه النوع من الأفلام ومستعداً لأن يشارك في كل تفاصيل العمل بعد الإلمام بها، والتفاصيل التي عناها محمد هي أن يكون على دراية بشئون المونتاج أو استخدام المؤثرات الصوتية أو الغرافيك

هذا ما فعله محمد في فيلم “سلاح الأجيال”، اهتم بكل التفاصيل حتى الصوت وصولا إلى الموسيقى التي استعان فيها بالموسيقي علاء الوردي لتكون مناسبة لفيلمه معبرة عن فكرته بشكل دقيق.

حياة شخص… واقعي ذو رسالة إنسانية

عام 2012 شفي محمد نسبياً من مرضه، فتوجه لفيلمه التالي. هذه المرة أراد أن يصور فيلما واقعياً، يقدم رسالة إنسانية مختلفة، يناقش من خلالها هموم العمال الأسيويين ومعاناتهم مع الغربة وشقاء العمل وانخفاض اجورهم. هكذا جاء فيلمه الثاني “حياة شخص” A Person Life حول المصاعب الحياتية التي يمر بها  عامل آسيوي يعمل ويعيش في البحرين. كان فيلماً ذو رسالة إنسانية وجه محمد من خلاله دعوة لإحترام عمال النظافة تقدير جهود والإحساس بمعاناتهم.

لم يكتب للفيلم كثير من الانتشار، لكن رغم ذلك تم قبوله في المسابقة الرسمية لمهرجان نور للفنون Nour Festival of Arts في المملكة المتحدة عام 2013، وكذلك للتنافس على جوائز مهرجان بيروت الدولي للأفلام عام 2012.

الستوب موشن انيميشين

لكن محمد ذو الرؤية المختلفة، لم يكن ليجد نفسه في أفلام الدارما العادية وان كانت تحمل رسالة انسانية برقي تلك الرسالة التي حملها فيلمه “حياة شخص”. لذلك عاد إلى التجريب في عام 2012 نفسه، وقرر أن يخوضه هذه المرة من باب الأنيمشين.

“الستوب موشن أنيميشين” كانت هي التقنية التي أراد العمل عليها منذ فترة طويلة، شاركه ذلك الحلم صديق طفولته وقريبه ابراهيم البوعينين. قرر تحقيق الحلم فبدأ العمل على هذه الفكرة قبل عامين منذ تنفيذها الفعلي وتحويلها إلى فيلم. وهكذا هو محمد، على الدوام منشغل بمشاريعه، يعمل على أكثر من مشروع في آن واحد وكأنه يعرف أن القدر لن يمهله طويلا لتحقيق كل ما يريد ولإخراج كل طاقة الأبداع التي يملكها.

وكما فعل في أول أفلامه «سلاح الأجيال»، سعى محمد عبر هذا الفيلم إلى تقديم رسالة إنسانية عالمية أخرى. فكرته كانت حول النفط، وما يمكن أن يحدث في حال نضوبه. هكذا جاء “آخر قطرة نفط” The Last Drop of Oilوهو فيلم مصور بتقنية “الستوب موشن أنيميشين” Stop Motion  Animation   وهي تقنية يتم من خلالها تحريك الشخصيات بزوايا صغيرة جداً بين مشهد وآخر، ويتم تصوير المشاهد بشكل منفصل ثم يتم عرضها بشكل يعطي ايحاء بتحرك الشخصية. ومن أشهر الأفلام التي أعتمدت هذه التقنية فيلم كورالاينCoraline (2009)  وفيلم جثة العروس (Corpse Bride) (2005).

وخلال مدة لا تتجاوز الدقائق الست طرح الفيلم رسالته تلك من خلال الرحلة التي تقوم بها شخصيته الرئيسية وهي شخصية كرايبر (الزاحف)، الكائن الغريب الذي لا يمكن اعتباره انسان ولا آلة، وذلك في إشارة إلى البشر الذين يعتمدون على التكنولوجيا بشكل كامل، فتتوقف حياتهم حين يعجزون عن الوصول إليها، تماما كما يحدث لكرايبر الذي يعجز عن الوصول  إلى آخر برميل نفط في العالم، لينتهي الفيلم بشكل جعله محمد مفتوحاً تاركاً الأمر لتأويلات الجمهور.

المذهل في هذا الفيلم هو تمكن محمد من صناعة شخصيات فيلمه، وهي ثلاث شخصيات احتاج عامين كاملين لكي يتقنها. صنعها من مادة الفوم لايتكس وهي مادة سائلة يتم خلطها بعدد من المواد الأخرى لتتحول الى ما يشبه العجينة المطاطية التي يتم صبها في قوالب خاصة بالشخصية ووضعها في الفرن ثم يتم تشكيلها. صنع أكثر من خمسين شخصية، لكنه لم يستخدم منها سوى ثلاث شخصيات ظهرت في الفيلم. لم يصنع محمد تلك الشخصيات ليضمنها في الفيلم، بل للتدرب على صناعة الدمية الأفضل. صبره كان مميزا ورغبته في الإتقان كان مختلفة، لم يتعجل أي شيء رغم عمره القصير.

استغرق تصوير الفيلم شهراً ونصف الشهر، كان لابد من تجهيز الدمى وتحريكها في جميع الأوضاع، ومن ثم تصويرها بالشكل الذي يجعل حركتها طبيعية. تطلب الأمر صبراً ومثابرة، وكان محمد خير من يقوم بذلك، تعود الصبر أثناء مرضه وأثناء تلقيه جلسات العلاج الكيماوي.

بلغ عدد الصور «الأطر» في الفيلم 3300 صورة (إطار)، واستمرت عملية تصوير هذه الأطر أسبوعين متواصلين كان العمل يتم خلالهما على مدى 24 ساعة. صنع محمد مسرحاً تدور عليه الأحداث خلال يوم واحد، صور تلك الأحداث، ثم أتم عمليات المونتاج خلال شهر واحد.

بعدها قدم محمد فيلمه لمختلف المهرجانات، أثار الإنتباه في العالم العربي وفي خارجه. حصل الفيلم على جوائز عديدة، أهمها جائزة أفضل فيلم أنيميشين في المهرجان الدولي لأفلام العائلة International Family Film Festival في لوس انجلوس عام 2012. كما حصل الفيلم على جائزتين أخريين هما جائزة التميز Award of Merit لأفضل فيلم انيميشن من مسابقة اكوليد كومبيتشن Accolade Competition في كاليفورنيا عام 2014، والمركز الأول لأفضل فيلم قصير من مهرجان رأس الخيمة للفنون البصرية في دورته الثانية عام 2014.

بالإضافة إلى ذلك شارك الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان سول الدولي الرابع للأفلام والصور القصيرة جدا في كوريا عام 2012 Seoul international Extreme-Short Image & Film Festival، ومسابقة مهرجان كازان الدولي للسينما المسلمة Kazan International Festival of Muslim Cinema في روسيا عام 2012 ، ومسابقة مهرجان الخليج السينمائي في دبي عام 2012 . كما شارك في مسابقة Best Shorts Competition في الولايات المتحدة الأميركية عام 2014

بأفلامه تحدى “هودجكن”

في عام 2013 هاجم «الهودجكن» Hodgkin’s محمد ثانية. عاد للعلاج، لكن المرض كان أقوى هذه المرة. على رغم ذلك لم يستسلم محمد، هذه المرة بدا أكثر إصرارا وأكثر شجاعة. قرر أن يقاوم المرض بإبداع أكبر، أن تكون المواجهة ندا لند، قرر توثيق صراعه المرير مع الهودجكن عبر فيلم توثيقي، مرة اخرى مستغلا فترات النقاهة بين جلسات العلاج الكيماوي التي كان يتلقاها في أحد مستشفيات العاصمة الأردنية، عمّان. وهكذا جاء فيلم «الهودجكن: كيف تجعل المرض صديقاً» العام 2014 ليشرح محمد من خلاله معاناته مع المرض أمام الكاميرا.

في فيلم (Hodgkin)، وهو آخر أفلامه التي عرضت، تحدث عن تجربته مع المرض وسرد معاناته معه وشجاعته في مواجهته. هذا المخرج المبدع بشكل مختلف… مختلف تماماً وضع للفيلم عنوانا فرعيا هو «كيف تجعل المرض صديقاً» جاء ليدلل على الروح المقاومة الوثابة التي يحملها محمد.

سرد الفيلم،  وهو وثائقي، خلال 45 دقيقة، معاناة محمد مع المرض، مستعرضا في الوقت ذاته مرض الهودجكن بشيء من التفصيل، وتاريخ اكتشافه ومحاولات علاجه.

أذهلت شجاعة المخرج الشاب لجان تحكيم المهرجانات التي شارك فيها فيلمه هذا فحصل على جوائز دولية وعربية أهمها جائزة التميز (Award of Merits) في مسابقة Best Shorts Competition  في كاليفورنيا عام 2014، وجائزتي التميز  Award of Excellence  لإفضل إخراج، ولأفضل فيلم توثيقي  في مسابقة اكوليد بالولايات المتحدة الأميركية Accolade Competition عام 2014، وجائزة فئة الفيلم المتوسط في الدورة العاشرة لمهرجان الجزيرة الدولي للأفلام التسجيلية، وجائزتا مهرجان نقش للأفلام القصيرة (البحرين) لأفضل فيلم وأفضل ممثل.

لم يتسلم محمد الجائزة الأخيرة، التي جاءت في شهر اكتوبر تشرين الأول 2014، وفي الوقت الذي كان يعيش فيها شهوره الأخيرة راقداً في غرفة العناية المركزة في أحد مستشفيات العاصمة البريطانية لندن. والده وابنته حضرا المهرجان نيابة عنه،  تسلما الجائزة التي منحتها اياه لجنة تحكيم المهرجان معتبرة فيلمه أفضل أفلام هذه الدورة وهي الثالثة من عمر مهرجان نقش للأفلام القصيرة، وذلك لتمكنه من توثيق معاناة مخرجه محمد جاسم الشخصية. اضافة إلى ذلك، منحت اللجنة محمد جائزة أفضل ممثل لأنه تمكن في فيلمه هذا أن يستحضر لحظان انسانية صعبة بعفوية وصدق بالغين. نقلها بشكل معبر أثر في متفرجيه، على الأخص أولئك الذين حضروا عرض الفيلم ليلة ختام المهرجان. غصت القاعة بدموعهم وعاشوا مع محمد تجربة مرضه وآلام هذا الورم الليمفاوي اللعين، الذي تمكن، بحسب بيان لجنة التحكيم، من استحضار لحظات انسانية صعبة وقاسية لكن مميزة فاستحق ان يكون افضل ممثل في المهرجان، وان كان لم يمثل، وتمكن فيلمه ان يفوز، بجدارة، بجائزة أفضل فيلم في هذه الدورة من المهرجان.

أفلام لم تر النور

قبل أن يسلب المرض كل طاقة وقوة من جسده، كان محمد يضع اللمسات الأخيرة على ثاني أفلام الأنيميشين التي يخرجها، كان ذلك فيلم «من هو الأفضل» Who’s the Best  الكوميدي الذي تدور حوادثه في محل الكترونيات، إذ تستعرض الأجهزة الموجودة فيه التقنية التي توجد فيها والعام الذي تم تركيبها فيه، متفاخرة بها متنافسه مع أجهزة أخرى ذات تقينات مختلفة. هذا الفيلم ظل حبيس غرف المونتاج، لا يعرف مصيره. كذلك كان محمد قد انتهى من تصور فيلم اميلون  Amilonوهو الآخر فيلم لم يرَ النور، وظل حبيس المونتاج.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s