“بِغَضّ الجرح”.. خلينا اصحاب

 

منذ أيام وصلني مقطع لنجم “السوشيال ميديا” أحمد شريف، عنوانه “شفيك هندي إنت!”، حسبته مقطعاً عنصرياً منتقصاً من الهنود. لكن شريف أفحمني حين انتقد العبارة أعلاه، وحين لم يسخر من الهنود، لكنه ضحك معهم، وشتان بين الحالين.

أكبرت هذا التوجه لدى شريف، وجدته إلى جانب خفة ظله وإبداعه، ذكيا في تبنيه لغة عصره سواء أكان ذلك مقصودا أم لا. واللغة التي أعني هي لغة الخطاب الحقوقي الذي يسود العالم إذ لم يعد مقبولا اليوم بأي حال وعبر أي وسيلة، تبني خطاب استعلائي، تحقيري، استخفافي يستهدف أي عرق، دين، طائفة، توجه، أو وجود إنساني. حتى منتهكي حقوق الإنسان لم يعودوا قادرين على تبني مثل هذا الخطاب، ولم يعد إنتهاك حرمة أي إنسان متاحاً على مستوى الخطاب الرسمي في أي مكان في العالم.

لم يعد هذا ممكنا في عصر السوشيال ميديا وما تتيحه من إمكانية التعرف على مختلف الثقافات الإنسانية الراقية ناهيك عن القوانين والأعراف الدولية، ما يعنى أن لا يكون مستغربا تبني شريف لهذا الخطاب وهو إبن هذا العصر المنفتح معلوماتيا.

لكن حالة الخدر التي أدخلني فيها مقطع شريف، سرعان ما تبددت بمقطع مغاير تماماً. مقطع من برنامج “منشن ٢” الذي تبثه فضائية البحرين، يفترض أن يكون كوميديا مضحكاً.

ومنذ بدايته كان واضحاً أن صناع “منشن2” لم يميزوا بين الكوميديا والاستهزاء بالآخر أو التنمر عليه، حين قاموا بالسخرية، بشكل انتقائي من بعض مكونات الشعب البحريني، وحين أعطوا الصلاحية لطرف ما أن يستهزأ بطرف آخر.

ننتظر من فضائية البحرين اشاعة خطاب راق، ليس صعبا تبنيه في عصرنا هذا، لا خطاب مستفز رجعي يعود بنا إلى الوراء وإلى خطابات سمجة مملة. نريد منها الدفع باتجاه الجمع لا التفريق. 

لم تعد الاستهانة بحرمة الاخر مقبولة على أي مستوى حتى لو جاءت بلسان كوميدي. نطمح لقناة ترتقي بخطاب البحرين الاعلامي الرسمي، وتحترم إنسانيتنا. وليسمح لي القراء ممن سخر منهم المقطع وأولئك الذين لم يطالهم هذا التنمر لكنهم يؤمنون بالخطاب المجتمعي الراقي، أن أقول نيابة عني وعنهم،  مستعيرة مقاطع عشوائية من قصيدة للشاعر عمرو حسن: “بِغَضّ الجرح”  خلينا إصحاب يا فضائية البحرين.

 

العالم … كما أراه!

لم يكن ألبرت أينشتاين رجل دين ولا سياسة، ولم يكن منظرا اجتماعيا أو نفسيا أو ما شابه، كان، كما نعرفه، عالم فيزياء وضع النظرية النسبية الخاصة والعامة وأسس الفيزياء النظرية الحديثة. ولم يدعي هو خلاف ذلك أبداً، بل إنه أكد مرارا وتكراراً بأنه رجل علم وليس سياسة. نعم، كان يهوديا متحمساً للفكرة الصهيونية، لكن حماسه ذاك تراجع بعد قيام الدولة اليهودية، فأطلق تصريحاته المعارضة بشدة لإنشائها، بل إنه رفض عرضاً لرئاستها، ونبه اليهود لمخاطر الهجرة الصهيونية كما دعاهم لعقد مواثيق شرف مع العرب.

ولعل ما لا يعرفه البعض، هو أن أينشتاين، قدم سلسلة مقالات تضم الكثير من الأفكار التي يمكن لها تأسيس مجتمع إنساني على مستو من الرقي والسمو، يتناسب مع أي فكرة دينية أو فلسفية عليا حول وجودنا على هذه الأرض.

أحد أشهر كتاباته كان مقالاً بعنوان “العالم كما أره”، تحدث فيه أينشتاين عن الغاية من وجودنا البشري، قال أننا لو تأملنا بعمق في كل تفاصيل إقامتنا المؤقتة على هذه الأرض، لوجدنا أننا مخلوقون… من أجل الآخرين، بدءًا من أولئك المقربين الذين نسعد إن تمكننا من تحقيق عيش رغيد لهم ومن زرع ابتسامة على وجوههم، وانتهاءًا بالآخرين الذين لا نعرفهم لكن ترتبط مصائرنا بمصائرهم… حين نتعاطف معهم، حين نشاركهم أحزانهم قبل أفراحهم، حين نكّون معهم مجتمعا بشريا متكافلا متعاضداً متحاباً.   

ويشير الكاتب بأن تحقيق ذلك هو في أصل وجودنا البشري، فجميعنا كما أشار، خلقنا نبلاء، مجبولون على الخير وعلى حبه للآخر وعلى التعاطف مع من يُحرمون الراحة والسعادة. ويرى أن انعدام تلك الروحية من نفوس البعض، تنتج سلوكاً “بهيمياً”، لا مبالياً بالآخر، وربما مؤذياً له، أومشاركاً، قابلاً، أو حتى صامتاً عن ذلك الإيذاء.

العالم كما يتمناه أينشتاين، عالم متعاضد متكافل، يعيش فيه بشر أسوياء، يؤمنون بمشاركة مصائرهم مع الآخرين، يعلمون أن أحد شروط تحقق إنسانيتهم هي أن يرفضوا أي تعاون في إرتكاب أي خطأ أو ذنب أو ظلم أو خبث أو شر يمس حق الآخرين.

 

ديل سبوونر… كم نحن وحيدون

في عام 2004، لم يشكل فيلم I, Robot  أكثر من كونه فيلم خيال علمي آخر من هوليود. أمتعنا بمشاهد معارك المحقق ديل سبوونر (ويل سميث) مع روبوتات تشبه البشر، تفكر مثلهم، وتحمل ذات الشرور التي يحملوها. خاض معها صراع سيطرة تحول لصراع بقاء. الروبوتات سيطرت على البشر، وتخلصت ممن تحدى سلطتها. خرجت الأمورعن نطاقها فأعادها سبوونر لطبيعتها وكبح جماحها.

لم تكن تلك فكرة عبثية من خيال كاتب، لكنه كان استشرافاً لواقع بتنا نعيشه اليوم، حيث تبدو الفكرة مجسدة أمامنا الآن، نعيشها، وحيث يبدو الفيلم واقعيا لا فيلم خيال علمي.  

الروبوتات التي حاصرت سبوونر في الفيلم هي ذاتها الأجهزة الذكية التي تحاصر حياتنا اليوم، ترافقنا على الدوام، وتتحول إلى مارد يقرر كيف نعيش، ومع من. مارد قادر على تقويض أحد أسس وجودنا الإنساني، ذلك المتمثل في قدرتنا على التواصل الحقيقي باستخدام.

أبالغ؟؟ حسنا.. كم حساباً تملك على وسائل التواصل الاجتماعي؟ كم ساعة تقضيها في التواصل يومياً عبر تلك الحسابات والأجهزة؟ ما الذي يمنحك إياه هذا التواصل؟

سهلت التكنولوجيا حياتنا، سرعت تواصلنا، جمعتنا، جعلت من عالمنا قرية صغيرة؟.  لكن كم عززت من مشاعر الوحدة لدينا، كم عزلتنا، أحبطتنا وخذلتنا، خدعتنا وجعلتنا نعيش وهم أبطال وفرسان استفقنا حين وجدناهم بشرا يشبهوننا، وربما أقل منا.

أتعرفون ما فعلته بنا التكنولوجيا حقاً؟ جعلتنا نحسن التحديق في شاشاتنا بشكل أفضل مما نحسن النظر إلى وجوه بعضنا أو الاستماع إلى أحدنا الآخر. علمتنا أن كل الأشياء قابلة للقص واللصق وأن رسالة شوقي أو قلقي أو حبي للآخر يمكن أن تُرسل إلى عشرات الأشخاص المتواجدين على “البرودكاست لست” والذين قد لا يعنون لنا سوى رقم أو “نيك نيم”.

كم نحن وحيدون. تملؤنا التكنولوجيا بوحدة موحشة قاتلة، تغرينا بمزيد من الالتصاق بها، لنصبح شبيهين بويل سميث أو بالروبوتات التي حاربها. من منكم يشعر بخطر هذه الوحدة المتعاظم ومن منكم يتوق لفارس شجاع يخوض حربا تشبه تلك التي خاضها ويل سميث في الفيلم.

 

معارك حب

لم أجد وصفا أفضل، من العنوان أعلاه، لتوضيح الحالة التي يعيشها أبطال مقالتي هذه على الدوام مع الأشياء. هؤلاء الذين نحبهم جميعا لكن عن بعد، نحب آثارهم فيما نكره وجودهم، نتغنى بشجاعتهم لكن نتبرأ من أفعالهم. نحاصرهم ننبذهم نعزلهم وربما أقمنا عليهم حدوداً ستأتي ضمن سياق “النهي عن المنكر”، كما نفهمه. 

سأسميهم “اللامنسجمين”، وستختلف مسمياتهم باختلاف نطاق لا انسجامهم، وبتباين الموقف منهم، فهم المنشقون، أو المتمردون، أو الخارجون عن الجماعة، أو المغردون خارج السرب، وربما…. الثوار.  

نرفضهم لأننا نعيش وسط ثقافة أساسها القبول بحالة الاستكانة والركود والاستسلام لأي فكرة سائدة، وإن عنى ذلك البقاء وسط مياه راكدة، والراكد هنا بمعنى الساكن الثابت، على اعتبار أن العيش ضمن ثقافة وفكر ومنهج حياتي واحد أوحد لا يتغير قيد أنملة عبر الدهور، هو الغاية المنشودة من وجودنا البشري وهو الخلافة التي نسعى لتحقيقها على وجه الأرض.  

واقعا، اللامنسجمون هم الحجر الذي يقلق حالة الركود والرضى “المفرغ” تلك والتي يعمل على ثبيتها الماسكون بزمام الأمور. اللامنسجمون هم المحفز على التغيير برفضهم حالة الثبات تلك، وبنزعاتهم “المكروهة” نحو الاستكشاف والتجريب وكسر القواعد المفضلة لدى الجميع بحجة العادة والموروث. على أيديهم ستأتي الاكتشافات العلمية والطبية والأنماط الفنية الجديدة والحركات الاجتماعية والتطويرات الاقتصادية والتغييرات السياسية والفهم الأفضل للدين.

هم الفنانون وهم القادة الثوار وهم واضعو النظريات وهم كل من يكسر الأنماط ويحارب موت النزعة البشرية والفطرة الانسانية الحقيقية بداخلنا، وهي الساعية للتغيير دوما والمحفزة على تحدي الأنماط الفكرية التي تأتي ضمن قاعدة “الله لا يغير علينا” و”الحشر مع الناس عيد” وإن عنى ذلك الرضا بكل أنواع الجمود الفكري، والانسجام المجتمعي “الميت المفرغ من أي وعي”.  

اللامنسجمون هم من يمتلكون القدرة الحقيقية على تغيير مجتمعاتهم وتطويرها، لأنهم هم وحدهم، القادرون على خوض المعارك التي أصفها بمعارك حب كونها تنطلق من رغبة حقيقية من هؤلاء الذين حملوا هموم مجتمعاتهم، ثم ارتفعوا بوعيهم وبحسهم الإنساني العالي للبحث عن حلول ستأتي من شجاعتهم في تجسيد المعنى الحقيقي للخلافة الإنسانية.