في أول أفلامه الروائية “على معزة وإبراهيم” المخرج شريف البنداري يغير صورة إبن الحارة المصرية ويرتقي بذائقة الجمهور

أوان – منصورة الجمري

علي_معزة_وإبراهيم

بتتبع فيلموغرافيا المخرج المصري الشاب شريف البنداري، يمكن بوضوح ملاحظة “انجذابه الشديد” لفكرة تقديم أفلام الطريق Road Movies  وذلك بدءا من فيلمه القصير “حظر تجول” الذي كان أحد الأفلام التي تضمنها فيلم “18 يوم” وصولا إلى فيلمه التوثيقي “في الطريق لوسط البلد” الذي ناقش فكرة مميزة تتمثل في تغير علاقة الأشخاص بالمكان، ثم فيلم “حار جاف صيفا” الذي تدور حوادثه بين عدة مدن مصرية، وانتهاءًا بفيلمه الروائي الطويل الأول “على معزة وإبراهيم” وهو موضع حديثنا في هذا المقال.

ومثل كل أفلام البنداري، فإن فيلم الطريق الطويل هذا، وأعني فيلم “علي معزة وإبراهيم” يبدو منذ الوهلة الأولى مختلفاً عن أي من الأفلام المصرية التي يمكن إدراجها تحت فئة أفلام الطريق، حتى عن تلك التي قدمت على يد مخرجين كبار وشكلت علامات مهمة في تاريخ صناعها أو في سيرة أبطالها من فنانين أو كتاب أو فنيين، نذكر منها على سبيل المثال، لا الحصر، فيلم “أربعة في مهمة رسمية” للمخرج علي عبدالخالق وفيلم “ليلة ساخنة” للمخرج عاطف الطيب. ولا أزعم أن فيلم البنداري أكثر تميزاً من تلك الأفلام،  لكن يمكنني الجزم بكل بساطة بأنه فيلم مختلف، طرحاً وأسلوباً، وروحاً قبل كل ذلك. ربما لكونه فيلماً فانتازياً على عكس ما اعتدناه من واقعية أفلام الطريق في السينما المصرية، والذي تتضح فانتازيته في عدة أمور وتفاصيل في الفيلم بدءا من الحب الذي يجمع بين علي ومعزته وإيمانه بقدراتها الخارقة ثم تفشي ذلك الإيمان والقناعة بين أهالي الحارة، وصولا لتوظيف إبراهيم (بطل الفيلم بعد علي ومعزته) لأصوات تملأ رأسه من أجل تعديل مسار بعض الأمور في عدد من مشاهد الفيلم.

بطل الفيلم هو علي “يقوم بدوره الفنان المسرحي علي صبحي” إبن الحارة الشعبية، البسيط في تفكيره العفوي في انسانيته، الذي يقع في حب معزة لأنه، بكل بساطة، يعتقد أنها منحت له من الله كتعويض عن خطيبته ندا التي فقدها بعد سقوطها من فتحة في أحد جسور القاهرة، ما يجعل منه سخرية وأضحوكة في الحارة، ويدفع بأمه لأخذه إلى معالج روحاني يقترح عليه القيام برحلة لرمي حصى مباركة في ثلاثة مسطحات مائية تقع في محافظات مصرية مختلفة.

لدى زيارته المعالج الروحاني، يلتقي بإبراهيم (يقوم بدوره أحمد مجدي) الذي يلجأ هو أيضا للمعالج ذاته بعد مرور بحالة إكتئاب تلازمه تتسبب فيها أصوات غامضة تملأ رأسه وتعوقه من مواصلة شئون حياته بل وتقوده إلى موت محتوم لاقته والدته قبله.

بطل الفيلم الثالث هي ندى، معزة علي وخطيبته، التي يؤمن علي إيمانًا تامًا بكراماتها التي لا تعد ولا تحصى، ما يجعل منه بداية أضحوكة لدى أهالي الحي، لكنهم جميعا ينتهون بالتسليم بتلك الكرامات مشاركين علي ذات القناعة حين تتبدل حوادث الفيلم ويحصل ما لم يكن في حسبان أي أحد.

ورضوخًا لضغوطات والدة علي، يقرر الأخير الاستجابة لنصيحة المعالج الروحاني واصطحاب ندا في رحلة عبر محافظات مصر لإلقاء حصى “لها قوة خاصة” في مسطحات مائية ثلاث اقترحها المعالج. ينضم إبراهيم لعلي، ويقرر البنداري توثيق تلك الرحلة الحافلة وأخذنا معه لنعيش تفاصيل  شيقة ومختلفة.

ولن تكون تلك الرحلة التي يقوم بها بطلا الفيلم هي ما يجعل من الفيلم فيلماً من أفلام الطريق، وحسب، لكننا منذ البداية نجد أنفسنا على الطريق، نلازم علي أولا، ونعيش معه تفاصيل يومه، هو وصديقه كاماتا (يقوم بدوره أسامة أبوالعطا)، ثم ننتقل إلى إبراهيم لنتعرف أيضا على حياته وسط الطريق، ونلازمه منذ طرده من مكان عمله حتى وصوله إلى منزله في ذات الحارة التي يعيش فيها علي الملقب بعلي معزة.

كذلك، فإن الفانتازيا في الفيلم ليست هي ما يجعله مختلفاً وحسب، لكننا سنجد عوامل أخرى عديدة بدءًا من القصة التي ستطرح بشكل لا يشبه ما هو سائد في معظم الأفلام المصرية، وصولا لحقيقة إن صانع الفيلم لم يلجأ أبداً لاستدرار عواطف جمهوره ولم يضمن فيلمه أي مشاهد تتضمن ابتزازًا عاطفيًا للجمهور، سواء في استعراضه لوضع علي العقلي والنفسي أو في تفصيله لحالة إبراهيم ومعاناته مع الأصوات التي تسكن رأسه والتي تسير به نحو نهاية محتومة.

في المقابل لا يجعل الفيلم من أبطاله أضحوكة، فهو ليس فيلما كوميديًا ينتزع الضحكات من مشاهديه على حساب وزن وثقل الشخصيات، لكنه بدلا من ذلك يجعل تلك الشخصيات الهامشية البسيطة العفوية تتخاطب بمنطق ينتج حوارات تتضمن كثيرا من الاسقاطات السياسية والمجتمعية، مستخدمين لغة تهكمية عالية. لن يسخر الفلم من علي ومن بساطته وخفة عقله، لكن البنداري يؤكد عبر مشاهد وحوارات عديدة تأتي على لسان علي، على أن هذه الشخصية ليست مغفلة أو معتوهة كما تبدو، ربما يكون علي ساذجًا نوعًا ما وبسيط العقل وعفويًا أكثر مما ينبغي لكنه بكل تأكيد … ليس غبياً.

وكما لن يستدر فيلم (علي معزة وابراهيم) عواطف المتفرجين، ولن يجعل من نفسه ومن أبطاله أضحوكة، فإنه في المقابل سيبهرنا بمواقفهم، ثم سيعود ليخفف درجة الانبهار تلك، حين تصدر من تلك الشخصيات مواقف تكسر انبهارنا بهم، فهم بشر عاديون في نهاية المطاف. البنداري سيجعلنا نقف من الشخصيات موقفاً محايداً، فعلي ليس مغفلا تماما وليس طيبا جدا، لذلك فما أن تبدأ في التعاطف معه حتى يقرر البنداري أن يجعلك تأخذ خطوتين إلى الوراء، تراجع فيها حساباتك من شخصيته وتترك بينك وبينها مسافة.

كذلك لم تكن نور وإسمها الآخر أو الحقيقي صباح (تقوم بدورها الفنانة ناهد السباعي) ضحية بالمعنى الحقيقي، وهي التي إلتقاها علي وصديقه كاماتا تصرخ في سيارة أجرة طالبة النجدة، أنقذاها معتقدين أنها ضحية حادث اختطاف بغرض الاغتصاب ليجدا بعدها أن الأمر لم يكن سوى حالة عدم اتفاق بين زبون و”فتاة ليل”.

لكن فيلم البنداري الذي يرفض السخرية من أبطاله، يتضمن في مقابل ذلك نبرة تهكم عالية، تبدو واضحة في جعل “المعزة ندى” بطلة فيلمه ونجمة تظهر في معظم المشاهد، وكذلك في تبني قناعة “علي” وإن بشكل تهكمي، في جعلها معزة غير عادية قادرة على التنبؤ بمواقع الخطر وحماية علي منها.

يأتي التهكم أيضا في تصوير الفيلم لبعض الشخصيات كشخصية الضابط التي تظهر في مشهد واحد في الفيلم والتي تبدو على درجة عالية من السادية (يؤدي دوره آسر ياسين). هذا الضابط الذي يصاب بنوبة سادية تجعله يوجه طعنات متتالية لبطن “دبدوب” ابتاعه علي لخطيبته ندى في عيد ميلادها، فيمزق أحشاء الدبدوب بحثًا عن مخدرات مزعومة، يغفل عن ملاحظة فتاة مختطفة تصرخ مستنجدة بالشرطة فيما يحاصرها أربعة شباب في وسط سيارة تمر مسرعة أمام نقطة التفتيش.

علي-معزة1

يختلف فيلم البنداري أيضا عن سواه من أفلام السينما المصرية في قدرته على جعل المتلقي (غير المصري على الأقل) يغير وجهة نظره من الشخصية التي تأتي من الحارة المصرية، على أقل تقدير، فهي ليست شخصية انتهازية لا تكترث للأخلاق والقيم. يخرج فيلم البنداري شخصية إبن الحارة المصرية الفقيرة من قالب نمطي لطالما ظلمتها السينما المصرية بوضعها فيه. تبرز هذه الشخصية في فيلم (علي معزة وابراهيم) في قالب جديد يمثله كاماتا، الذي لم يستغل حقيقة نور ولم يحاول استغلالها جسدياً بعد أن أنقذها لكنه يقرر اقناعها بالعودة إلى جادة الصواب ثم يتزوجها، رغم ما يفعله المخرج حين يوهمنا في أحد المشاهد بأن كاماتا قد تجاوز حدوده مع نور. بشكل عام يجعلك الفيلم تحترم جميع الشخصيات المعتادة في السنيما المصرية ويغير موقفك منها.

يغير الفيلم أيضا النظرة للفيلم الذي يسميه البعض فيلما مستقلا أو ذلك المصنوع بحرفية فنية عالية والذي لا يغازل شباك التذاكر، إذ يثبت أنه يمكن لهذه النوعية من الأفلام أن تأتي بنكهة تجارية فتجتذب الجمهور ليحبها، لكنها لا تنزل بذائقة ذلك الجمهور معتمدة مبرر ذلك النزول بقاعدة “الجمهور اللي عاوز كده”. في المقابل، لا يترفع الفيلم على الجمهور العادي، غير المتخصص، بحجة كونه فيلماً فنياً يلتزم بالقواعد السليمة لصناعة المادة السينمائية الراقية، مع الوضع بعين الاعتبار الاتهامات التي وجهت للفيلم من قبل بعض النقاد، والتي تتهمه بالترفع على جمهوره في جعل اسقاطاته غير واضحة.

_640x_3bdc598f739862b7eb188e65e84e46b69c69455ed0cb81d51b63d8f1976883ee

أخيرا، تمكن البنداري من تقديم فيلم راقياً بوصفة سينمائية تحترم جمهورها وترتقي بذائقتهم السينمائية. قدم الهم المصري بأسلوب فانتازي وبلغة تهكمية راقية، وعبر فيلم عفوي جدا مختلف جدا في طرحه وفي اسقاطاته وفي مباشرته ولا مباشرته وفي لغته السينمائية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s