الدراماتورج روبرتا ليفيتو: الجدران التقنية لا تهدد المسرح

أوان – منصورة الجمري

Roberta-Levitow

تبدي الدراماتورج ومدرسة المسرح روبرتا ليفيتو، وهي مؤسس مشارك لبرنامج المسرح التابع لمؤسسة صندانس الدولية، ومؤسس لمبادرة “مسرح بلا حدود” Theatre Without Borders، تفاؤلاً شديداً تجاه مستقبل المسرح، عالمياً، وهي لا تجد في فضاء الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أي تهديد من أي نوع كان للمسرح وللحركة المسرحية عالمياً، لكنهما، كما تشير، تقدمان للمسرح مساحة أخرى يمكن أن تضم أشكالاً مدهشة من العروض المسرحية التي تقدم داخل ما وصفته بـهذه “الجدران التقنية”.

هكذا أجابتني روبرتا حين جادلتها حول مدى قدرة المسرح على الاحتفاظ بقوته وسلطته وجاذبيته في ظل سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي على اهتمام الجماهير ومدى انشغالهم بها على مستوى عالمي، وبسبب تأثيرها “المفرق” والمضاد تماماً لما يفعه المسرح الذي يجمع الجمهور ويوحدهم مع ما يقدم لهم على خشبته.

روبرتا التي زارت البحرين أخيراً لتقدم عدد من ورش العمل المسرحية وذلك على هامش مهرجان الصواري المسرحي الدولي للشباب في نسخته الثانية عشر (1-10 سبتمبر/ أيلول 2018) ، أردفت مؤكدة بأن سلطة المسرح  “تذهب وتأتي” لكنها لا تزول، وأن الحال ظل كذلك عبر قرون عديدة ومنذ بدايات ظهور أول أشكال المسرح، موضحة “جوهر المسرح بقي على مر الوقت، وهو الذي يكمن في شكله الأولي حيث تحلق مجموعة من الأفراد في مكان واحد حول متحدث واحد ليتفرجوا على انعكاس ذواتهم”، لكن روبرتا توضح بأن الحالة المسرحية ليست مرهونة بتجمع الناس اليوم في مكان واحد”،  مردفة “تفرق التكنولوجيا الناس لكنها تجمعهم أيضاً في فضاء مختلف  قد يفرض أساليب مسرحية جديدة وأمزجة جديدة للتواصل المسرحي. ما الذي يقوله هذا الشخص وما الذي يشاهده هؤلاء الجمهور، هذا أمر يتغير وقد تغير بالفعل عبر الوقت”.

“رغم كل شيء سيظل شكل المسرح التقليدي موجوداً، ربما سيتغير مع الوقت لكنه لن يختفي” تضيف روبرتا.

وتستشهد روبرتا بما مر به المسرح مع بدايات ظهور السينما، إذ تقول “جاءت الأفلام إلى أميركا، وذهب الناس لمشاهدتها. وكان الجميع حينها يعتقدون أن المسرح انتهى ولكن مر كل هذا الوقت ولم ينتهي المسرح لكنه عاد بأشكال رائعة، بل وظل قاداً على اجتذاب الشباب للعمل فيه أو للتفرج عليه”.

تأتي زيارة روبرتا للبحرين ضمن واحدة من مبادرات مؤسسة صندانس الدولية، وهي المؤسسة المسئولة عن تنظيم مهرجان صندانس السينمائي الشهير، الذي يعتبر الحدث السنوي الرئيسي للمؤسسة. وتأتي تحت مظلة المؤسسة العديد من البرامج والمبادرات من بينها مبادرة برنامج المسرح  الموجه للعاملين في قطاع المسرح في جميع أنحاء العالم، وتعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إحدى وجهاتها، وهي مبادرة “لم تتلق أي طلبات مشاركة من البحرين أو الخليج” كما تشير روبرتا.

وتهدف هذه المبادرة إلى تطوير العاملين في المسرح من كتاب سيناريو ومخرجين وفنانين، وذلك عبر برنامج متكامل من الورش والبرامج التدريبية. وقد بدأت المؤسسة تنفيذ برامجها تلك أولا في منطقة شرق أفريقيا ثم انتقلت إلى شمال أفريقيا حيث جهزت مختبرين تدريبين في المغرب، ثم إلى منطقة الشرق الأوسط في لبنان ومصر والعراق. كما اهتمت المبادرة بالمسرحيين السوريين المقيمين في دول مثل ألمانيا والذين لم يكن بإمكانهم السفر إلى دول عربية أخرى، حيث تم عمل مختبر مسرحي في برلين.

  • تتحدثين في بعض مقالاتك عن قدرة المسرح على إحداث تغييرات كبيرة في المجتمع وعلى عمل نقلة نوعية في وعي الجمهور، وتؤكدين أن للمسرح دوراً هاماً في أوقات الأزمات المجتمعية. هل ينطبق هذا الأمر على المسرح اليوم، على الأقل في ظل التحدي التقني الذي تحدثنا عنه منذ قليل؟

هذا سؤال معقد لأن العالم كبير جداً، والأمور تتحرك بسرعات مختلفة في الأماكن المختلفة، لكن الأمر الذي ينطبق على العالم بأكمله هو أن الرغبة في رواية القصص ومشاركتها مع جمهور ما هو أمر عالمي، وهو أمر لن يتوقف لأنه متجذر في الطبيعية البشرية.

وتستدرك “رغم ذلك هناك تفاصيل مختلفة في كل سياق مجتمعي، وتتضمن هذه التفاصيل البنى التحيتة وعوامل أخرى مثل الميزانية المرصودة والأسلوب والبنى والسياق المسرحيين، وهذه أمور تتغير بسرعات مختلفة من مجتمع إلى آخر، وقد يكون تحولها أكثر راديكالية في بعض الأماكن عنها في أماكن أخرى. أحب دائماً أن أعتقد بأننا جميعاً، في جميع أنحاء العالم، يمكننا أن نساهم في دعم بعضنا الآخر مسرحياً. وهذه في الواقع أحد الأسباب التي تجعلني أحب شراكاتي وشبكات تعاوني كثيراً. جميعنا، في المجتمع العالمي الأكبر، يمكننا أن نساهم في خلق حالة الاتزان هذه، فقد تتوفر أمور معينة في مكان ما لكنها غير متطورة بشكل كاف في مكان آخر بحسب ما يطمح له الأفراد”.

EEVJ0807ثم تقول “حين أعود الى تاريخ المسرح، أجد تطورا كبيراً في أشكال التعبير المسرحي، بدءًا من الطقوس الجماعية وروايات القصصص أو إلقاء القصائد في الساحات العامة. حين يمثل هذا التاريخ أمامي،  أجد أن أشكال التعبير المسرحي تطورت كثيراً، وأن المسرحيين لم يعودوا مقيدين بأسلوب أو شكل مسرحي معين، أو حتى بمحتوى محدد، بل إنه يمكن للمسرح أن يكسر فكرة تواجد الممثلين والجمهور في مكان واحد بغرض الفرجة أو فكرة ما يجب أن يقدمه الفنان أو ما يفعله على المسرح. هناك مساحات مسرحية أخرى يمكن اكتشافها من قبل الفنانين وجمهورهم، وأنا متفائلة جدا وأتعامل بمرونه شديدة مع فكرة أننا، عالمياً سنتمكن من الانتقال لمساحات مسرحية جديدة رغم أن البعض يجدون صعوبة شديدة في تقبل هذا الأمر في الوقت الحاضر.

“هناك الكثير من المشروعات المسرحية الرائعة التي تم تنفيذها في أماكن مختلفة، فهناك مسرح الشارع الذي يقوم على فكرة أن العرض المسرحي يمكن له أن يجمع الغرباء في الشارع ليكتشفوا أمرا مذهلا معاً عبر عرض مسرحي. هذه العروض يمكن أن تقدم في المجمعات أو في وسط الساحات والشوارع. هذا أمر رائع، يؤكد فكرة وفلسفة هامتين تقف خلف هذه العروض، وهي فكرة المجتمع المسرحي، أين نجد مجتمعنا المسرحي وكيف نقدم عرضا مسرحياً يذكر أولئك الذين يعيشون بشكل منفصل، أنهم في الواقع مجتمع واحد. كيف ندهش جمهورنا، في المجمع أو في الشارع، وكيف نجعلهم يعيشون لحظات ساحرة ومثيرة”.

وتحمّل روبرتا مسئولية تقبل الجمهور لهذه العروض، إذ تشير “الأفكار كثيرة، لكن على الفنانين أن يقدموا عروضهم بطريقة تناسب مجتمعاتهم، وأن يجعلوا هذه العروض جذابة لمجتمهم المسرحي”.

  • بدأت عملك في الإخراج المسرحي في وقت لم تقتحم هذا المجال نساء كثيرات، لكنك واصلت حتى أصبحت إسما مسرحيا نسائيا هاما، كيف هو واقع المسرحيات في أميركا وفي العالم اليوم؟

منذ بداياتي أردت أن أكون مخرجة مسرحية، كنت أريد دوراً قياديا، وأن أنتج مسرحياتي. حينها كنت شابة في عشريناتي، ولم تكن  هناك غيري سوى إمرأتين أو ثلاث فقط ممن كن قد صنعن إسماً  كمخرجات مسرح في أميركا.

لقد قطعنا شوطاً طويلاً خلال الخمس وعشرين عاما الماضية، وبالنسبة لي فقد كونت نفسي مهنيا بشكل رائع وتمكنت من أن أنتقل من الاخراج لأن أصبح منتجة لأعمال مسرحية، ومن ثم لأن أشارك في تأسيس مبادرات مسرحية وشبكة مسرح عالمية.

عن رحلتها المهنية تلك تقول “لم أواجه أي مقاومة، وأشعر إنني محظوظة لأنني تمكنت من مواصلة طريقي رغم أنه لم يكن هناك سوى القليلات من النساء في هذا المجال حين بدأته. اليوم أعتقد أننا صنعنا نماذج للأخريات فتبعتنا الكثيرات، فأصبحن كاتبات ومخرجات ومنتجات ومديرات شركات مسرح وغير ذلك، إذ أصبح الأمر خيارا مطروحا أمامهن بعد أن لم يكن هذا الخيار متوفرا.

لقد تغيرت الأمور كثيرا، وأصبح هناك تحول دراماتيكي في الأمر، لكن رغم ذلك لا يزال أمامنا طريق طويل. بالتأكيد هناك الكثير مما يمكن عمله من أجل زيادة حجم المشاركة النسائية عالمياً، أو إحراز النساء للجوائز والتكريمات في هذا المجال وذلك للوصول الى أي شكل من أشكال المساواة. ولذا علينا أن نشجع الشابات على أن يواصلن الطريق ويحرزن المزيد من التقدم، وأن يكن دائما جزءًا من حل مشلكة نساء أخريات أو تشجيعهن”.

https://www.awanbh.com/single-