سينمائيا.. الأزمة السورية مادة ثرية لا جديد فيها

منصورة الجمري*

منذ بدايات اندلاع أزمة سوريا، بدت الأفلام التي أنتجت حولها، متحاملة إلىحد كبير، منحازة إلى جهة دون أخرى، والأهم من ذلك مثقلة إلى أقصى حد ببشاعة الهجمةاللاإنسانية التي تعرضت لها سوريا. جاءت معظم تلك الأفلام الأولى على يد سينمائيينسوريين، أكثرهم كان خارج سوريا وقت إنجاز فيلمه. والحق فإن أغلت تلك الأفلام قدمبلغة سينمائية رصينة إلى حد كبير لكنها بالنسبة لمشاهدة من خارج سوريا كانت تخاطبالوجدان السوري أولا ثم العالمي لكن بلغة عاطفية بحتة. ومن وجهة نظر شخصية، كانأهم تلك الأفلام فيلم “سلم إلى دمشق” للمخرج السوري المعروف محمد ملص.قدم ملص فيلمه ببراعة كبيرة وكان ذلك في عام 2013،  تحدث فيه عن ثورة بلاده “المسلوبة”وقال رداً على الصحفيين حول أسباب تقديمه للفيلم بأنه أراد من وراءه أن يفجر مشاعرالحنين واللوعة لمن غادروا بلادهم من السوريين.

من وجهة نظر شخصية مرة أخرى، كان فيلم ملص، رغم جودته العالية، مثقلا بكثيرمن المشاعر والعواطف الجياشة، ومتحاملا على جهة ما، ومنحازاً … ربما لموقفه منالأزمة التي اعتبرها ثورة من أرادوا التغيير.

توالت الأفلام بعدها، والحق فقد كثير من تلك الأفلام كانت جيدة، قدمهامخرجون صنعوا أسماءهم بجدارة. لكن حجم الاستنزاف العاطفي في تلك الفيلم بدا مانعاًمن تكوين صورة واضحة عما يحدث في سوريا، وأمراً غير مشجعاً لمتابعة المشاهدة أوتتبع ما يجد من السوريين في مجال السينما.

السنوات الأولى لم تكن على أية حال سوى بدايات الأزمة، السوريون، كماالعالم كله، لم يكونوا مدركين لما سيأتي بعد سنوات، وبالتطور اللاإنساني في أزمتهمالذي سيحل بالعالم أجمع. آنذاك كان السوريون، على الأقل ممن قدموا أفلامهم، يعيشونحالة ألم بارح وصدمة قاسية، وجحيم لا يطاق جراء ما تمر به بلادهم وما يعيشوه هم أوأهاليهم في داخل سوريا. كانت أفلامهم حينها تنطق بألسن مختلفة ومذاهب متباينة، وتبرزمواقف متعاكسة، سينمائياً وسياسياً. جميعهم تغنوا بسوريا، وكلهم بكوا عليها وأبكوامشاهديهم، بل واستنزف معظمهم مشاعر المشاهدين دون منطق واضح.

أزمة اللاجئين

تغيرت الصورة تماما في عام 2015 حين تفجرت أزمة أخرى انبثقت من الأزمة السوريةهي واقعاً أزمة اللاجئين السوريين في أوربا. بدأ الأمر بمشاهد مؤلمة نقلتهاالقنوات الإخبارية ونشرتها الصحف وتبادلها الناس على مواقع التواصل الاجتماعي. بداالأمر منذرا بكارثة إنسانية عالمية، ضحيتها الشعب السوري والفاعلين فيها .. كثر.

عند ما سيطرت أخبار وصور اللاجئين السوريين على الأخبار… تدخلت السينما..وثائقياً، وكانت تلك نقلة أكثر عاطفية وأكثر تعبيرا عن شعور منتجي تلك الموادالسينمائية ومواقفهم مما يحدث عالمياً. ربما كانت صرخات استنكار .. ضد سياساتالدول الخاصة بالهجرة واستقبال اللاجئين وربما كانت أكثر من ذلك…صرخة ضد سياسةعالمية أنتجت كل هذا العذاب الإنساني.

حمل المخرجون كاميراتهم، وذهبوا بها بعيدا، نحو مخيمات اللاجئين المنتشرة،ثم متنقلين بين الحدود الأوربية مصاحبين اللاجئين في رحلات شقائهم وهربهم نحو أملجديد وحياة أكثر أمنا وأقل شقاءا وبشاعة من تلك التي عاشوها في بلادهم منذ إندلاعأزمتها.

منظمة العفو الدولية مثلا تحدثت في عام 2016 عما أسمته بقائمة أفلام”رائعة” تعرضت لأحوال اللاجئين، كان منها  فيلم “بعد الربيع” After Spring (2016) الذي تعرض لأحوالاللاجئين السوريين في مخيم الزعتري في الأردن والذي حصل على جائزة مهرجان ترايبيكاالسينمائي.  ضمت قائمة العفو الدولية أيضافيلم “جمهورية اللاجئين” Refugee Republic  (2016) الذي يتعرض لأحوالاللاجئين السوريين أيضا ولكن في شمال العراق، وهو الآخر حصد جوائز مهرجانات دولية كثيرة، وفيلم “سلام يا جاري” SalamNeighbor   (2015) وهو الآخر يتحدث عن معاناة اللاجئين فيمخيم الزعتري بالأردن. ضمت القائمة فيلما مميزا رشح لكثير من الجوائز هو فيلم  نار في البحر Fire at Sea  (2016) الذي كان أحد أفضل الأفلام التوثيقيةالتي صورت معاناة اللاجئين  بشكل صادم وقويومؤثر. رشح الفيلم لأوسكار أفضل فيلم توثيقي وجرت أحداثه في لامبدوسا، إحدى جزرصقلية، التي كان يصل لها آلاف من اللاجئين السوريين وغيرهم بحثا عن حياة جديدةوأمل جديد. قدم الفيلم يومها تفصيلا مرعبا لرحلة أولئك اللاجئين، ولتأثير وصولهؤلاء على حياة سكان الجزيرة. كان فيلما مؤثرا صادقاً إلى حد كبير اضطر مخرجه لأنيبقى عاما كاملا في الجزيرة ليعاين الأحوال بنفسه وليعيش معاناة الطرفين… السكانواللاجئين. كانت تلك سينما حقيقية… تنقل قصصاً أصيلة بمصداقية عالية لتحدثتأثيرا كبيرا. 

من بين الأفلام التي تميزت أيضا كان فيلم (أريد أن أعيش) I want to Live  الذي يتحدث عن معاناة الأكراد السوريين فيمخيمات اللاجئين في كردستان، وفيلم (وطني) My Homeland  (2016) ورشح لأوسكار أفضلفيلم توثيقي، وفيلم 4.1 Miles  الذي يستعرض محاولات حرسالحدود اليونان لانقاذ لاجئين سوريين على سواحل جزيرة ليزبوس اليونانية، وهو الآخررشح لأوسكار أفضل وثائقي. 

توالت الأفلام بعدها ولا تزال كذلك حتى وقت كتابة هذا المقال، لتجعل الأمريبدو كما لو أن صناع الأفلام الراغبين في اقتناص جوائز المهرجانات الدولية، وجدوافي أزمة اللاجئين السوريين، وسواهم من اللاجئين بكل تأكيد، ورقة حظ رابحة، علىالأخص لدى المهرجانات السينمائية التي تقام في الدول الغربية، والتي تسعى لنقلصورة أخرى مغايرة لتلك التي تصنعها سياسات الغرب تجاه اللاجئين والتي فاقمت منمعاناتهم وخلقت أزمات جديدة للاجئين وللمجتمعات التي ينتقلون إليها.

ماذا بعد؟!

اليوم وبعد مرور عامين أو ثلاثة من ظهور موجة تصوير الأفلام الوثائقية التيتستعرض وتوثق معاناة اللاجئين السوريين، يبدو الأمر مختلفاً. إذ لم تعد هذه الأفلامتنقل أي جديد، لم تعد جديدة على العالم المشاهد التي تصور معاناة اللاجئين السوريينالهاربين من الموت والقتل والذبح وانتهاك الحرمات أو القصف والموت تحت أنقاضمنازلهم، لم يعد كل ذلك جديداً. حتى مشاهد غرق المهاجرين في البحر والصور التيتدمي القلوب.. لم تعد جديدة. ربما كانت صورة الطفل السوري الغارق على سواحل تركيانهايات عام 2015، ربما كانت كافية لهز ضمير العالم كله، لكن ذلك حدث حينها وأصبحتتلك  الصورة الآن مجرد ذكرى، لن تمحى نعممن ذاكرة كثيرين، لكنها ذكرى فقط.  

عرف الجميع ما عاناه السوريون، وكيف صارعوا الأمواج في قوراب ليست معدةلنقل بشر، وكيف يعاملهم حرس حدود الدول التي يلجئون إليها، ثم كيف تنقسم شعوب تلكالدول في مواقفها منهم، وكيف تحاول المجتمعات التي يلجئون إليها أن تستوعبهم، تقبلهمأو ترفضهم.

من وجهة نظر مشاهد عالمي، بعيد ربما عن سوريا، مشاهد غربي لنقل، ما الجديد الذينتنقله هذه الأفلام اليوم بعد سبعة أعوام من إندلاع الأزمة. لماذا يستمر إنتاجهاوتتكرر موضوعاتها وثيماتها ولماذا يستمر مخرجو الأفلام التوثيقية في حمل كاميراهموملاحقة اللاجئين في رحلاتهم عبر الحدود.

ألا تبدو تلك الأفلام الآن مستثمرة لمعاناة هؤلاء وربما مراوغة في موقفهاوفي نقلها لتلك المعاناة، مرتبكة بين واقع ما تسجله كاميرا مخرجيها ورغبات مموليهاوسياسات الدول التي تنتجها.

هذه الأفلام التي ادعت منذ بدايات انطلاقها في أوربا أنها تسعى لأن تجد حلالأزمة اللاجئين السوريين، لم تفعل شيئا ولم تغير الكثير في حال هؤلاء اللاجئين.وعلى رغم تبني بعض الجهات لعدد من تلك الأفلام على أساس توجهها الإنساني البحتوكذلك بناءا على توقعات تلك الجهات بأن يكون لتلك الأفلام تأثير إيجابي ما علىأوضاع أولئك اللاجئين، إلا أن حال أولئك اللاجئين بقي دون تغيير كبير يذكر.

يبدو الأمر استثمارا ومرواغة وانتهازا لفرصة تاريخية، لصناعة أفلام تحصدالجوائز، تلفت الأنظار، وتبرز أسماء صانعيها، وتصقل صور الدول التي تنتجها. فماالذي تقدمه هذه الأفلام من جديد ليستمر انتاجها حتى اليوم بذات الروح والتوجه. ألاتبدو تفاصيلها مكررة، شاهدها كثيرون مرات ومرات إما عبر تقارير أخبارية مباشرة حيةأو غير ذلك، أو حتى عبر ما يتم تناقله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سواء أكانصحيحا أم مفبركا.

ربما يريد العالم اليوم أن يشاهد صورة مختلفة، أن تقوم السينما بدور توثيقيمغاير. ربما نريد أن نعرف ما آل إليه حال هؤلاء المهاجرين في مجتمعاتهم الجديدة،تأثيرات وجودهم، سلبا وايجابا، سياسيا وثقافيا واجتماعيا. ربما نحتاج لوجود صناعأفلام، أكثر توازناً في نظرتهم للأمور، أكثر وعيا بدور السينما، التوثيقية على وجهالخصوص، أكثر إدراكا لأن إنسانية السوريين أو غيرهم لم تعد تحتمل مزيدا منالمزايدات لا يمكن لصانعي الأفلام بداية أن يتخذوا موقفا من جهة ما أو أن ينحازوافي أفلامهم لجهة دون أخرى. موضوع الأفلام يجب أن يكون معاناة السوريين من أي توجهومهما كانت انحيازاتهم أو مذاهبهم أو ايديولوجياتهم. عبثت كثيرمن الأيدي في سورياويكفي ما تكبده السوريون من وراء ذلك، ولذا فعلى السينما أن تنأى بنفسها عن كل تلكالمزايدات أيا كان نوعها. لم يعد هناك أي مجال لأفلام مثقلة بالابتزاز العاطفي كمافعلت الأفلام الأولى، أو لأي استثمار للأزمة أو صقل لصورة أي جهة ما على حساب آلامودموع ودماء السوريين. ربما آن للسينما العالمية أن تمارس أحد أدوارها بمهنيةعالية، وربما آن لها أن تناقش اليوم ما يحدث حقاً للسوريين ولمن استقبلهم ولمن يقفمع إنسانيتهم أو ضدها أو  من لا يكترثلها… بحيادية، بإنسانية، بمهنية عالية.

  • *مقال منشور في نشرة المنبر التقدمي الشهرية 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s