وثق بحثه في فيلم “ذرة رمل” الموسيقي المخرج البريطاني جايسون كارتر: موسيقي الفجري منحتني هوية “ما”

أوان – منصورة الجمري
مهما يكن من أمر مصداقية الروايات التي يوردها الموسيقى البريطاني جايسون كارتر في  فيلمه “ذرة رمل” Grain of Sand حول تاريخ نشأة وظهور موسيقى الفجري، ومهما تبلغدرجة دقة تلك الروايات أو عدمها، إلا أنه من الواضح تلمس كم الشغف الذي يحمله  جايسون لموسيقى لا تشبه أبداً الموسيقى التي اعتاد عزفها على أداة “الهايبر جيتار” التي يعشقها.
والحق فإن هذه ليست المرة الأولى التي تأخذ فيها موسيقى ثقافة وشعب ما،جايسون، بعيداً، ليحلق معها، يتتبع أصولها ويقتفي تاريخها، ثم ليدرس إمكانية مزجموسيقاه معها والخروج بتمازج ثقافي موسيقي جديد. فعلها في أفغانستان وفي باكستان وفي بعض دول روسيا، وهاهو الآن يفعلها في البحرين مكملا مشورا بدأه في الإمارات والكويت منذ أكثر من عقدين.
أبهرته أغاني الغوص التي سمعها أولا في الكويت، فغاص مع ألحانها، ثم إلتقاها في الإمارات العربية المتحدة، فوقع في حبها. وحين عاد ليلتقيها بعد عقدين في البحرين، اختلف الأمر. في البحرين، شغف جايسون بأغاني الغوص، بنوع واحد منهاعلى وده التحديد. كانت تلك موسيقى الفجري، وتجاوز الأمر الإعجاب بالفجري والرغبة في مزج موسيقاه بها، ليصل حد الرغبة في التعمق بالبحث عن أصولها، بالإطلاع على أساطيرها، وبفيلم توثيقي عرضه أخيرا ضمن برنامج ثقافي أقامته السفارة البحرينية في واشنطن أخيراً للتعريف بالثقافة والإرث البحرينين.
انبهر جايسون بثراء موسيقى الفجري، بعمق ألحانها، وبغموض نشأتها، ليجد نفسه باحثا، مخرجاً سينمائيا وليس مجرد موسيقى. وهكذا جاء فيلم “ذرة رمل” التوثيقي، ليتتبع جايسون عبره سيرة الفجري، وليحاول الدخول وسط دائرة الغموض المثيرة المحيطة بهذه الموسيقى.   
في الفيلم يبحر جايسون مع موسيقى الفجري الشعبية البحرينية، يدرس تاريخها ويتعرف على بداياتها، يحضر جلسات فرقة لا تزال تعتز بها وهي فرقة شباب الحد البحرينية، ثم يشارك الفرقة بموسيقى الجيتار التي يعزفها هو وبموسيقى المؤلف الموسيقي البحريني أحمد الغانم.
“أوان” التقت جايسون للحديث عن فيلمه، وعما يملكه فن الفجري ليأخذه كل هذه المسافة نحو السينما.
أغاني الغوص.. منحتني هوية
“لم تكن موسيقى الفجري هي موضوع بحثي الأول”، هكذا أخبرني، ثمأكمل “انبهرت بأغاني الغوص حين كنت أعيش في الكويت ثم في الإمارات. ذهبت معها في رحلة بحث طويلة، لكنها توقفت لظروف معينة”.
كان عمر جايسون حينها لا يتجاوز الثالثة والعشرين وكانت تلك أول رحلة له خارج المنطقة الريفية التي ولد ونشأ فيها في إنجلترا، لكن ما وصفه بانفتاح شعب الإمارات وبساطتهم ومحبتهم للآخرين شجعه على أن يخطو تلك الخطوات نحو ثقافتهم. وحين استأنف جايسون رحلة بحثه تلك بعد توقف عقدين، تبدلت وجهة الرحلة، ووجد نفسه يخوض رحلة أخرى، رحلة قوامها العشق… عشق موسيقى الفجري.  
سألته عن سر هذا الانبهار بموسيقى لا تمت لموسيقاه بصلة ثقافية ما، فأخذني برده لما قبل خمسة أعوام من الآن “الفيلم بالنسبة لي هو رحلة وتجربة عميقة مثرية، بدأت بفكرة واتتني بعد وفاة والدتي عام 2013. كان ذلك وقتاً صعباً جدابالنسبة لي، وكنت وقتها أعيش مرحلة انتقالية أبحث خلالها عن مشروع موسيقي جديد”.
جال جايسون العالم بأداته الموسيقية (الهايبر جيتار)، زار دول عديدة، تعرف على ثقافاتها الموسيقية، درس تلك الموسيقى، تعرف عليها، أحبها، ومن ثم مزج ألحانه بألحانها ليخرج بألوان موسيقية مختلفة. توقفت رحلة جايسون بعد وفاة والدته، ولبعض الوقت استقر في فرنسا، وبدا وكما لو أنه ينطلق في رحلة مختلفة، رحلة وجد نفسه يبحث فيها عن هويته.
بعد وفاة والدته التي كانت قريبة منه إلى حد بعيد، بدا كل شيء مختلف في نظري، ووجد جايسون نفسه في مواجهة خاسرة مع الحزن والأسى، ووسط كل ذلك شعر بحنين وصفه بأنه (غامض) لأغاني الغوص الخليجية.
“بعد عودتي مباشرة من جنازة والدتي، وجدت بنفسي حنينا لأغاني الغوص الخليجية. سارعت للاستماع إليها، كانت ألحان فرقة إماراتية”. 
حينها، يضيف جايسون “وجدت أنني لا أزال أحمل انبهارا بهذه الموسيقى ولا تزال ألحانها تأسرني. أخذتني الموسيقى لمكان آخر، وبدأت أفكر في أمور عديدة من قبيل أنني يتيم وأنني طفل تم تبنيه، وفي الواقع، فإن هويتي غير واضحة بالنسبة لي. كما وجدت أن العناصر الثقافية القديمة تجذبني بشكل لا استطيع تفسيره وتمنحني ما لا أملكه. إنها تمنحني هوية ما”.
ويوضح “على أية حال، انفتاحي على الموسيقى ليس جديدا ولعله هو ما حافظ على توازني النفسي دائماً. كما ان انبهاري بأغاني الغوص وبالثقافة الخليجية ليس أمراً جديداً، فقد ملكني شعور غريب منذ زيارتي الأولى للخليج عام 1993. أذهلني سحرالمكان إذ كان تراث الخليج وثقافته واضحين بشدة حينها، وكان الأمر يبدو كما لو أن الزمن يعود إلى الوراء بمجرد أن تحط أقدامك على أي أرض خليجية”.
ثم يكمل “هكذا ومنذ تلك اللحظة، أصبح موضوعات الهويات شغلي الشاغل،وبدأت أفكر في هذه المفردة على وجه التحديد. الهوية كلمة ذات دلالات كثيرة ومضامين عميقة، وهي أمر لا يمكننا تجاوزه على المستوى الفردي، والجمعي، أو على مستوى المجتمع الأصغر والأكبر وصولا إلى المجتمع العالمي”.
البحرين الساحرة
وعن علاقة ذلك بالموسيقى، قال “يمر العالم اليوم بمرحلة انتقالية حاسمة وكبرى، وهو ما ينتج حالة من عدم الإتزان ويؤثر على إحساس الأفراد من مختلف الثقافات بهوياتهم. من وجهة نظري فإن الموسيقى والفن هي أحد أكثر الأدوات قوة وقدرة على تغيير الأجواء، لا أزعم أنها تغير العالم لكن يمكن لها أن تغير شخصياواحدا يمكن له أن يحدث فرقا في العالم. أؤمن بقدرة الموسيقى على تغيير الناس وعلى تغيير أولئك الذين يملكون النفوذ والقادرين على احداث التغيير في مجتمعاتهم. ونحن كفنانين إذا فهمنا قوة الفن الذي نقدمه وقدرته على التغيير فسوف نكون قادرين على احداث التغيير”.
بحثا عن هويته واستجابة لذلك الشعور الغامض الذي تحرك بداخله لحظة سماعه أغاني الغوص الخليجية، قرر جايسون العودة إلى الخليج للغوص في أغانية والبحث بشكل أكبر عبر فيلم هذه المرة وليس مجرد وصلة موسيقية مشتركة.
حين عاد فوجئ بما لم يكن في الحسبان. ويوضح ذلك قائلا “في الحال قفزت في ذهني فكرة العودة إلى، الإمارات، دبي التي أعرفها جيدا، قررت البحث في تلك الموسيقى لأتعرف عليها ولأجد نفسي”
لم تكن دبي عام 2013 هي دبي عام 1993، تغيرت وتيرة الحياة بشكل سريع جدا في دبي، ولم تعد الملامح الخليجية واضحة في المدينة. قرر الانتقال إلى أبوظبي، لكن الحال سواء “وجدت دبي، كما أبوظبي، وقد فقدتا شيئا من خصوصيتهما الثقافية. من المستحيل أن تصمد أي ثقافة في العالم أمام التطورات التي تحدث بسرعة كبيرة، دون أن تخسر تلك الثقافة شيئا ما، في الواقع تأتي هذه التطورات على حساب ارتباط الأفراد بتراثهم وثقافتهم الأصيلة”.
ويواصل “لا يمكننا فصل الأفراد عن تراثهم الثقافي لأننا بذلك نفصلهم عن هوياتهم. تغير الإماراتيون بفعل ذلك التغير الهائل الذي طرأ على مجتمعاتهم،أصبحوا يملكون منازل جميلة وسيارات فارهة ووظائف مرموقة لكن أمراً ما أصبح مفقوداً لديهم”.
“فعلت ما بوسعي لينجح مشروع الفيلم في أبوظبي بل إنني أقنعت شبكات إعلام عالمية لتغطي الموضوع باعتباره فيلم يعزز الحوار ويمد الجسور بين الثقافات، وبالفعل حصلت على اهتمام شبكة السي ان ان، لكنني بعد شهور من العمل، وجدت أنني غيرقادر على اتمام الفيلم بسبب فقدان الروح الخليجية التي لمستها في التسعينات”.
فشل مشروع جايسون، وأحبط في تحقيق ما وصفه بـ “أفضل فكرة واتته في حياته”، لكن لقاءا عابرا مع صديقة مقيمة في البحرين، تم في شهر يونيو 2016،غير مجرى الأمور. اقترحت صديقته تصوير الفيلم في البحرين، أخبرته أن البحرين لاتزال تملك شيئا من ذلك  السحر الذي يعرفه جيداً.  
يقول جايسون “في البحرين التقيت بليديا مارتين، وهي خبيرة موسيقية حضرت رسالة الدكتوراة حول موسيقى الفجري”.
اصطحبته ليديا إلى فرقة شباب الحد، وحينها بدأت قصة جديدة. وسط الأغاني التي كانت الفرقة تغنيها، وجد جايسون انجذاباً خاصاً، بل شغفا، لموسيقى من نوع مختلف. كانت تلك الفجري، الموسيقى التي ستستأثر بشغف جايسون.
حين سألته عن سر ذلك الشغف، قال “بدأت أميز بين أغاني الغوص المختلفة،وألاحظ الجو الذي تشيعه موسيقى الفجري بشكل خاص، وكيف تنقل أعضاء الفرقة إلى جو آخر، مختلف تماماً، بمجرد أن تحضر”.
أحب جايسون موسيقى الفجري ووجد أنه سيكون قادرا على مشاركة الفرقة في عزف ألحانها،ثم أبهرته أكثر حين تعرف على أصولها وتاريخها بدءاً بالأسطورة التي تدور حولهاوانتهاءا بروايات تاريخية أخرى تتعلق بها.
الفجري … شغف وأسطورة
يقول جايسون “هنالك قصة شعبية تتحدث عن أصول الفجري وتدور حول ثلاثة من غواصي اللؤلؤ من المحرق زاروا ساحل أبوصبح في الدراز، وحين أقتربوا من مسجد أبوصبح سمعوا صوت لحن موسيقي يأتي من وراء المسجد، وكان أولئك الجن يعزفون ألحان الفجري”.
أما الرواية التاريخية التي استمع إليها جايسون وتبناها، كما يبدو، فتفيد بأن موسيقى الفجري جاءت أصلا من موسيقى مسيحية دينية، كانت تعزف قديما قبل تحول البحرين إلى الإسلام، وتشير إلى أن المسيحيين في البحرين ممن أرادوا حماية ثقافتهم بدءوا يعزفونها بشكل سري، ثم تطور الأمر فأصبحت هذه الموسيقى والأغاني تستخدم كأغان وموسيقى للغوص.
جايسون أضاف بأن ما يميز العازفين البحرينين لهذه الموسيقى الشعبية، عن سواهم، هو اعتزازهم بتراثهم الموسيقي، وعدم خجلهم من التحدث عن هذا الجزء الأصيل في ثقافتهم.
عدت لسؤال جايسون عن الكيفية التي يرى فيها الموسيقى معززة للهويات محافظة عليها، فقال “يمر العالم اليوم بمرحلة انتقالية حاسمة وكبرى، وهو ما ينتج حالة من عدم الإتزان ويؤثر على إحساس الأفراد من مختلف الثقافات بهوياتهم. من وجهة نظري فإن الموسيقى والفن هي أحد أكثر الأدوات قوة وقدرة على تغيير الأجواء، لا أزعم أنها تغير العالم لكن يمكن لها أن تغير شخصا واحدا يمكن له أن يحدث فرقا في العالم. أؤمن بقدرة الموسيقى على تغيير الناس وعلى تغيير أولئك الذين يملكون النفوذ والقادرين على احداث التغيير في مجتمعاتهم. ونحن كفنانين إذا فهمنا قوة الفن الذي نقدمه وقدرته على التغيير فسوف نكون قادرين على احداث التغيير”.
مهووس بالموسيقى والثقافة. 
سألت جايسون عن الجو الشاعري وحالة الشغف بالفجري اللتين تبدوان واضحتين في الفيلم، وعما إذا كان شغفه يتركز على الموسيقى بشكل خاص، أم إنه هوس ثقافي يمتد لكل عناصر ومكونات الثقافات المختلفة، البحرينية في هذا الفيلم، فقال “كلا الأمرين،إذ بالنسبة لي أعتقد أن أفضل ما في فيلمي هذا هو أنه محصلة تراكم لخبرات ثقافية كثيرة حول موضوع أغاني الغوص والموسيقى الشعبية بدأت منذ عام 1999 حين إلتقيت بالأستاذ علي عبدالله خليفة، الذي دعمني بشكل كبير وشجعني على أن أقوم بمشروع الفيلم، وقال لي إنني أملك موهبة تمكنني من الإنتقال بين الثقافات المختلفة بشكل سلس يخرج أفضل ما في تلك الثقافات. شجعني خليفة على أن أخوض تجربة مع ثقافات مختلفة في العالم، فعملت في مشروع دعمه المجلس الثقافي البريطاني في دول عديدة مثل كوريا الشمالية وأفغانستان وباكستان، تركز حول مزج موسيقاي مع موسيقى تراثية أصيلة لهذه الشعوب”.
أما عن أهمية تصوير فيلم حول موسيقى الفجري لتعزيز الهويات فيقول “أهمية فيلمي تأتي من تأكيده على أنه في ظل حالة عدم الإتزان التي يمر بها العالم وتأثيرها الكبير على الهويات الفردية، يأتي الفيلم ليقول أنك إذا أردت أن تتعرف على الآخرين فما عليك سوى أن تتحدث إليهم، وهذه المنطقة، أٌقصد منطقة الشرق الوسط، حصلت على تغطية اعلامية سيئة بشكل كبير في السنوت الأخيرة منذ أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من جرائم داعش”
يشير جايسون إلى أن فيلمه سيكون بمثابة اقتراب من الثقافة الأصيلة لدول الخليج وسيكون كفيلا بنقل صورة مختلفة عن تلك الصورة الشائعة في الإعلام العالمي، لكنه يؤكد “لا أزعم أن الفيلم سيكون توثيقا رسميا لتاريخ أغاني الغوص ولكنه توثيق لرحلتي الشخصية في ثقافة الخليج وإدراكي لأهمية هذه الرحلة لمد جسور الحوارالثقافي”.

 

 

 

وصلة المقال على موقع أوان الإلكتروني

https://bit.ly/2zhy3wg

 

 

 

 

 

 

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s